قال (ابن خويز منداد البصري المالكي): لم يختلف قول مالك أنه من نسيها في صلاة ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه، واختلف قوله: من تركها ناسياً في ركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، فقال مرة يعيد الصلاة وقال مرة أخرى يسجد سجدتي السهو، وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك، قال ابن خويز منداد: وقد قيل إنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام.
قال (ابن عبد البر): الصحيح من القول إلغاء تلك الركعة ويأتي بركعة بدلاً منها كمن أسقط سجدةً سهواً وهو اختيار ابن القاسم.
قلت: وممن ذهب إلى وجوب الفاتحة في كل ركعة من الأئمة": الإمام شرف الدين عليه السلام ، وقال الإمام المهدي عليه السلام : هو الظاهر، ورواه القرطبي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأُبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري، وعثمان بن أبي العاص، وخوات بن جبير، وابن عمر.
قال: وهو المشهور من مذهب الأوزاعي قال: فهولاء الصحابة بهم القدوة وفيهم الأسوة كلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة.
وحكي عن الطبري أن الواجب هي أو عدد آياتها وحروفها من القرآن.
الموضع الثاني: في ذكر الحجج
احتج القائلون بأنه يكفي قراءة الفاتحة ومازاد عليها مرة واحدة أو الفاتحة فقط عند من لا يوجب الزيادة بأن الصلاة اسم لجملة الركعات بدليل أنه لا يقال صلى فلان الظهر إذا لم يكملها أربعاً، والركعة الواحدة لا تسمى صلاة إلا على جهة المجاز، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد))، فسمى مجموع كل واحدة من الخمس صلاة، وإذا ثبت ذلك فظاهر أحاديث: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب))، والأحاديث التي فيها ذكر الزيادة يدل على أن من قرأ ذلك مرة واحدة فقد خرج عن عهدة الواجب؛ إذ الأصل عدم الزيادة، وإطلاق الكل على الجزء مجاز لا يصار إليه إلا بدليل، ويستدل لهم أيضاً بإجماع العترة الذي رواه الأمير الحسين ولفظه: ولا خلاف بين علماء العترة أنه إذا قرأ في ركعة واحدة الفاتحة وثلاث آيات مرة واحدة فقد خرج بذلك عن عهدة وجوب القراءة، وأجزأه قراءة مرة واحدة.
قلت: في أي ركعة أو مفرقاً كما في البحر وغيره، وهو الذي تقضي به ظواهر أدلتهم إذ لم يعين فيها محلاً لها، ومن أدلتهم: ماذكره في شرح التجريد وهو أنه لاخلاف في أن من أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة.
قال: فلو كانت القراءة فرضاً في جميع الركعات لكان المدرك للركوع غير مدرك للركعة إذ لم يدرك القراءة.
احتج القائلون بوجوبها في الأوليين فقط بمواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأميرالمؤمنين على القراءة فيهما، وفعلهما بيان لمجمل واجب، وبأنه قد ورد ما يدل على وجوب القراءة في كل ركعة من ذلك حديث المسيء صلاته وسيأتي، ومنه ما أخرجه ابن ماجة قال حدثنا: أبو كريب، حدثنا محمد بن فضيل (ح) وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر جميعاً، عن أبي سفيان السعدي، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لاصلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في فريضة أوغيرها)).
ابن ماجة هو: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني الحافظ الكبير صاحب السنن.
قال أبو يحيى الخليلي: ثقة متفق عليه يحتج به، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، روى له أبو طالب.
وأما أبوكريب فهو: محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، قال النسائي: لابأس به وفي موضع ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق أخذ عنه الستة، توفي سنة ثمان وأربعين ومائتن، روى له أئمتنا الأربعة والناصر.
وأما محمد بن فضيل فهو: ابن غزوان الضبي الكوفي، أبو عبد الرحمن الحافظ. قال النسائي: لابأس به، وقال أبو زرعة: صدوق، ووثقه ابن معين وابن حبان، توفي سنة خمس وتسعين ومائة، عداده في ثقات الشيعة.
احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة والناصر والنيروسي.
وأما سويد فهو: ابن سعيد بن سهل أبو محمد الهروي الحدثاني، وثقه الدارقطني، وقال أحمد: لابأس به، وضعفه بعضهم بعدما عمي لما ربما أنه كان يلقن، وأما كتبه فصحاح، وكذبه بعضهم لروايته في فضائل الآل.
