الحلواني قال: يعقوب بن شيبة كان ثقة ثبتًا متقنًا، ووثقه النسائي والخطيب، توفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين، احتج به الجماعة إلا النسائي، وروى له من الأئمة الموفق وولده المرشد عليهما السَّلام ، والحديث رواه أيضًا الموفق بالله في الإحاطة قال: حدثني الثقة رفعه إلى معاذة العدوية قالت: سمعت عليًا عليه السلام يقول على منبر البصرة: (آمنت بالله قبل أن يؤمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن يسلم)، ورواه أبو جعفر الإسكافي، وقال أبو جعفر أيضًا: وقد روى ابن أبي شيبة عن عبدالله بن نمير، عن العلاء بن صالح، عن المنهال ابن عمرو، عن عباد بن عبدالله الأسدي قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (أنا عبدالله وأخو رسوله، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب، ولقد صليت قبل الناس سبع سنين)، وأخرجه أيضًا النسائي في خصائص علي عليه السلام ، قال: حدثنا أحمد بن سليمان الرهاوي، قال: حدثنا عبدالله بن موسى، قال: حدثنا العلاء فذكره بسنده ومتنه إلا أنه قال: (لا يقولها بعدي إلا كاذب)، وقال: (آمنت قبل الناس سبع سنين). وأخرجه الطبري في تأريخه قال: حدثنا أحمد بن الحسين الترمذي، قال: حدثنا عبدالله بن موسى إلى آخر السند والمتن إلا أنه قال في آخره: لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس سبع سنين.
وقال عن عبدالله بن عبدالله موضع عباد بن عبدالله، قال ابن أبي الحديد: وفي غير رواية الطبري: (أنا الصديق الأكبر وأنا الفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته سبع سنين)، قال: كأنه عليه السلام لم يرتض أن يذكر عمر، ولا رآه أهلاً للمقايسة بينه وبينه، وذلك لأن إسلام عمر كان متأخرًا، قلت: وحديث عباد قد ذكره في تتمة الروض وقال: أخرجه ابن أبي شيبة والنسائي في الخصائص وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي والحاكم وأبو نعيم في المعرفة.

نعم وأما الكلام على رجال هذا الحديث، فأما ابن جرير وابن أبي شيبة والنسائي وغيرهم من علماء الحديث المشهورين فلا حاجة إلى التكلم عليهم لشهرة عدالتهم وضبطهم.
وأما غيرهم فأحمد بن الحسين الترمذي شيخ ابن جرير لم أقف على ترجمته.
وأما أحمد بن سليمان الرهاوي شيخ النسائي فذكره في الجداول من رجال المرشد بالله.
وأما عبدالله بن موسى فالظاهر أن الصواب عبيدالله بن موسى وهو عبيدالله بن موسى بن باذام العبسي وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم والذهبي، وقال: لكنه شيعي منحرف، وقال كذلك أبو داود، وعداده في الزيدية وثقات محدثي الشيعة، توفي سنة ثلاث عشرة ومائتين، احتج به الجماعة، وروى له من أئمتنا الناصر والخمسة والحاكم في المحيط والمناقب، قال في الجداول: وأينما ورد عبيدالله بن موسى هكذا في كتب أئمتنا الثلاثة فهو العبسي.
وإنما قلنا: إن الصواب عبيد الله بن موسى؛ لأن في الجداول في من اسمه عبد الله مكبراً عبد الله بن موسى العبسي، قال: والصواب عبيد الله، وذكر في ترجمة العلاء أن من الآخذين عنه عبيدالله بن موسى.
وأما عبدالله بن نمير شيخ ابن أبي شيبة فهو: أبو هشام الخارفي، وثقه ابن معين، توفي سنة تسع وتسعين ومائة، روي عنه أنه قال: والله لا أصلي على رجل في قلبه شيء على علي بن أبي طالب، احتج به الجماعة، وروى له محمد بن منصور.
والعلاء بن صالح هو الكوفي، وثقه أبو داود وابن معين، وقال أبو حاتم وأبو زرعة: لا بأس به، توفي سنة أربع وأربعين ومائة، عداده في ثقات محدثي الشيعة، احتج به الأربعة إلا ابن ماجة، وروى له محمد بن منصور والمنهال من رجال البخاري.
وعباد هو: الأسدي الكوفي، أخذ عن الوصي، وهو أحد ثقات الشيعة، وثقه ابن حبان، وروى له محمد بن منصور، وأما ما في سند ابن جرير من جعل عبدالله بن عبدالله موضع عباد بن عبدالله فما أظنه إلا وهمًا.

