منها: ما ذكره المؤيد بالله وغيره من أن التخيير في الآية عام للفاتحة وغيرها، خصصنا الفاتحة بالتعيين لتلك الأحاديث، وبقي التخيير فيما زاد عليها، ويشهد لصحة هذا التأويل قوله في بعض الأحاديث وما تيسر بعد الأمر بقراءة الفاتحة، وعلى هذا يكون معنى الآية والخبر اقرأوا ما تيسر من القرآن وفاتحة الكتاب، ومنها: أن الآية مجملة مبينة بالسنة، وسميت قراءة الفاتحة متيسرة؛ لأن هذه السورة محفوظة ومتيسرة للمكلفين، ويشهد له أنه قد ورد في حديث المسيء: ((ثم اقرأ بما تيسر))، وفي بعض ألفاظه: ((ثم اقرأ بأم القرآن))، فأطلق المتيسر على الفاتحة، ومنها: أنها واردة فيمن لا يحسن قراءة الفاتحة كما قيل في حديث المسيء، وفي هذه الاحتمالات جمع بين الأدلة، ودفع لدعوى لزوم نسخ القطعي بالظني.
الثالث: أنه لو فرض ثبوت دعوى النسخ فلا نسلم أنه من نسخ القطعي بالظني، فإن أحاديث الفاتحة متواترة معنى لمن بحث سلمنا، فالآحاد إذا اعتضد بقرينة تصدقه أفاد القطع، كما قيل في استدارة من كان في قباء إلى الكعبة بخبر الواحد، وهذا قد اعتضد بإجماع العترة وغيره، سلمنا فالمسألة صحيحة على أصل متأخري الحنفية، لأنهم يجوزون نسخ الكتاب بالخبر المشهور، وهذه الأخبار مشهورة، ولذا عدلوا إلى تأويلها، وأما حديث المسيء فمحمول على أحد الاحتمالات في الوجه الثاني من جواب الآية، والظاهر أنه وارد فيمن لا يحسن القراءة، لقوله في بعض رواياته: ((فإن كان معك قرآن...)) الخبر، وقرينة الحال والمقام تقوي ذلك.
قال في (الروض): فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعيين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن، فإن عجز عن تعلمها وكان معه شيء من القرآن، قرأ ما تيسر وإلا انتقل إلى غيره من الذكر.
وقيل: إن ذلك منسوخ بأحاديث تعيين الفاتحة.
نعم وما ذكرناه من أن الحديث يحتمل الاحتمالات السابقة فإنما هو على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية لفرضية شيء مما تشتمل عليه الصلاة، وأما على القول بوجوب الأخذ بالزائد فالزائد فلا إشكال في تحتم المصير إلى وجوب ما اقتضى الدليل وجوبه، وإن لم يذكر في حديث المسيء.
وأما حديث أبي سعيد فقال ابن سيد الناس: لا يدري بهذا اللفظ من أين جاء، والذي صح من طريقه خلافه وقد مر، وأما حديث أبي هريرة ففي إسناده جعفر بن ميمون، وقد مر أنه ليس بثقة، وقد رواه سفيان بن سعيد الثوري وهو إمام، فقال في متنه: إلا بفاتحة الكتاب فما زاد.
قال (ابن معين): وليس أحد يخالف سفيان الثوري -يعني في الحديث- إلا كان القول قول سفيان.
قلت: والحديث قد مر من رواية جعفر بلفظ: ((إلا بفاتحة الكتاب فما زاد)).
قال في (الروض): قد رواه يحيى بن سعيد القطان وهو من الحفظ والإتقان بالمكان الذي لا يخفى على أهل العلم، عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد)).
قال (الشوكاني): وليست الرواية الأولى بأولى من هذه، وأيضاً أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها، وأما قولهم لو وجبت لوجب تعلمها.
فقال (الشوكاني): هذا ملتزم فإن أحاديث فرضيتها يستلزم وجوب تعلمها، لأن ما لايتم الواجب إلا به واجب كما تقرر في الأصول، وما في حديث المسيء لايدل على بطلان اللازم؛ لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه، على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود والنسائي وأحمد وابن الجارود وابن حبان والحاكم والدار قطني: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: ((قل سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله)).
ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف لأن الاستطاعة شرط في التكليف، فالعدول هاهنا إلى البدل عند تعذر المبدل غير قادح في فرضيته أو شرطيته.
قلت: وهو جواب حسن، وسيأتي زيادة تحقيق في وجوب تعلم مالا تتم الصلاة إلا به.
ومن أدلة الحنفية ما في حديث ابن عباس عند ابن ماجة في ذكر إمامة أبي بكر ومجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القراءة من حيث بلغ أبو بكر، قالوا: فلو تعينت الفاتحة لابتدأ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وأجيب بأنه لا مانع من قراءته للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبابكر فيها؛ لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة لا في وجوبها في كل ركعة، نعم، يصلح هذا الاحتجاج به على عدم وجوبها في كل ركعة.
فائدة [في ذكر الصحيح من مذهب الحنفية في قراءة الفاتحة]
ما ذكرناه عن الحنفية من عدم وجوب الفاتحة هو المشهور عنهم.
قال (الشوكاني): والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة، لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطاً في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما يثبت بالسنة، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض، والفرض لا يثبت عندهم بما يزيد على القرآن، وقد قال [الله] تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}[المزمل:20].
فالفرض قراءة ما تيسر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجباً يأثم من يتركه وتجزي الصلاة بدونه.
قال: وهذا تعويل على رأي فاسد، حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولاحجة نيرة، فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع: لا يجزي كذا، لا يقبل كذا، لايصح كذا.
ويقول المتمسكون: بهذا الرأي يجزي ويقبل ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي، ذكره في النيل.
قلت: وقد حكى الرازي: إجماع الأمة على أن قراءة الفاتحة أولى من غيرها وإن اختلفوا في الوجوب، وحكى تسليم أبي حنيفة أن الصلاة بدون الفاتحة (خداج) ناقص، وجعل هذا أحد الوجوه المقتضية للوجوب؛ لأن الآية على ما يزعمه الحنفية يقتضي التخيير وهو باطل إذ لا تخيير بين الكامل والناقص، فتعين أن يكون المراد بالمتيسر الفاتحة.
واحتج الرازي علىالوجوب بأن قراءة الفاتحة أحوط للإجماع على صحة قراءتها، وقد قال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَاد، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}[الزمر:18].
واحتج أيضاً بأن الأمة مجمعة على العمل، وهي أنك لا ترى مسلماً إلا وهو يقرأ الفاتحة في الصلاة، فالتارك لها تارك لسبيل المؤمنين فيدخل تحت قوله تعالى:{ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ...} [النساء:115 ]الآية، فإن قيل إنهم لم يجمعوا على اعتقاد وجوبها، قلنا: عمل القلب غير عمل الجوارح فمن لم يأت بها فهو تارك لسبيل المؤمنين فيدخل تحت الوعيد، وهو احتجاج ضعيف فالحق إثبات وجوب الفاتحة بالأدلة السابقة وهي صحيحة صريحة.
تنبيه [في ذكر الزيادة من القرآن على الفاتحة في الصلاة]
في بعض الأحاديث السابقة ما يدل على وجوب الزيادة على الفاتحة، وفي ذلك خلاف، فذهب إلى الوجوب القاسم والهادي والمؤيد بالله، وهو مروي عن عمر وابنه عبدالله وعثمان بن أبي العاص، واختاره السيد هاشم والشوكاني.
وقال (القرطبي): قد أبى كثير من أهل العلم ترك السورة لضرورة أو لغير ضرورة منهم: عمران بن الحصين وأبو سعيد الخدري وخوات بن جبير ومجاهد وأبو وائل وابن عمر وابن عباس وغيرهم، قالوا: لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها من القرآن.
وفي (شرح صحيح مسلم) (للنووي): أن القاضي عياض حكى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة، وحكى القرطبي لمذهب مالك في قراءة السورة ثلاثة أقوال: سنة، فضيلة، واجبة، وذهب الشافعي وغيره إلى عدم الوجوب، ورواه القرطبي عن الجمهور.