قال علامة العصر: عداده في ثقات محدثي الشيعة، توفي سنة أربعين ومائتين، روى له أئمتنا الأربعة.
وأما على فهو: ابن مسهر القرشي أبو الحسن الكوفي الحافظ، وثقه يحيى، وأبو زرعة، توفي سنة تسع وثمانين ومائة، روى له محمد بن منصور.
وأما أبوسفيان السعدي فهو: طريف بن شهاب البصري الأشل، قال ابن عدي: ليس به بأس، احتج به الترمذي وابن ماجة، وضعفه يحيى، وقد مر تضعيف رواية الترمذي به، روى له المؤيد بالله وناهيك به.
وأما أبو نضرة بفتح النون ثم معجمة فهو: المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوفي البصري، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما.
قال (ابن عدي): كان عريفاً لقومه، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان ممن يخطئ.
قال (علامة العصر): عداده في شيعة الوصي، وذكر أن روايته عن علي وأبي ذر مرسلة، توفي سنة ثمان ومائة.
احتج به مسلم والأربعة، وروى له أئمتنا الخمسة.
قلت: وبما ذكرنا لا يصح حكم الحافظ على الحديث بالضعف، لاسيما وهو معتضد بغيره كحديث المسيء، وحديث أبي سعيد بلفظ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، رواه إسماعيل بن سعيد الشاكنجي.
قال (ابن عبد الهادي في التنقيح): رواه إسماعيل هذا وهو صاحب الإمام أحمد من حديث عبادة وأبي سعيد بهذا اللفظ.
قلت: ورواه في حواشي الأزهار، ومن حديث عبادة ومن جملة المؤيدات ما أخرجه مالك في الموطأ، والترمذي وصححه عن جابر أنه قال: من صلى ركعة لم يقرأ بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام.
قالوا: ومجموع هذه الأدلة يفيد بظاهره وجوب القراءة في كل ركعة، لكن ثبوت شرعية التسبيح في الأخريين من الرباعية وثالثة المغرب أوجب العدول عن الظاهر في ما ذكر، وبقي حكم القراءة في الأوليين على ما يقتضيه الظاهر من الوجوب إذ لا صارف له، وما ذكرناه من الأحاديث وثبوت القراءة في الأوليين من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والوصي عليه السلام مبين لإجمال أحاديث لا صلاة لا تجزئ ومقيد لإطلاقها، وأما الإجماع الذي رواه الأمير الحسين فلا يثبت مع خلاف من ذكرنا.
فإن قيل: ومن أين ثبت لكم شرعية التسبيح فيما ذكرتم؟
قلنا: ثبت لنا من وجوه: أحدها: أنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله كما سيأتي من رواية الهادي عليه السلام ، وفي حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الذي يلي ليلة الإسراء من حديث قتادة عن الحسن وفيه: فلما غابت الشمس نودي الصلاة جامعة، ففزع الناس واجتمعوا إلى نبيهم فصلى بهم ثلاث ركعات أسمعهم القراءة في الركعتين وسبح في الثالثة الحديث، وفيه فلما بدت النجوم نودي الصلاة جامعة ففزع الناس إلى نبيهم فصلّى بهم أربع ركعات أسمعهم القراءة في الركعتين الأوليين وسبح في الأخريين. الخبر أخرجه ابن خيثمة بإسناده إلى قتادة.
قال (السياغي): ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالاً يعني أن الحسن أرسله.
قال (علامة العصر): ذكر المزي في التهذيب عن يونس بن عبيد أن الحسن قال له: كل شيء سمعتني أقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمن لا أستطيع أن أذكرعلياً.
وفيه عن ابن المديني مرسلات الحسن البصري التي رواها عن الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها.
وعن أبي زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدته ثابتاً سوى أربعة أحاديث.
قلت: هو اللائق بدينه القويم، وعلمه الغزير، أن لا يروي إلا عن عدل، وأن لا يعتمد في دينه على من لا يرتضي طريقته، وأدلة وجوب حسن الظن بالمؤمنين توجب علينا حمله على ذلك، بل الوجوب فيه وفي من كان مثله في العلم والزهد والورع أوكد.
