وأما قولهم إن المراد بقوله فصاعداً ونحوه دفع توهم منع الزيادة، فيرده أن ذلك معطوف على الفاتحة والعطف يقتضي الاشتراك في الحكم، وتلك الأدلة صريحة في نفي إجزاء الصلاة بدون الفاتحة فيجب أن يكون حكم ما عطف عليها حكمها في عدم الإجزاء من دونه كما هو شأن العطف وفائدته، ولو أرادوا ما ذكروا لقال: فإن زدتم فلا حرج أو فهو خير، أو يجوز ذلك مما لايلزم منه الاشتراك في الحكم.
واعلم أن الجمع بين الأدلة هو الواجب مهما أمكن على فرض صحتها جميعاً، وهو يمكن حمل ما ظاهره إجزاء الصلاة من دون الزيادة على الفاتحة على النافلة كما قد أشرنا إليه سابقاً، ويؤيده تقييد الزيادة بالمكتوبة والتصريح بنفي الزيادة في النافلة، فإن قيل: لا يخلو هذا الجمع من تكلف؛ لأن أحاديث وجوب الزيادة صريحة في الإجزاء من دونها، وفيما احتج به النافون للوجوب ما هو صريح في نفي الإجزاء من دونها ولم يخص نافلة من فريضة، بل ظاهر حديث ابن عمر التسوية بينهما.
وهل هذا إلا محض التعارض الذي لا يصح معه الجمع على وجه مقبول، كيف وقد مر التصريح في حديث أبي سعيد بما يدل على عدم صحة الصلاة من دون الزيادة على الفاتحة في الفريضة والنافلة.
قيل: لا تكلف في ذلك مع ما ذكرناه من التقييد بالمكتوبة في الزيادة والتصريح بالصحة من دونها في النافلة، وكلام الشارع يبين بعضه بعضاً ويفسره.
وحديث ابن عمر لا يرفع ذلك، بل يجب حمل مطلق روايته على مقيدها، وحديث أبي سعيد لم يصرح فيه بنفي الإجزاء، وإنما قال لا صلاة ...إلخ.
فهو محمول على نفي الكمال في النافلة لهذه الأدلة، على أن تلك الزيادة لم يروها الهادي والمرادي كما عرفت، وقد ضعفوا تلك الطريق بطريق ابن شهاب السعدي، ويجوز أن يراد بالاجتزاء بالفاتحة فقط في حديث رزين في القراءة خلف الإمام لما سياتي من حديث أبي هريرة عند الحاكم.
وبعد: فلو فرضنا التعارض الذي لا يمكن معه الجمع لكان الواجب طلب الترجيح والعمل بالراجح، وإذا رجع إلى هذا وجب العمل بأدلة الوجوب لرجحانها سنداً ومتناً وحكماً وغير ذلك.
أما السند وهو الطريق إلى ثبوت المتن فمن وجوه منها كثرة الرواة حتى لو ادعى مدع إفادة ذلك العلم، لم يبعد مع انضمام طرق الأفعال إلى الأقوال.
قالوا: لا نسلم أن الكثرة تفيد الرجحان، وإلا لزم في زيادة الشهود مثله ولا قائل به.
قلنا: بل تفيده إذ بها يقوى الظن؛ لأن العدد الأكثر أبعد عن الخطأ من الأقل، ولأن كل واحد من الرواة يفيد الظن فإذا انضم إلى غيره يزداد الظن قوة حتى ينتهي إلى التواتر، ولا يلزم مثله في الشهادة بوجود الفارق، وهو أن باب الشهادة أضيق، فليس كل ما ترجح به الرواية ترجح به الشهادة. والذي اعتبر لفظها حتى لوأتي العدد الكثير بلفظ الأخبار لم يقبلوا.
وردت شهادة النساء في كثير من المواضع، ومنها أن في رواة الأولين من هو أعلم وأورع واظبط وأفطن وأحسن اعتقاداً و عدالة إذ فيهم من أئمة العترة وشيعتهم كالهادي والمرادي وغيرهما، وهم جامعون لهذه الأوصاف بلا شك.
وإذا رجعت إلى أحوال الصحابة فإن أبا سعيد وعبادة أجمع لهذه ممن خذل الوصي وتقرب إلى أئمة الضلال بسبه، وقد رمي أبو هريرة بالكذب والغفلة، ومن كان جامعاً لهذه الأوصاف أو أكثرها فهو راجح في الرواية على مقابله لغلبة الظن بصدقه، ومنها أنه قد مر أن ابن عمر وأبا سعيد ممن يقول بوجوب الزيادة، وكذا غيرهما ممن روى تلك الأخبار من الأئمة وغيرهم.
