ومنها: ما ذكره السيد مانكديم وهو أن الألطاف ليست من جنس المقدورات لأن اللطف ما يختار عنده الفعل والترك، وهذا ليس جنسًا مخصوصًا حتى يجب في القادر للذات أن يقدر عليه لا محالة، ومعناه أن كون الفعل لطفًا ليس بفعل فاعل حتى يلزم كونه مقدورًا للباري تعالى، وقد أوضح كونه ليس بفعل فاعل الإمام المهدي عليه السلام وحاصل كلامه: أن كون الفعل داعيًا لبعض المكلفين إلى فعل الواجب ليس واقفًا على اختيار مختار، بل يجوز أن يكون لوقوعه على وجه مخصوص، فالدعاء إلى فعل الواجب بمنزلة الحسن والقبح في كونهما غير واقفين على اختيار مختار، بل هما كالوصف المقتضى عن الذات، بيانه: أنا نعلم ضرورة أن من عرف أن له صانعًا صنعه كان أقرب إلى فعل الواجب وترك القبيح ممن لم يعرف ذلك مطيعًا كان أم عاصيًا، ونعلم أيضًا أن معرفة الله داعية، وأن هذا الحكم ثابت لها وليس بتأثير الله لأنا نعلم ذلك وإن لم نعرف الله، بل الملحد يعلم أن من عرف أن له صانعًا إن أطاعه أثابه وإن عصاه عاقبه كان أقرب إلى الفعل والترك ممن لم يعرف ذلك، ولا شك أن هذا الحكم يعرف ثبوته للمعرفة قبل وجودها كما يعرف وصفها الذاتي، فإذا ثبت للمعرفة أن تكون لطفًا غير واقف على اختيار مختار جاز أن يكون غيرها كذلك؛ إذ لا مانع، لكن لا طريق لنا إلى معرفة اللطف إلا بالسمع إلا المعرفة فقد دلنا العقل على كونها لطفًا، وعلى أن لطفيتها غير واقفة على تأثير مؤثر، ثم ذكر عليه السلام أن السمع قد دلنا على أن في الحوادث ما هو لطف وما هو مفسدة، وأن اللطفية والمفسدية لا اختيار للباري فيهما، أما الذي دل على ثبوت اللطف فمنه ما دل على ما هو من فعل الله، ومنه ما دل على ما هو من فعلنا، فالأول قوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ...} [التوبة:126]الآية، فأخبر تعالى أن غرضه بما يفتن به عباده من الامتحان بالخوف والجوع ونقص

الأموال والأنفس هو دعاؤهم إلى التوبة.
والثاني قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}[العنكبوت:45 ]فأخبر أن سبب وجوب الصلاة ما فيها من اللطف وهو الصرف عن الفحشاء والمنكر، وأما دلالة هاتين الآيتين على أن اللطفية ليست بتأثير الله فلأنها لو كانت بتأثيره لم يجز منه أن يجعل لطفنا فيما يشق علينا مع إمكان حصوله في الملاذ، بل يجب عليه أن يجعل الألطاف كلها في الملاذ لا في المؤلمات، وأما الذي دل على أن في المحدثات ما هو مفسدة للعباد فآيات منها: قوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ}[الشورى:27 ]فأخبر أن في بسط الرزق لعباده مفسدة، ودلت أيضًا على أن كون الفعل مفسدة لا يقف على اختيار المختار، بل هو كالذاتي إذ لو وقف على اختياره سبحانه وتعالى لجاز أن يبسط الرزق لكل العباد، ويجعل ذلك غير مفسدة فلا يصرفه عن بسطه صارف حينئذ، ثم قال عليه السلام : فهذه أدلة واضحة على ثبوت الألطاف والمفاسد، وعلى أن اللطفية والمفسدية كالحسن والقبح غير واقفين على اختيار مختار، وكل ذلك يبطل به ما زعم الخصم من أن في مقدور الله من الألطاف ما يصير به كل كافر مؤمنًا، وهو واضح.
واعترضه السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي رحمه الله: بأن قدرة الله شاملة عامة، ولكنه ناط الأحكام بالأسباب لحكم علمها من علم وجهلها من جهل، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}[الأنعام:9].

قلت: والذي يظهر أن السيد رحمه الله لم يفهم مقصود الإمام المهدي عليه السلام فتوهم أن مراده نفي القدرة على الفعل بدليل أن من جملة أدلته التي اعترض بها قوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ}[الزخرف:60 ] وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك)) وليس كما توهم، وإنما أراد الإمام عليه السلام أن اللطفية والمفسدية وهما أمران اعتباريان لا وجود لهما في الخارج لازمان للفعل بحيث إذا وجد الفعل كان فيه لطف أو مفسدة لا محالة، وإذا كان هذا لازمًا فلا يتوقف على اختيار مختار، وذلك أمر غير الفعل الذي تتعلق به القدرة، كما أن الحسن والقبح لازمان لوجود الفعل لا يتوقف كون الفعل الواقع على وجه حسنًا أو قبيحًا على الاختيار، وإنما المتوقف على الاختيار وجود الفعل وحصوله، وهذا هو الذي تدل عليه الآيات المذكورة، إلا أن لقائل أن يقول: إذا كان اللطف غير مقدور للباري تعالى فما معنى إيجابه عليه، فليتأمل. ومن أجوبة الأصحاب ما ذكره القرشي وهو أن فقد الطاعة إنما يدل على فقد اللطف الذي هو التوفيق والعصمة، فما المانع من أن يكون قد فعل الله به اللطف المطلق؟
قال الإمام عز الدين عليه السلام : وفيه نظر لأن المخالف يدعي أن في مقدور الله من الألطاف ما يفعل المكلف عنده ما كلفه لأنه قادر للذات، ومن حق القادر للذات أن يكون قادرًا على جميع أجناس المقدورات، ومن كل جنس على ما يتناهى، وما من مكلف إلا وله لطف في كل أمر كلف بفعله أو تركه، ثم قال: إن كلام القرشي يقضي بوجوب اللطف المطلق على الله تعالى لإزاحة العلة.

قال عليه السلام : ولا معنى لإيجابه كما روي عن قاضي القضاة، قلت: وستأتي الحجة لذلك، وحاصل اعتراضه أن الجواب غير مطابق لأن الخصم يدعي عموم القدرة على اللطف الذي يحصل عنده الفعل لا محالة وهو لطف التوفيق والعصمة، ولو كان واجبًا لما وجد عاص كما مر.
الوجه الثاني لبشر وأتباعه: أن اللطف يسمى أصلح، وهذه العبارة تقتضي التزايد، وأن ثم ما هو دونه لم يفعله الله تعالى لأن كل شيء يفعله الله تعالى فهو أصلح، والجواب: أنا لا نسلم المفاضلة كما مر سلمنا، فهي بين المصالح في الدين والمصالح في الدنيا، ولا شك في ذلك ولا فرج لهم في ذلك، ثم إنا لو سلمنا أن المفاضلة بين المصالح في الدين فنقول: لا حجة لهم في ذلك لأن الله تعالى إذا فعل الأعلى لم يجب الأدني، قال القرشي: فهو موضع وفاق، على أن هذا توصل إلى المعنى بالعبارة.
الوجه الثالث: قالوا لو وجب الأصلح في باب الدين لوجب في باب الدنيا. أجاب الإمام المهدي عليه السلام : بالفرق وهو: أن منافع الدنيا كلها تفضل لا وجه لوجوبها بخلاف مصالح الدين، فإن وجه وجوبها أن الإخلال بها ينقض الغرض بالتكليف، لا يقال وكذلك الإخلال بمصالح الدنيا ينتقض الغرض بخلق الحي لأنه إنما خلقه لينفعه؛ لأنا نقول: إذا قد أوصل إليه أدنى منفعة يلتذ بها فقد تفضل عليه، وخرج عن أن يكون خلقه عبثاً ولا يلزمه بعد ذلك شيء، بخلاف مصالح الدين فإنه يجب الإتيان بها أجمع ليزيح علة المكلف، ويخرج عن أن يكون عابثًا بالتكليف.
قلت: ولقائل أن يقول: إذا كان يجب الإتيان بالألطاف أجمع، وقد مر أن منها التوفيق والعصمة، وأن الفعل والترك يحصلان عندهما لا محالة لزم أن لا يوجد عاص أبداً فينظر.

الوجه الرابع: أنه يلزم فيمن علم الله من حاله أنه لا يلتطف إلا بأن تعليمه بأنه يبلغه في الثواب درجة الأنبياء" أن يجب ذلك، والمعلوم خلافه، أجيب: بأن هذا اللطف يكون قبيحًا لأنه لا يستحق رتبة الأنبياء فتبليغه إياها قبيح لأنه تعظيم لمن لا يستحقه، واللطف إذا كان قبيحًا فلا يصح التكليف بالملطوف فيه على الصحيح.
الوجه الخامس: لو وجب على الله تعالى لوجب على أحدنا إذا دعا غيره إلى الإسلام وعلم أنه إذا شاطره في ماله أسلم أن يجب، والجواب: أن في هذا نحو التفصيل السابق في إيراد نحو هذا على الحجة الأولى للجمهور، وهو أن يقال: إن أراد بدعائه نفع المدعو فلا تجب المشاطرة، وإن أراد نفع نفسه بما يحصل له من الثناء والذكر نظر، فإن كان ضرر المشاطرة مساو أو زائد على النفع لم يجب، وإن كان النفع أعظم كأن يكون المدعو إلى الإسلام ممن له رئاسة وأتباع يعظم أمر داعيه وتفخم شأنه بإسلامه فإنها تجب، وإلا عاد على غرضه بالنقض، وقال الإمام المهدي عليه السلام في جواب هذا الوجه: أن المشاطرة لا تجب لأنه إنما دعاه إلى الإسلام رغبة في الثواب وجذبًا لنفع نفسه، وقد حصل له الثواب بدعائه فلم ينتقض غرضه بامتناعه من المشاطرة.
الوجه السادس: قالوا: إذا كان يعلم الله أن نريد أيعصى عند الفقر وهو قادر على غنائه فلم يفعل فإنه يدل على أن اللطف غير واجب؟
والجواب: لا نسلم لكم أن الله لا يغنيه، والحال هذه، وما أنكرتم أن يكون هذا الفقير أقرب إلى اختيار الطاعة مع الفقر حتى لو أغناه لازداد طغياناً، وليست المعصية عند الفقر دليلاً على أنه يطيع عند الغنى.
الوجه السابع: قياسهم بالمصلحة على المفسدة، وهو أن يقال: لا شك أن الله تعالى قادر على أن يفعل من المفاسد ما يفسد به كل أحد فيجب أن يكون قادرًا على أن يفعل من المصالح ما يصلح به كل أحد، ولو كان فعله المصلحة واجبًا لما وجد عاص، فثبت بهذا أن الألطاف مقدورة لله تعالى وأنها غير واجبة.

والجواب: أنا لو خلينا وقضية العقل، لكنا لا نعلم أنه تعالى قادر على ما لو فعله لكان مفسدة كما في اللطف لما مر من أن اللطفية والمفسدية غير داخلين في المقدور، لكنه قد دل السمع على أن في الحوادث ما يفسد به كل أحد كما في قوله: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ..} [الشورى:27 ]الآية، إذ لم يفصل بين عبد وعبد ونحوها، ومثل هذا الدليل لم يوجد في المصلحة فتبقى على حكم العقل، وبه يبطل القياس لوجود الفارق المذكور.
الوجه الثامن: إجماع المسلمين على دعاء الله وطلب اللطف والتوفيق والعافية منه، فلو لم يكن ذلك مقدورًا لم يصح طلبه، وكذلك لو كان واجبًا إذ هو من طلب تحصيل الحاصل، مع أن سؤال العافية يتضمن السؤال ترك الواجب الأصلح وهو المرض، لأنه من الألطاف عندكم، وأيضًا فإنه يجوز من أحدنا أن يسأل الله أن يجعله أفضل من غيره وهو تعالى قادر على ذلك إجماعًا، فيجب أن يقدر على ما لا يتم إلا به وهو اللطف؟
والجواب من وجوه:
أحدها: أن ذلك مشروط بكونه مقدروًا وإن لم يلفظ به فهو في حكم الملفوظ، وكذلك سؤال العافية مشروط بالصلاح.
قال (القرشي): ولولا أن السمع منع من سؤال المرض إذا تعلق به صلاح لسألناه، واعترضه الإمام عز الدين عليه السلام فقال: لا أعلم دليلاً من السمع يمنع من ذلك إلا أن يدعي الإجماع ولا يثبت بهذه المسألة، ولكن يعرف ذلك من وجوب دفع الضرر، فيقال: إذا كان الواجب على العاقل دفع الضرر عن نفسه كالمرض بالأدوية وغيرها، فبالأولى أن لا يسأل الضرر.
قيل: وقد اختلف في الدعاء على النفس بمضار الدنيا، فقيل: لا يحسن مطلقًا، وقيل: عدم حسنه مشروط بأن لا يكون فيه صلاح.
ثانيها: أن طلب اللطف تعبدًا كما تعبدت الملائكة بالاستغفار لمن تاب، وهذا جواب عن قولهم: لو كان واجبًا لما حسن طلبه.

وأما طلب العافية فقال الإمام المهدي عليه السلام : يجوز أن يكون كالتداوي الذي أمرنا به، ووجهه أنه ربما يحصل به من اللطف ما يقوم مقام الألم فيه، فإن صح ذلك وإلا كان تعبدًا.
ثالثها: أنه لا يمتنع أن يكون لنا في هذا الدعاء صلاح لمستقبل كغيره من الأدعية.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : هذا الوجه قوي جدًا، وتحقيقه أنا قد تعبدنا بالدعاء بالعافية، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس: ((سل الله العافية))، وكان كثيرًا ما يدعو صلى الله عليه وآله وسلم بها، فنقطع بأن في الدعاء مصلحة، وأنه في نفسه طاعة، والله سبحانه يفعل في استمرار الألم وإنزاله ورفعه بحسب ما يعلم من الصلاح في ذلك.
قلت: وحديث الأمر بسؤال العافية رواه في كتاب الذكر، وأخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم والبخاري في التأريخ، وصححه في شرح الجامع الصغير.
وأما جواز سؤال التفضيل على الغير فقال القرشي: إن كان المرجع بالتفضيل إلى اللطف فلا نسلمه على الإطلاق، بل لا بد من كونه مشروطًا كما سلف، وإن كان المرجح به إلى كثرة المدح والتعظيم والثواب فجائز أن يسأل الله ذلك، وأن يكون قادرًا عليه، وإن كان لا يحسن إلا مستحقًا.
قلت: وهو جواب غير مفيد لأنهم استدلوا بالجواز على كونه مقدورًا وذلك يستلزم وجوب اللطف، ومقصودهم: أنه لو وجب لما وقع العصيان وهو كما ترى.

أجاب بأنه لا يسلم الجواز على الإطلاق، وذلك لا يبطل مرادهم وهو أنه مقدور، ولقائل أن يقول: ظاهر كلام القرشي في هذه الأبحاث تسليم كون اللطف مقدورًا إلا أن كونه مقدورًا لا يوجب أن لا يعصى أحد لجواز أن لا يوقعه له؛ لأنه ممن يقول: أنه لا يحب أن يكون لكل ما كلفناه لطف، ولو سلم أن لكل مكلف لطفاً فعنده أنه لا يتعين ما يحصل عنده الفعل والترك لا محالة، بل يكفي اللطف المطلق أعني: المقرب، وإنما يرد هذا على السيد مانكديم والإمام المهدي عليهما السَّلام ، ولعلهما يجيبان بما قد قرره الإمام المهدي من عدم دخول اللطف تحت المقدور على ما مر.
وبهذا انتهى الكلام على ما احتج به بشر وأتباعه، وفي الجامع الكافي عن أحمد بن عيسى عليه السلام : ما يدل على عدم وجوب الألطاف وأنها تفضل، وهو قوله: فمن علم الله منه الهداية جاءته من الله المعونة والتوفيق الزائد، ومن علم منه الضلالة خذله فلم يكن منه هداية، وذلك من منّ الله على أوليائه وأهل طاعته، وقد مر كلامه هذا في الاستعاذة.
وفي الجامع أيضًا: قال محمد يعني بن منصور: فمن قبل أمر الله وآثر طاعته وعلم منه صدق النية كان له من الله العون والمن الزائد والتوفيق، وبذلك سعد، ومن علم الله منه المعصية وركوب ما نهي عنه وآثر هواه على طاعة الله استوجب من الله الخذلان والترك، وبذلك شقي، ولم يكن له على الله هداية ولا من ولا توفيق.
وفيه عن محمد أيضاً: ولله أن يمن على من يشاء من عباده ويتفضل عليه بتوفيق ويهديه، قال الله تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ}[البقرة:105]، وقال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ..} [النور:21 ]إلخ، ولا يخفى أن أول كلامه يقتضي وجوب اللطف الزائد، وآخره يقتضي عدم وجوبه.

قلت: ولقائل أن يقول: لا تعارض في كلامه فإن أوله يقتضي وجوب لطف زائد وهو ما يحصل به مطلق المعونة والتوفيق، والآخر يدل على أن ما زاد على ذلك فهو تفضل.
احتج القائلون: بأنه يفعله لا محالة وإن لم يجب بأنه لو لم يفعله لانتقض غرضه بالتكليف، وليس للطف وجه يقتضي وجوبه، وإنما يستلزم الذم على التكليف مع عدمه، ولا عليه، وإذا كان لا يستحق الذم إلا على فعل غيره فلا وجه لوصفه بالوجوب وإن كان يقع لا محالة، قيل: وهذا يشبه ما يقوله أبو القاسم: أنه لا يجب كما يجب قضاء الدين على المدين، بل من طريق الجود، قال الحاكم: وصاحب هذا القول خلافه لفظي.
قال الإمام المهدي عليه السلام : كأنه يجنب إطلاق الوجوب على الله وإن كانت حكمته تقتضي لا يخل به.
قلت: وهذا هو الظاهر من مذهب الإمام القاسم بن محمد عليه السلام ، وقد نظر الإمام عز الدين عليه السلام كون الخلاف لفظيًا وقال: الحق أنه معنوي بأنهم لا يجعلون فعل اللطف واجبًا في نفسه، والجواب عما احتجوا به أن الله تعالى لما جعل فعل الواجب وترك القبيح شاقين علينا تعريضًا على النفع العظيم وجب عليه أن يكمل التعريض بإزاحة عللنا، وإلا جرت تلك المشقة مجرى الضرر العاري عن النفع، فصارت إزالة العلل كالحق لنا عليه تعالى حينئذ، ولا شك أن إيفاء الغير حقه واجب، فصح وصف الألطاف بالوجوب تجوزًا والمقصود أنه تعالى يفعلها لا محالة، وأنه لا يجوز الإخلال بها، ولا مشاحة في العبارات.

احتج جعفر بن حرب ومن وافقه إما على عدم وجوب اللطف الذي يستحق من الثواب مع عدمه أكثر مما يستحقه معه، فلأن الغرض التعريض لمنافع الثواب، وقد عرضه مع عدم اللطف لمنافع لا تنال مع حصوله، وإنما أتى المكلف من جهة نفسه، وتكون هذه الصورة كزيادة التكليف بأنواع من التكاليف إذا علم الله أنه بسبب تلك الزيادة يخل بفعل ما يكلفه فيستحق العقاب، ولا شك أن وجه حسن هذه الزيادة كونها تعريضًا لمنافع لا تنال إلا بها، فلذلك يحسن التكليف مع عدم اللطف لمثل ذلك، واحتجوا على وجوبه أنه لم يستحق من الثواب مع عدمه أكثر مما يستحقه مع وجوده بأنه لا وجه يقتضي حسن الإخلال به حينئذ، بل يكون ناقضًا للغرض بالتكليف.
والجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكره قاضي القضاة من أن ذلك يؤدي إلى أن لا يجب على الله لطف، لأنه ما من فعل إلا وهو مع اللطف أسهل، ومع عدمه أشق، والثواب يزداد بكثرة المشقة، قال الإمام عز الدين: وفيه نظر، فليس بمسلم على الإطلاق.
الثاني: أنه يلزم أن يكون ثواب الأنبياء" والملائكة أقل من ثواب غيرهم لتحقق أنواع اللطف فيهم دون غيرهم، والثواب على قدر المشقة.
الثالث: ما مر من أن منع اللطف في نقض الغرض كالمنع من الفعل، فإذا علم من حال المكلف أنه لا يؤمن إلا مع اللطف وجب فعله، ولو كان إيمانه مع عدمه أكثر ثوابًا؛ لأن وصول بعض النفع حيث أمكن أولى من فوات جميعه، وإلا عاد علىالغرض بالنقض، وهذا بخلاف تكليف من علم من حاله أنه يكفر إذ لم يمكن وجه يصل به إلى بعض النفع كما أمكن هنا، فحسن تكليفه لأن فيه تعريضًا تامًا لتحصيل المنفعة ولم يكن فوتها إلا من جهته؛ لأن المكلف له لم يبق في مقدوره أمر يحسن منه فعله فيصل به إلى ذلك النفع أو بعضه، فافترق الصورتان.

84 / 329
ع
En
A+
A-