الوجه الثاني: أنه قد صح عن أمير المؤمنين عليه السلام ، قال الهادي عليه السلام : الذي صح لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسبح في الأخريين، يقول: ((سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر))، يقولها ثلاث مرات ثم يركع، وعلى ذلك رأينا مشائخ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبذلك سمعنا عمن لم نر منهم ولسنا نضيق على من قرأ فيها بالحمد ولكنا نختار ما روي لنا عن أمير المؤمنين، وذلك أنا نعلم أنه لم يختر ولم يفعل إلا ما اختاره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يفعل إلا ما أمره الله عز وجل بفعله واختاره له في دينه.
حدثني أبي عن أبيه أنه قال: يسبح في الركعتين الأخريين، قال: وعلى ذلك رأينا مشائخ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذلك روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يسبح في الأخريين يسبح في كل ركعة ثلاثاً: سبحان الله والحمدلله ولاإله إلاالله والله أكبر. ذكره في الأحكام، وقال في موضع آخر منه: وأفضل الذكربعد القراءة ما اختاره من التسبيح الواحد الرحمن وهو ماروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يسبح به في الأخريين وهو سبحان الله والحمدلله ولاإله إلا الله والله أكبر، يقول ذلك ثلاث مرات.
قال عليه السلام : فكل ذلك تصح لنا به الرواية عن سلفنا، ويصحح لنا التسبيح من الأخريين من صلاتنا.
وقال في (المنتخب): وصح عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر والمغرب والعتمة، ويسبح في الأخريين، وقد روى التسبيح عن علي عليه السلام في المجموع وفي العلوم.
قال (أحمد بن عيسى) عليه السلام : قد روي التسبيح عن علي عليه السلام ، وفيه عن القاسم عليه السلام بنحو رواية الأحكام عنه، وفيه: حدثني علي بن أحمد بن عيسى عن أبيه أن علياً صلى الله عليه كان يسبح في الركعتين الآخرتين من صلاته.
قلت: فكم التسبيح؟ قال عشر تسبيحات: سبحان الله سبحان الله.
وفي (أصول الأحكام): وعن علي عليه السلام أنه كان يقول في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر والعشاء والركعة الأخيرة من المغرب: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وروى في (المنهاج): إجماع قدماء آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم على صحة الخبر عن علي عليه السلام في التسبيح.
وقال في كتاب اللباب للحنفية: لا تجب القراءة إلا في الركعتين من الفرائض.
قال: وإلى هذا ذهب سفيان الثوري، وإبراهيم النخعي واقتداء بعلي عليه السلام . قال ابن المنذر: فقد روينا عن علي عليه السلام أنه قرأ في الركعتين الأوليين وسبح في الأخريين، قال وكفى به قدوة، ذكره في الاعتصام، والروض النظير.
وقال (القرطبي): قال الثوري يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ويسبح في الأخريين إن شاء، وإن شاء قرأ، وإن لم يقرأ ولم يسبح جازت صلاته، وهو قول أبي حنيفة وسائر الكوفيين.
قال (ابن المنذر): وقد روينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، وبه قال النخعي.
قلت: وقد استفيد مما ذكره القرطبي أن التسبيح مذهب من ذكر من الفقهاء، وأنه ثابت عن علي عليه السلام قولاً كما ثبت عنه فعلاً، وقد مر ثبوته من قوله عليه السلام من رواية القاسم عليه السلام ، وفي معالم السنن، وقال أصحاب الرأي: إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ، وإن شاء أن يسبح سبح، وإن لم يقرأ شيئاً فيهما أجزأه، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال: يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين، من طريق الحارث عنه ثم ضعف الرواية بالحارث، وقد مر توثيقه، وبما ذكرنا يثبت ما ادعيناه من صحة التسبيح في الأخريين وثالثة المغرب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن المبين للأمة ما اخلتفوا فيه من بعده، ولا التفات إلى قول أحد بعد رواية أئمة الهدى وتصحيحهم لذلك ممن غلب عليه سوء الاعتقاد فيهم حتى أن المقبلي جزم بإطلاق القول بأنه لم يروه أحد من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا أعلم هل ذلك لجهله بمرويات الأئمة وعدم الالتفات إلى كتبهم، أم لتنزيله لرواياتهم منزلة العدم، وعلى أيهما فقد أساء النظر وقصر فيما يجب، وأما ثبوت ذلك عن علي عليه السلام فكأنهم لا ينازعون فيه إلا أنه عندهم كسائر الصحابة بل كسائر الناس في عدم الحجة في ما صدر عنه، لكنه يقال فماذا يحمل عليه ما ورد فيه من الأحاديث المصرحة بوجوب اتباعه والأخذ عنه والرجوع إلى قوله، وأن الحق والقرآن معه، وأي فائدة تظهر في إيرادها إن لم تحمل على ما ذكرنا، ولعمري إن القوم لم يعطوا أمير المؤمنين حقه ولم ينزلوه المنزلة التي أنزله الله بها ولم يعملوا في جانبه بالسنة التي ظواهر أحوالهم تقضي بحرصهم على العمل بها.