وقد ذكر الأصوليون أن خبر من عمل برواية نفسه أرجح ممن لم يعمل بروايته أو لم يعلم أنه عمل بها؛ لأن العمل بالرواية يضعف وهم الكذب، ولم ينقل لنا عمن روى حجة الآخرين أنه عمل بموجبها.
ومنها: أن في رواية الأولين من هو من كبار الصحابة والمتقدمين في الإسلام، ومن كان كذلك فهو أرجح لقربه من مجلس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيكون أعرف بحاله، ولأنه أشد صوناً لمنصبه فيبعده عن الكذب، وقد عكس بعض فقهاء العامة في متأخر الإسلام فقضوا بتقديم روايته على متقدمه لحفظه لآخر الأمرين، وهو ضعيف لما مر، ولأن في المتقدمين أمير المؤمنين، وسيأتي عنه أنه كان يزيد مع أم القرآن غيرها.
ومنها: أن الأصولين اختلفوا في الراجح من المسند والمرسل، فبعضهم رجح المسند لأن المرسل لا يقطع بصحة ماروى وإنما يظنها، ففي الإرسال مجرد ظنه، وفي الإسناد ظنون جميع الرواة، ولأن عدالة من أغفله المرسل لا يعرفها غيره، والمذكور في السند يعرف عدالة جميع من تحته في السند، وبعضهم رجح المرسل لأن الثقة لا يقول قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا مع القطع بقوله، وهو قوي إن عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل، وعن بعضهم قال: هما مستويان، وعلى أي هذه الأقوال فقد ثبت في أدلة الموجبين الإسناد والإرسال.
ومنها: أن ما استدل به الأولون متفق على رفعه، وحديث أبي هريرة مختلف في وقفه ورفعه، والمتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ومنها: أن أحاديث وجوب الزيادة ثابتة في كتب الأئمة والشيعة، وأخرجها مسلم وغيره من مشاهير المحدثين، ولا شك في ترجيح مافي كتب الأئمة وشيعتهم، وما رواه الشيخان أو أحدهما أو غيرهما من المشاهير على مقابله.
وأما الترجيح بحسب المتن وهو نفس الدليل من أمر ونهي أو عموم أو خصوص أو غير ذلك، فلأن أدلة الوجوب أقل احتمالاً إذ غاية ما فيها أن بعضها يحتمل الندب لو صحت القرينة، ولم يثبت ما يعارضها من أحاديث نفي الإجزاء، وأدلة الآخرين يحتمل كونها واردة في النافلة، أو في القراءة خلف الإمام، والأقل احتمالاً أرجح لقربه من المطلوب.
وأما الترجيح بحسب الحكم المدلول عليه من وجوب أو غيره فلأن أدلة الأولين تقتضي الوجوب والوجوب أرجح من الندب للاحتياط، ولأنه قد حصل الندب وزيادة، وأيضاً فإن أدلة الوجوب تفيد الثبوت وهو مقدم على النفي لاحتمال غفلة النافي، ولاشتمال المثبت على زيادة علم ولإفادة التأسيس، فإن قيل النفي معتضد بالأصل وبأن العمل به حكم بتأخره وعن الناقل لحكم الأصل فيكونان للتأسيس، بخلاف العكس فإنه يقتضي الحكم بتأخر الناقل فيكون المقرر لحكم الأصل للتأكيد، وحملهما على التأسيس أولى من حمل أحدهما على التأكيد.
قيل: أما الاعتضاد بالأصل، فيبطله أن التأسيس أولى من التأكيد، وأما الحكم بتأخره عن الناقل فذلك نسخ للناقل والنسخ لا يثبت إلا بالنقل، فيكون الإثبات أرجح، وأما الترجيح بغير ذلك من الأمور الخارجية فلأن القول بالوجوب موافق لعمل الوصي وغيره من الصحابة فمن بعدهم فإنهم لا يقتصرون على الفاتحة في المكتوبات، بل لايبعد الإجماع على العمل بذلك وإن اختلفوا في الوجوب وعدمه، وقد مر أن الرازي جعل هذه الطريقة من أدلة وجوب قراءة الفاتحة، فكذلك ما زاد عليها. والله الموفق.