احتج الأولون بما مر وهي صريحة في وجوب الزيادة وبما علم من ملازمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقراءة شيء من القرآن عقيب الفاتحة في ركعتي الفجر والأوليين مما عداهما، ونحن نأتي ببعض ما روي من ذلك، فنقول: روى الأمير الحسين في الشفاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه كان يقرأ في الصلاة بفاتحة الكتاب وسورة)).
وفي (صحيح مسلم): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن الوليد بن مسلم أبي بشر، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، وقال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك.
شيبان بن فروخ: أبو محمد الحنظلي، وثقه أحمد، توفي سنة خمس أوست وثلاثين ومائتين، روى له جماعة منهم: مسلم، وأبوداود، ومن الأئمة: أبو طالب، والمرشد بالله.
وأبو عوانة هو: الوضاح بن عبدالله اليشكري الواسطي. قال أحمد وعفان: صحيح الكتاب، وتكلم فيه بعضهم، توفي سنة ست وسبعين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة.
ومنصور هو: ابن المعتمر.
والوليد فليس هو الوليد بن مسلم الدمشقي أبو العباس الأموي صاحب الأوزاعي بل هو الوليد بن مسلم العنبري المصري، أبو بشر التابعي.
ذكره النووي ولم يذكره في الجداول فيبحث عنه، وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس منسوب إلى ناجيه قبيل البصري، وثقه ابن معين وأبو زرعة، توفي سنة ثمان ومائة، احتج به الجماعة وروى له أبو طالب، والسمان.
والحديث أخرجه أحمد، وفي صحيح البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة ويسمعنا الآية أحياناً.
مكي هو: ابن إبراهيم بن بشير بن فرقد التيمي الحنظلي البلخي أبو السكن، وثقه الدارقطني وابن سعد، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين، روى له من الأئمة: الموفق بالله.
وهشام هو: ابن عبدالله الدستوائي. قال الطيالسي: أمير المؤمنين في الحديث، وبالغ في الثناء عليه العجلي وابن سعد وأحمد وعده في الشافي من العدلية، احتج به الجماعة، وروى له المؤيد بالله.
ويحيى بن أبي كثير بالمثلثة، أبو نصر الطائي مولاهم اليامي، وثقه أبو حاتم، وقال شعبة: هو أحسن حديثاً من الزهري، وقال أحمد: إذا خالفه الزهري فالقول قول يحيى، توفي سنة عشرين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الخمسة.
وعبد الله بن أبي قتادة من مشاهير التابعين وثقاتهم، وثقه النسائي، توفي سنة خمس وتسعين. احتج به الجماعة وروى له أئمتنا الثلاثة، والحديث رواه مسلم.
قال: حدثنا: أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام وأبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، فذكره بسنده ومتنه إلا أنه قال: في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر، وزاد فيه: ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب.
وأبان هو: ابن يزيد العطار أحد الأثبات المشاهير، عده في الشافي من رجال العدلية.
وقال (أحمد): ثبت في جميع المشائخ، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، احتج به الستة إلا ابن ماجة، توفي بعد الستين، وروى له محمد بن منصور والمؤيد بالله.
وفي صحيح البخاري: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا شيبان، عن يحيى، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الأولى، وكان يطول في قراءة الركعة الأولى من صلاة الصبح ويقصر في الثانية.
أبو نعيم هو: الفضل بن دكين الكوفي، الأحول، الحافظ، أثنى عليه غير واحد، ووثقوه، توفي سنة سبع عشرة ومائة، عداده في الزيدية وثقات محدثي الشيعة، احتج به الجماعة، وروى له أئمتنا الأربعة، وصاحب المحيط.
وشيبان هو: ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب.
قال (أحمد): ثبت في كل المشائخ، ووثقه ابن سعد، توفي سنة أربع وستين ومائة، احتج به الجماعة، وروى له الثلاثة، وما في أمالي المرشد بالله شيبان عن أشعث، وكذلك عن منصور فهو بهذا، وما عند السيدين (م) و(ط) شيبان عن الحسن وقتادة فهو هذا، نبه عليه في الجداول.
ويحيى هو: ابن أبي كثير، والحديث رواه مسلم.
قال: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، حدثنا ابن أبي عدي، عن الحجاج، عن الصواف، عن يحيى... فذكره.
ابن المثنى هو: محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس العنزي -بفتح العين والنون- أبو حسين الزمن المصري الحافظ، أخذ عنه البخاري والجماعة، قال محمد بن يحيى: حجة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين، روى له المرشد الله وابن أبي عدي.
قال في (الجداول) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي المسلمي مولاهم، ثم قال وثقه أبو حاتم والنسائي، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، احتج به النسائي.
قلت: ومن أصحابنا السيلقي والحجاج، قال في الجداول: حجاج الصواف هو: ابن أبي عثمان الكندي مولاهم أبو الصلت إلى أن قال: وثقه أحمد وابن معين. توفي سنة ثلاث وأربعين ومائة. احتج به الجماعة.
قلت: وروى له محمد بن منصور أخرجه أبو داود، وزاد قال: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، وأخرجه النسائي وابن ماجة، وعن سليمان بن يسارعن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فلان لإمام كان بالمدينة.
قال (سليمان): فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين ويخفف العصر ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ويقرأ في الغداة بطوال المفصل، أخرجه أحمد والنسائي.
قال في (الفتح): صححه ابن خزيمة وغيره، وقال في بلوغ المرام: إسناده صحيح، والحديث محمول على ما مر من أنه كان يطول في الأولىمن الظهر أكثر من تطويله في الثانية، وإنما وصفت الثانية بالتطويل بالنسبة إلى غيرها، وأما تخفيف العصر فبالنسبة إلى الظهر، وأما الجزم بالمواظبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستفاد من تشبيه صلاة هذا الإمام بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم فيعارضه ما سيأتي من التطويل فيها، وقد حمل بعضهم العموم المستفاد من لفظ كان على الغالب لثبوت قراءته للسور الطوال والقصار في الصلوات كلها.
قلت: ويمكن أن يكون الإمام المذكور مروان بن الحكم فإنه الذي كان يواظب على قراءة قصارالمفصل بالمغرب.
وأبو هريرة كان من المتصنعين إلى بني أمية، وقد تولى من جهتهم المدينة، وقد أنكر زيد بن ثابت على مروان.
وفي (صحيح البخاري): حدثنا أبو النعمان، قال حدثنا: أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: قال سعد: كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاتي العشي لا أخرم عنها كنت أركد في الأوليين وأحذف في الأخريين، فقال عمر: ذلك الظن بك. قوله صلاتي العشي تنثية صلاة، والعشي بفتح العين وكسر الشين المعجمة: الظهر والعصر.
وفي رواية للبخاري من طريق موسى بن إسماعيل المنقري أي التبوذكي عن أبي عوانة بالسند المذكور صلى صلاة العشاء وهي هكذا عند ابن عساكر، وأخرم بهمزة مفتوحة ثم خاء معجمة ثم راء مهملة مكسورة أي: لا أنقص، وأركد بضم الكاف أي: أطول القيام حتى تنقضي القراءة، قوله وأحذف في الأخريين: المراد به التخفيف بترك ما زاد على الفاتحة أو كونه دون ما في الأوليين، وليس المراد به ترك القراءة لما في رواية موسى من قوله وأخف موضع وأحذف.
أبو النعمان هو: محمد بن الفضل السدوسي البصري الملقب بعارم، وثقه الدارقطني، وقيل: تغير بآخر عمره. توفي سنة أربع وعشرين ومائتين، احتج به الجماعة، وروى له المرشد بالله.
وعبد الملك بن عمير هو: عبد الملك بن عمير مصغراً ابن سويد أبو عمرو الكوفي الفرسي بفتح الفاء والراء ثم مهملة نسبة إلى فرس له سابق.
قال (النسائي): ليس به بأس، وقال أحمد: مضطرب الحديث، وقال ابن خراش: كان شعبة لايرضاه.
وقال الباقر عليه السلام : كان شرطياً على رأس الحجاج عاملاً لبني أمية.