وقال علي عليه السلام في خطبة الفخار: (أنا الصديق الأكبر والفاروق الأجهر، أنا ذو النورين الأزهرين)، ولما سأله عامر بن الكوى البيان على ما ذكره في هذه الخطبة، قال في بيان ما ذكرناه هنا: أما قولي أنا الصديق الأكبر فلقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صلتْ عليّ وعلى عَلِيٍّ الملائكةُ سبع سنين، وأما قولي: أنا الفاروق الأجهر فما جاهر أحد في التفريق بين الحق والباطل مثلي حتى بددت من عانده، وقاتلت من كايده، وأما قولي: أنا ذو النورين، فأنا ذو النورين الأزهرين لم يكن لفاطمة شبه في النساء ولا يكون مثلها أبدًا، ثم تزوجت أمامة ابنة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي ابنة أبي العاص.
روى هذه الخطبة وسؤال ابن الكوى وجواب علي عليه السلام الإمام الحسن بن بدر الدين في أنوار اليقين، وفي الباب غير ما ذكرنا، وإذا تقرر لك هذا علمت أنه لو صح وصف أبي بكر بالصديق لم يكن في ذلك دليل على إمامته ولا على تفضيله على الوصي عليه السلام لثبوت كون أمير المؤمنين عليه السلام أحق منه بذلك الوصف وأكبر، ولا يخفى ما في ما أوردناه من التعريض بمن يدعي هذه الأسماء، أو يدعيها له غيره.
وهاهنا نكتة وهي: أن الرازي قد جعل الآية دليلاً على إمامة أبي بكر لأنه رأس الصديقين بزعمه، وقد ثبت بما قررنا أن رأس الصديقين علي بن أبي طالب عليه السلام فتكون الآية دليلاً على إمامته على ما قرره الرازي؛ لأنه رأس الصديقين نصًا، وذلك أيضًا يتضمن نفي استحقاق أبي بكر لها؛ لأنه لا مزية له على سائر الصديقين كما بينا.

تفسير قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم}
من سورة الفاتحة
قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم}
فيه مسائل:

المسألة الأول‍ى
الغضب في اللغة: الشدة يقال: رجل غضوب أي شديد الخلق.
وفي (القاموس): إن الغضب ضد الرضا، فعلى هذا هو الكراهة، ويرادفه السخط كما يفيده القاموس.
وقال (الإمام المهدي) عليه السلام : الأقرب أن الغضب يستعمل بمعنى الغيظ يقال: غضب من فعل ولده أي: أغاظه فعله وإن لم يحصل في قلبه بغض له؛ إذ قد يتغيظ من فعل شخص ولا يرضى بنزول مضرة به، ويستعمل بمعنى البغض، ومن ذلك وصف الله تعالى بأنه غضب على الكفار والعصاة.
قال: ويرادفه في الاستعمالين: السخط، وعلى الاستعمال الثاني، فيقال في حده: هو إرادة ضرر الغير، وإذ قد ذكرنا الغيظ هنا فلنذكر حده فنقول: هو عند ابن متويه فوران النفس لكراهة ما وقع، وقال الإمام المهدي عليه السلام : الأقرب أنه في الأصل التغير إلى نقصان كما يقال: غاض الماء إذا ذهب في الأرض ونقص عن حده الذي كان يبلغه، واستعمل في صفة الشخص لأنه يتغير حاله إذا غضب إلى نقصان لأن الرضا كالزيادة والغيظ يذهب به كما يذهب الماء في الأرض، قال: وقد يفترق هو والغضب من جهة أن الإنسان قد يتغيظ من فعل نفسه ولا يوصف بالغضب من ذلك، وبعض أصحابنا يفرق بين الثلاثة فقالوا: الغضب إذا تعلق بالغير كالبغض والبغض نقيض المحبة يعني: أنه كراهة وصول النفع إلى الغير، والسخط نقيض الرضا وهو كراهة تعلق بفعل الغير متقدمة؛ لأن الرضا بالفعل هو إرادته، تقول: رضيت خروج زيد، أي: أردته هكذا في كتب الأصحاب.
وقال (الرازي): الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لشهوة الانتقام، وقال أبو السعود: هو هيجان النفس لإرادة الانتقام وهو في معنى الأول، وعلى هذا فمجرد البغض لا يكون غضبًا، وكذلك السخط على تفسير بعض الأصحاب له.

تنبيه [في معاني البغض والغضب والسخط والرضا]
وقد عرف مما مر أن البغض والغضب والسخط والغيض والرضا، وكذا المحبة وهي: إرادة نفع المحبوب وكراهة ضره أسماء لإرادة وكراهة واقعتين على وجوه مختلفة، وهذا قول أكثر أصحابنا. وقال أبو علي في قديم قوليه: بل هي معان مختلفة لأنه جعل الرضا والسخط معنيين غير الإرادة والكراهة، احتج الأكثر بما مر من أخذ الكراهة والإرادة في حدودها، فلو كانت هذه الأسماء مغايرة للإرادة والكراهة لما صح أخذهما في حدودها، ولصح أن يريد الشيء ولا يحبه، ويكرهه ولا يبغضه، واحتجوا أيضًا بامتناع نفي أحدهما وإثبات الآخر، إذ لا يقال: أنا أحب هذا الشخص ولا أريد نفعه، أو أنا غاضب عليه أو مبغض له ولا أكرهه، فإن قيل: إنهم يقولون أحب زيدًا ولا يقولون: أريده، فنجد المحبة تتعلق بالباقي والإرادة لا تتعلق به وذلك يقتضي اختلافهما، قيل: ذلك لغلبة عرف الاستعمال في أحد اللفظين دون الآخر، وإن استويا في المعنى فيصير حقيقة عرفية.

المسألة الثانية [معنى الغضب]
اختلف العلماء في معنى الغضب إذا أسند إلى الله تعالى، فقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام وأتباعه: هو الحكم باستحقاق العذاب قبل وقته وإيصاله إليه في وقته؛ إذ لا يصح في حقه تعالى معناه الحقيقي لأنه عرض والله تعالى لا تحله الأعراض فيكون مجازًا علاقته السببية، إذ الغضب سبب في الحكم والإيصال.
وقالت (المعتزلة) ومن تبعهم من (الزيدية): بل هو بمعنى كراهة نفعه وإرادة مضرته هكذا ذكره الإمام المهدي عليه السلام ، وقال النجري: هذا إنما هو في الشاهد، وأما في القديم تعالى فليس معناه إلا الإرادة؛ إذ لا يكره الله عقاب الأنبياء ولا ثواب الكفار، إذ لا يكره القبيح من فعله لعدم الفائدة فيها، هذا حاصل ما ذكره.
قلت: وأراد بقوله: إذ لا يكره القبيح...إلخ أنه لا يقع منه القبيح لعدله، فلا تقع كراهته لعدم الفائدة في كراهة ما علم انتفاؤه.
قلت: والظاهر بقاء هذه الإرادة والكراهة على معناهما الحقيقي في حقه تعالى، وهو الذي حكاه النجري عن الزيدية وأكثر المعتزلة، وهو الذي يأتي على أصول المجبرة في الإرادة، وقد حكاه عنهم الإمام المهدي عليه السلام أعني أنهم يوافقون في كونه مريدًا على الحقيقة؛ لأن إرادته تعالى عندهم من جملة المعاني القائمة بالذات.
قلت: وفي حكاية النجري عن الزيدية نظر لظهور خلاف بعضهم، والصواب: أنه قول أكثرهم كما حكاه المهدي عليه السلام ، وظاهر كلام الهادي عليه السلام أن الله تعالى يوصف بكونه مريدًا وكارهًا على جهة الحقيقة؛ لأنه ذكر أن السخط اسم لكراهية الفعل، ثم قال بعد أن ذكر المحبة والعداوة وغيرهما: واعلم أن هذه الصفات إرادة إلى أن قال: والإرادة فقد صح أنها من صفات الفعل، وإنما يجب أن لا يجيز هذه الأوصاف على الله تعالى من لا يثبته مريدًا على الحقيقة ولا كارهًا.

هذا وأما الأشعرية فقد عرفت مما ذكره الرازي وأبو السعود أن الغضب عندهم أمر غير الإرادة والكراهة، ولما كان ذلك المعنى عندهم محال في حق الباري تعالى احتاجوا إلى تأويل الغضب في حقه تعالى على وجه يليق به، ولهم في ذلك مسالك:

المسلك الأول
أن جميع الأعراض النفسانية كالرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والغيرة والمكر والخداع والاستهزاء والتكبر لها أوائل وغايات تنتهي إليها، فإذا وردت في حق الله تعالى وجب حملها على الغايات، فعلى هذا يقال في الغضب: له أول وهو غليان دم القلب، أو هيجان النفس، وغاية وهي إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فإذا أسند إلى الله تعالى وجب حمله على الغاية لاستحالة حمله على غليان الدم ونحوه من الأعراض، وهذا المسلك سلكه جماعة منهم: الرازي وقال: إن هذه القاعدة شريفة.
قلت: فعلى هذا هو عندهم من باب المجاز في حقه تعالى لما ذكرناه عنهم من مغايرته للإرادة والكراهة والعلاقة السببية، أعني: إطلاق اسم السبب بالنسبة إلينا على المسبب القريب، وهو إرادة الانتقام وإيصال الضرر.
قيل: وإذا كان في حقه تعالى بمعنى الإرادة فهو من صفات الذات، وهو بناء على أصل فاسد وهو أن الإرادة صفة ذات لا صفة فعل، وسنبطله في موضعه إن شاء الله.

المسلك الثاني
أن يراد به نفس العقوبة والضرر، وهو مجاز كالأول؛ إذ العقوبة غاية لغليان دم القلب في حقنا والعلاقة السببية إلا أنه من باب إطلاق اسم السبب على مسببه البعيد كما لا يخفى، وعلى هذا فهو صفة فعل.

87 / 329
ع
En
A+
A-