فرع [تحديد الزيادة الواجب قراءتها مع الفاتحة]
واختلف القائلون بوجوب الزيادة في تحديدها، فقيل: آيتين، وقيل: آية، وقال القاسم والمؤيد بالله: ثلاث آيات أو آية طويلة، وقال الهادي عليه السلام : يقرأ بفاتحة الكتاب وبما تيسر من سور المفصل، أو ما أحب من القرآن كما قال الله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}[المزمل:20].
قال عليه السلام : وقد قيل إنه يجزي مع الحمد أن يقرأ المصلي ثلاث آيات من أي القرآن شاء، وقال من قرأ ثلاث آيات أنه قاس على ذلك سورة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}[الكوثر:1]، فقال ثلاث آيات.
قال عليه السلام : وأحب ما في ذلك إلينا نحن أن يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة كاملة. ذكره في الأحكام.
قلت: ظاهر كلامه عليه السلام أن القول بالثلاث الآيات ليس بمذهبه عليه السلام لكن قد روى المؤيد بالله عنه القول بأن الثلاث مجزئة مع الفاتحة ونسبه إلى المنتخب، وقال إنه قاسها على أصغر السور، واستدل له في البحر بأن دون الثلاث لا يسمى قرآناً؛ إذ ليس بمعجز، وهوضعيف؛ لأن القرآن جنس فيطلق على القليل والكثير، والشرط ما يسمى قرآناً لا ما يسمى معجزاً، ولو كان لا يسمى قرآناً لجازت تلاوته ومسه للجنب، وهم قد منعوه ولو بعض آية.
قلت: والأولى في الاستدلال بما مر في الأحاديث من النص على السورة تارة وعلى الثلاث أخرى، فتكون مفسرة لما أبهم في الأحاديث من قوله فما زاد، وقوله فصاعداً ونحوهما من المبهمات، وبهذا يبطل قول من قال لا تحديد للزيادة، بل الواجب معها شيء من القرآن، وهو الذي مال إليه الشوكاني لعدم صحة الأحاديث التي فيها ذكر التحديد بالسورة أو الثلاث عنده كما يفهم ذلك من قوله: وأما التحديد بثلاث آيات فلا دليل عليه، وقوله لوكان حديث أبي سعيد المصرح فيه بذكر السورة صحيحاً لكان مفسراً للمبهم في الأحاديث من قوله: فما زاد، وقوله فصاعداً وقوله وما تيسر، ولكان دالاً على وجوب الفاتحة وسورة في كل ركعة، ولكنه ضعيف.
قلت: وحديث أبي سعيد سيأتي من رواية ابن ماجة بلفظ: ((لاصلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة...))، الخبر، وقد مر من رواية الترمذي من دون قوله في كل ركعة.
وذكر الحافظ في الفتح: أن ابن حبان والقرطبي وغيرهما ادعوا الإجماع على عدم وجوب قدر زائد على الفاتحة.
واعلم أنه لا وجه للعدول عن القول بتحديد الزائد بسورة أوثلاث آيات فصاعداً مع قيام الدليل عليها من رواية أئمة العترة" كالهادي والأمير الحسين الذي قد نص في أول كتابه شفاء الأوام على أنه قد جمع فيه من عيون ما حفظه ونفيس مارواه زُبَدَاً مما صحت له أسانيدها ومتونها... إلى آخر ما ذكره، وهل اعتمد كثير من المحدثين وأتباعهم إلا على تصحيح مشاهير علمائهم.
هذا الشوكاني نفسه أكثر معتمده في التصحيح على الحافظ ابن حجر وأضرابه، فهلا نقول بقبول ما نص على صحته الأمير الحسين وأخذ به من أئمة آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشيعتهم الأمجاد العدول ما هذا إلا محض التحامل والنصب، هذا ولست أقول بأنه لا يجوز العدول عن مارواه مثل الأمير الحسين عليه السلام لمرجح أو وجود قادح، فقد نص العلماء على جواز العمل بخلاف ما رواه العدل لقادح أو مرجح، ولا يكون ذلك قدحاً في عدالته، ولا وصماً في جملة روايته، بل لوجوب العمل بالراجح عند الناظر، ومن الجائز أن يطلع أحدنا على قادح في صحة بعض ما رواه الأمير الحسين وأمثاله مع عدم اطلاعهم عليه، وإنما نقول بوجوب الاعتماد على مارووا حيث لا أرجح منه ولا اطلعنا على قادح يبطل العمل به، وأنه لا يجوز اطراح مروياتهم ونظمها في سلك الموضوعات حتى يقال كما قال الشوكاني في هذه المسألة لا دليل على التحديد بثلاث إلا توهم أنه لا يسمى ما دون ذلك قرآناً لعدم إعجازه، وكأن تلك الروايات لا تستحق الذكر ولو لمجرد بيان ضعفها فضلاً عن الاعتماد عليها، وليس ذلك لجهله بها فإنه بها عارف كما تشهد بذلك حاشيته على الشفاء، بل لأنه لم يكن النص على صحتها ممن يعتمد على تصحيحه عنده، فتنبه لهذا فإنه مهم.