الوجه الثالث: أن أهل البيت" مجمعون على شرعية التسبيح، وإنما اختلفوا في الأفضل منه ومن الفاتحة وإجماعهم حجة، وقد تقدم من كلام القدماء" ما يدل على ثبوت الإجماع عنهم، ورواه من المتأخرين الإمام المهدي عليه السلام وغيره والحجة لما ذهب إليه مالك بأنه قد ورد ما يدل على وجوب القرآن في كل ركعة، وما يدل على أن القارئ في ركعة قد خرج عن العهدة، والجمع بين الأخبار هو الواجب مهما أمكن، وهنا إذا قرأ في الأكثر من الرباعية والثلاثية صار عاملاً بالقراءة في ركعة، وبما ورد في القراءة في أكثر منها، هكذا قيل في الاحتجاج له وهو ضعيف؛ لأنه لايكون عاملاً بما ورد في القراءة في كل ركعة، والأولى أن يقال إنه قد يحكم للأكثر بحكم الكل في كثير من المواضع فكذا هنا، هذا على فرض صحة الرواية هذه عنه، وإلا فقد مر أنه لا يقول بذلك إلا مع النسيان، وأن الصحيح عنه مع النسيان إلغاء الركعة فيكون كقول الشافعي احتج من أوجب الفاتحة في كل ركعة بوجوه:
أحدها: أحاديث ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، والركعة قد تسمى صلاة، فكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن أخرى، فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن أخرى.
قلنا: إطلاق الصلاة علىالركعة مجاز ولا دليل عليه، قالوا: بل دليله الأحاديث السابقة وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه يمكن الاستدلال بتلك الأحاديث على وجه آخر، وهو أن نقول معنى الحديث: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب في كل ركعة وكذا لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة))، والمصحح لهذا التقدير ما ثبت في السنة قولاً وفعلاً.
قلنا: ما مر من ثبوت التسبيح في الأخريين يمنع ذلك.
الوجه الثاني: ما مر في حجة القائلين بوجوبها في الأوليين من حديث أبي سعيد.
قلنا: قد مر ما يوجب العدول عن ظاهره، على أنكم لم تجروه على ظاهره إذ لم توجب الشافعية وغيرهم الزيا دة على الفاتحة في شيء من الركعات، وكذلك لم يوجب أحد فيما أعلم الزيادة على الفاتحة في الأخريين فإذا لم تعملوا بالظاهر في الزائد على الفاتحة، فكذلك لا يجب العمل به في الفاتحة، فيما قام الدليل على خلافه.
الوجه الثالث: أنه قد ثبت الأمر بالقراءة في كل ركعة في حديث المسيء صلاته، وقد مر من رواية البخاري ومسلم وفيه بعد أن أمره بقراءة ما تيسر وعلمه بسائر الأركان: (وافعل ذلك في صلاتك كلها) وهو من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وقد أخرجه البخاري في مواضع منها ما مر، ومنها عن مسدد عن يحيى بن سعيد بالسند السابق، وأخرجه في الاستئذان من طريق عبدالله بن نمير، وفي الأيمان والنذور من طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله، وأخرجه مسلم أيضاً فقال حدثنا: أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة وعبدالله بن نمير(ح) وحدثنا ابن نمير، حدثنا أبي قال: حدثنا عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة أن رجلاً دخل المسجد فصلى ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في ناحية، فساقا الحديث بمثل هذه القصة يعني ما مر، وزادا فيه: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر)).
أبو بكر بن أبي شيبة هو: عبدالله بن محمد أحد أعلام الشيعة، بايع الإمام محمد بن إبراهيم عليه السلام ، وخرج معه للجهاد، وهذا الحديث قد خالف الشيخان في الطريق الأولى، فيه جميع أصحاب عبيد الله فكلهم رووه عن عبيد الله عن سعيد عن أ بي هريرة ولم يذكروا أباه، لكن قد قال الدارقطني: يحيى حافظ فيعتمد ما رواه، فيشبه أن يكون عبيد الله رواه على الوجهين.