وعليك بآل محمد فإنهم السفينة المنجية، والعصابة الهادية، هذا مع أن التحديد بالسورة أو ثلاث آيات معتضد بفعله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر، ولم يرو عنه الاقتصار على ما دون الثلاث.
وأما الإجماع الذي ادعاه ابن حبان وغيره فقد قال الحافظ: فيه نظر لثبوته يعني القدر الزائد عن بعض الصحابة وغيرهم.
قلت: وفي كون القرطبي ممن ادعى الإجماع نظر، فإنه قد حكى في تفسيره وجوب الزيادة عمن قدمنا ذكره من السلف وهم: عمران بن الحصين ومن ذكر بعدهم، ثم حكى اختلافهم في قدر الزائد فقال: منهم من حد بآية، ومنهم من حد بآيتين، ومنهم من لم يحده بشيء لحديث عبادة وأبي سعيد، ولعل القرطبي الحاكي للإجماع غير صاحب التفسير، لكن ما في التفسير يدفع صحة الإجماع، كيف وخلاف ما ذكرناه من أئمة الهدى مشهور، بل روى في البحر عن المؤيد بالله أن فاتحة الكتاب وسورة معها من فروض الصلاة القطعية التي تجب معرفتها على كل مكلف، ويؤيده ما مر من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وعمل الأمة، وإن كان الإمام المهدي عليه السلام قد قال فيه نظر للخلاف، لكنه يقال: الخلاف في المسائل لا يصيرها ظنية مع اقتضاء دليلها القطعي، وقد نبهنا على هذا فيما مر.
المسألة الثالثة [في تحديد قراءة الفاتحة هل هي في كل ركعة]
اختلفوا هل تجب القراءة في كل ركعة أم لا، والكلام فيها في موضعين:
الأول في ذكر الخلاف، والثاني في بيان الحجج.
الموضع الأول:
قال الهادي عليه السلام وأتباعه والمؤيد بالله: الواجب هذا القدر في الصلاة مرة واحدة فقط، ورواه الأمير الحسين عن علماء العترة، ورواه في البحر وغيره عن الحسن البصري، وداود، وزاد في النيل إسحق، واختاره محمد بن إسماعيل الأمير أعني أن القراءة لا تجب إلا مرة واحدة، والذي رواه القرطبي عن الحسن البصري أنه قال: إذا قرأ بأم القرآن مرة واحدة في الصلاة أجزأه ولم يذكر ما زاد عليها، فلعل الحسن ممن لا يقول بوجوب الزيادة، وقد روى القرطبي قول الحسن هذا عن أكثر أهل البصرة، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني.
وقال (زيد بن علي)، و(أحمد بن عيسى) و(الحسن بن يحيى) و(الناصر) و(محمد بن منصور): بل الفرض القراءة في الأوليين، وبه قال أبو حنيفة لكن من دون تعيين كما سلف عنه.
وحكى (النووي) عن (الثوري) و(الأوزاعي): أن القراءة تجب في الأخريين، ونقل الصباغ عن سفيان أنه قال: تجب القراءة في الأوليين وتكره في الأخريين.
وقال (مالك): تجب في أكثرها ثلاث من الرباعية واثنتين من المغرب وكل الثنائية، وقال الشافعي: بل تجب الفاتحة في كل ركعة، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف وكذا الحافظ في الفتح، ورواه ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن على عليه السلام ، وجابر وعن ابن عون، والأوزاعي، وأبي ثور، قال: وإليه ذهب أحمد وداود، وبه قال مالك إلا في الناسي كما حققه عنه أصحابه، ففي تفسير القرطبي قال مالك وأصحابه هي -يعني الفاتحة-: متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة.