الموضع الأول: في حقيقة اللطف
وهو في اللغة مشتق من اللطافة وهي هيئة للمتحيز مخصوصة مقابلة للكثافة، ولما كان اللطيف من الأجسام يمكن دخوله المداخل الضيقة دون الكثيف شبهوا به ما يقرب الإنسان من إدراك غرضه ولذا ورد عن العرب: ألطف بالصبي وتلطف به، ومعنى التشبيه أن الإنسان يكون في احتياله في تحصيل مقصوده كالجسم اللطيف الذي يداخل الجسم بسهولة من دون إخلال بالمدخول فيه، وعليه قول الشاعر:
لو سار ألف مدجج في حاجة .... ما نالها إلا الذي يتلطف
أي الذي يحتال في تحصيلها بسهولة كالجسم اللطيف الذي دخل في قلب من الحاجة إليه بلا مشقة، والمدجج بجيمين: لابس عدة الحرب كاملة، وفي القاموس، والمدجج: الشاك في سلاحه.
ولما كثر استعماله في هذا المجاز أعني: ما قرب من نيل الغرض وكان بعض الحوادث مما يقرب من فعل ما كلف به أو تركه بسهولة سمى المتكلمون ذلك الحادث: لطفًا مطابقة للمعنى اللغوي، وقد يسمونه صلاحًا ومصلحة لأنه يحصل به صلاح الدين، ويسمى أصلح أي: أصلح من مصالح الدنيا لأن مصلحته دينية لتأديته إلى النعيم الأبدي، وعلى هذا فالمراد منه المفاضلة، وقيل: ليس المراد المفاضلة بل المعنى أنه لا يقوم مقامه شيء في باب الصلاح كما في قولهم: الله أكبر، وقد يسمى استصلاحًا لما فيه من طلب صلاح المكلف، وإذا عرفت المعنى اللغوي فلنتكلم في المعنى الاصطلاحي فنقول: قد اختلف أصحابنا في حده، فقال السيد مانكديم: هو ما يختار المرء عنده الواجب ويتجنب عنده القبيح أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح، وليس بجامع لخروج اللطف في فعل المندوب وترك المكروه.
وقال (القرشي): هو ما يختار المكلف عنده الطاعة لأجله بعد التمكين أو يقرب من اختيارها كذلك، والمفسدة ما يقابله، وقيل: هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كلف فعله أو ترك ما كلف تركه أو إلى مجموعهما لأجل أنه كلف بذلك ما لم يبلغ به حد الإلجاء، واختار هذا الحد الإمام المهدي عليه السلام ، وقد اعترضه بعض المحققين بأنهم قد جعلوا اللطف من قبيل الدواعي، وليس كذلك لأن الدواعي هي الاعتقاد أو الظن بأن في الفعل جلب نفع ودفع ضرر، وهذه الدواعي تثبت مع الألطاف وعدمها، ألا ترى: أنا نعلم أن لنا في الطاعة جلب نفع ودفع ضرر وإن لم تقع الألطاف التي هي الأمراض وسماع المواعظ وفعل الشرعيات، وكذلك معرفة الله تعالى فإنها لطف وليست هي الداعي، وإنما الداعي هو العلم بأن هذا الفعل مما يستحق عليه الثواب والعقاب، وأيضًا فإن الداعي لا بد منه في كل ما كلفناه، ولهذا قالوا: لا بد وأن يكون المكلف متردد الدواعي بخلاف اللطف فإنه يختص ببعض الأفعال، فثبت أن اللطف هو ما يختار عنده سواء كان داعيًا أم ألماً أم كلامًا أم صلاة أم غير ذلك مما لا يدعو.
وأجيب: بأن هذا مؤاخذة لهم بظاهر العبارة؛ لأن المعلوم قطعًا أنهم لا يقولون بأن الألطاف لا تكون إلا من قبيل الدواعي التي هي الاعتقادات والظنون فقط فإنهم لا يزالون ينصون على أن وجه حسن الآلام وغيرها كونها لطفًا، وإنما أرادوا بقولهم: أن الألطاف تدعو أن الدواعي تنبعث معها وتحصل لأجلها، ويقع اختيار الفعل الملطوف فيه عندها.
قلت: فعلى هذا معنى الحدين واحد، وتفسير ألفاظ الحد ظاهرة، وقولهم: ما يختار عنده الطاعة شامل للطف التوفيق وهو الذي يختار عنده الفعل، ولطف العصمة وهو الذي يختار عنده الترك، إذ الفعل والترك طاعة.
الموضع الثاني: في قسمته
وله قسمتان: الأولى: إلى لطف توفيق، ولطف عصمة، ولطف مطلق وقد عرفتها.
قال (القرشي): ويسمى توفيقًا وعصمة إذا كان يختار عنده لا محالة، إلا أنه لا يقال فلان معصوم أو موفق إلا إذا كان يستحق المدح لأن هذه الأسماء قد صارت مدحًا بالعرف، وكذلك لا يقال: أصلح الله فلانًا إلا إذا كان مؤمنًا لافادته المدح، فأما مع التقييد فيجوز ذلك وقوله: لا يقال أصلح الله فلانًا...إلخ.
قال الإمام عز الدين: هذا نسبه في المحيط إلى قاضي القضاة، فإن أراد حيث ورد للدعاء فغير صحيح لأن الدعاء بالإصلاح والهداية تصح للكافر والفاسق، وإن أراد حيث ورد بمعنى الإخبار فكلامه ليس ببعيد، وقيل الصحيح خلافه لأن الله قد أصلح جميع خلقه بفعل اللطف لهم، وإن كان منهم من لم يلتطف، قلت: ويؤيده ما مر من تسمية اللطف صلاحًا وأصلح.
القسمة الثانية: إلى ما هو من فعل الله كالآلام وإلى ما هو من فعل المكلف نفسه كالصلاة عند من قال إنها لطف، وإلى ما هو من فعل غيره وغير الله من صبي أو مكلف آخر أو بهيمة.
الموضع الثالث: في ذكر الخلاف والحجج
فنقول: ما كان من فعل الله فهو على ضربين:
أحدهما: أن يتقدم على التكليف أو يقارنه فهذا لا يجب لأن التكليف تفضل، فكذلك ما تقدمه أو قارنه، قال الإمام عز الدين: أما ما تقدمه فظاهر، وأما ما قارنه فلأنه إذا كان التكليف هو المقتضي لوجوب اللطف لم يقتض وجوبه إلا في الحالة الثانية من حصوله.
الثاني: أن يتأخر عنه فهذا موضع الخلاف، فقال الجمهور من أهل العدل: اللطف واجب على الله في كل ما كلفنا فعله أو تركه سواء كان الملطوف فيه حتمًا كالواجب والمحرم أم لا كالمندوب والمكروه، وخالف في ذلك المجبرة، وقد مر أنه لا معنى للكلام معهم في هذه المسألة، وإنما ينبغي الكلام مع من خالف من أهل العدل وهم: بشر بن المعتمر وأتباعه من أصحاب اللطف، فهؤلاء قالوا: لا يجب على الله بعد التكليف إلا التمكين، وأما اللطف فهو تفضل منه تعالى إذا فعله، وليس بواجب، قال أبو الحسين الخياط: وقد رجع بشر عن ذلك إلى مقالة الجمهور، وقيل: يفعله الله لا محالة وإن لم يجب لأن التكليف يقتضيه، وقال جعفر بن حرب: وإحدى الروايتين عن أبي هاشم: إن استحق من الثواب مع عدم اللطف أكثر مما يستحقه إذا آمن معه لم يجب وإلا وجب، وعن قاضي القضاة: أنه لا يجب إلا ما كان توفيقًا أو عصمة، وقواه الإمام عز الدين، وللجمهور حجج:
الحجة الأولى: أن الغرض بالتكليف تعريض المكلف لمنافع الثواب، فإذا كان في مقدوره تعالى ما لو فعله به لاختار الواجب واجتنب القبيح فلا بد من أن يفعل به ذلك، وإلا عاد على غرضه بالنقض، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيب إلى طعام قد اتخذه له فإنه يجب عليه أن يدعوه إذا علم من حاله أنه لا يجيب إلا بدعائه، وإلا عاد على غرضه الذي هو الإجابة بالطعام بالنقض ويصير اصطناعه للطعام عبثًا فكذلك هاهنا، فإن قيل: إنما وجب في الشاهد لأنه يتضرر بالإنفاق مع عدم حصول الغرض بخلاف الباري تعالى؟ قيل: إنا نفرض الكلام فيمن لا يبالي ولا يتضرر، ثم إنه لو وجد الفرق من هذا الوجه فلا فارق بينهما في مصير الفعل عبثًا والقديم تعالى لا يفعل العبث لقبحه، فإن قيل: إن أحدنا قد يصنع للغير طعامًا ثم يبدو له في إرادة تناوله فلا يجب عليه الدعاء؟ قيل: إنا نفرض الكلام مع استمرار الحال في الإرادة لتناول الطعام كما يستمر الحال في إرادة الله تعالى للطاعة، وأن غرضه بالتكليف باق، إذ لا يجوز عليه البدا والخواطر، فإن قيل: لو وجب ذلك لوجب أن يشاطره ماله إن علم أنه لا يجيب إلا بذلك، وكذلك يلزم في السيد إذا قال لعبده: اسقني ماء، وعلم من حاله أنه لا يمتثل إلا بعتقه أن يجب؟ قيل: أما الأول ففيه تفصيل وهو أن نقول: إن كان الغرض بإحضاره نفعه أي: المدعو بدعائه إلى الطعام فلا تجب المشاطرة لأنه يلحقه ضرر بذلك وهو ينقض الغرض وتركه لا ينقضه، وإن كان الغرض نفع نفسه أعني فاعل الطعام بما يحصل له من سرور أو ثناء أو جزاء فإن كان الضرر الذي يلحقه بالمشاطرة يساوي النفع أو يزيد عليه فالقول ما تقدم من أن ذلك يبطل الغرض، والمسألة مفروضة مع بقاء الغرض، وإنما قلنا: إنه ينقض الغرض لما تقرر من أن المصلحة إذا لزم منها مفسدة راجحة أو مساوية صارت مفسدة، ولا شك أن الغرض هنا النفع، فإذا لزم منه ما ذكر لم يكن نفعًا بل ضررًا وهو معنى
نقض الغرض، وإن كان دون ذلك النفع كأن يكون المدعو ملكًا يحصل له من ضيافته نفعٌ زايد على ضرر المشاطرة من مال عظيم أو جاه عريض أو ثناء كثير فإنها تجب المشاطرة حينئذ، وإلا عاد على غرضه بالنقض، لا سيما إذا كان صنع الطعام بعد العلم بأنه لا يأتيه إلا بالمشاطرة، ولا شك أن الباري تعالى لا غرض له في التكليف إلا نفع المكلف، ولا يلحقه في فعل اللطف ضرر فيجب.
وأما الإمام المهدي عليه السلام فقال في جواب هذا السؤال: نحن نلتزم أنه إذا عرف من حاله أنه لا يأتي الطعام إلا بذلك واشتغل بالطعام له وهو يعلم ذلك فإنه إن لم يشاطره انتقض غرضه بفعل الطعام وكان في حكم العابث بفعل الطعام، ولا نقول بوجوب المشاطرة لكن ينكشف لنا أن اشتغاله كان عبثًا، ولما علمنا أن العبث لا يجوز على الله تعالى علمنا أنه لا يخل باللطف، هذا حاصل كلامه عليه السلام ولم يعتبر التفصيل السابق، بل عدل إلى لزوم العبث الذي يتنزه الباري جل وعلى عنه، نعم. وفي كلام السيد مانكديم ما يدل على أن النفع المساوي كالراجح في وجوب المشاطرة لأنه قال: إذا كان مريدًا ضيافة الملك وعلم أن له في ضيافته نفعًا يوازي ذلك الضرر فإنه يحسن بل يجب.
وجواب السؤال الثاني: كهذا لأن السيد إذا علم من حاله أنه يموت عطشًا إن لم يشرب أو يلحقه ضرر يزيد على ضرر العتق وعلم من حال العبد أنه لا يسقيه إلا بذلك، فإنه يجب وإلا عاد على غرضه بالنقض.
وللإمام عز الدين اعتراض على هذه الحجة وهو: أنها لا تقتضي وجوب اللطف ولا استحقاق الذم على تركه، وإنما يكشف عدم فعله عن كون المكلِّف بصيغة اسم الفاعل كالعابث بالتكليف، وأنه لم يرد تعريض المكلَّف للثواب؛ إذ لو أراد ذلك لفعل ما يفعل المكلف عنده ما يستحق به الثواب أو يقربه منه، قال عليه السلام : ولهذا ذهب قوم إلى أن اللطف غير واجب في نفسه ولكن لا بد أن يفعل ويستحق الذم مع عدم فعله لا على الإخلال به، بل على أمر آخر وهو كونه كلف لغرض ثم لم يفعل ما يقع عنده ذلك الغرض أو يقرب من الوقوع فيصير عابثًا بالتكليف.
قلت: قد اعترف عليه السلام باستحقاقه الذم بترك اللطف، وقوله: ليس على الإخلال به...إلخ مجرد دعوى، مع أن قوله: ثم لم يفعل ما يقع عنده...إلخ هو معنى الإخلال فلم يظهر أمر يستحق عليه الذم مغاير للإخلال حتى يتم قوله: ليس على الإخلال به، سلمنا فنقول: استلزام الإخلال باللطف كونه عابثًا بالتكليف كاف في استحقاق الذم على تركه؛ لأن مستلزم القبح قبيح، وإذا استحق الذم على تركه كان واجبًا؛ إذ لا معنى للواجب إلا قبح الإخلال به واستحقاق الذم بتركه. والله أعلم.
الحجة الثانية: أن اللطف جار مجرى التمكين في إزاحة علة المكلف لاستوائهما في أن المكلف لا يختار الفعل إلا عندهما، فكما أن التمكين واجب لأجل التكليف فكذلك اللطف.
قال القرشي: وصار الحال فيه كمن يصنع للغير طعامًا ويعلم أنه لا يأتي إلا برسول فإن الإرسال إليه يجري مجرى فتح الباب وتقديم الطعام في إزاحة علة المدعو حتى أنه إن لم يرسل فقد عاد على غرضه الذي لأجله صنع الطعام بالنقض، والفرق بين هذه الحجة والأولى أنهم في الأولى أقاسوا الغرض بالتكليف المستلزم لوجوب اللطف على الغرض بإجابة الغير إلى الطعام، وهنا أقاسوا اللطف نفسه على التمكين، ولذا مثل له القرشي بالرسول الذي هو بمنزلة اللطف للمكلف وبفتح الباب وتقديم الطعام الذي هو بمنزلة تمكين المكلف، ويرد على هذه الحجة ما ورد على الأولى، والجواب الجواب.
وأما الإمام عز الدين فقد ضعف هذه الحجة غاية التضعيف، وذلك أنه قرر مساواته للتمكين في إزاحة العلة بأنه إذا كلفه ولم يمكنه كان له أن يقول: يا رب كلفتني ولم تمكني، فأنا معذور في ترك ما كلفتني فلأي شيء تعاقبني، وكذلك إذا لم يلطف به فإنه يقول: كلفتني وأردت مني الوصول إلى الثواب ولو فعلت بي كذا لوصلت، فأنا معذور فلأي شيء تعاقبني على معصيتك.
قال عليه السلام : ولا يخفى ما فيه من تكلف القياس وبنائه على غير أساس، فإن لله أن يجيب على المعتل بعدم اللطف بأن يقول كلفتك وعرضتك للثواب العظيم ودللتك على طريقه، وأوضحت لك أنك إن تنكبتها وقعت في العقاب العظيم بعد أن أكملت لك العقل ونصبت لك الدلالة، وأقمت عليك الحجة، ولا جواب إن لم يمكنه فالفرق واضح، وليس مثل هذا التأويل يؤتى به في الفروع الظنية فكيف بالمسائل الأصولية القطعية.
وحاصل كلامه عليه السلام عدم الاستواء في إزاحة العلة لأن المكلف لا يمكنه الفعل مع عدم التمكين ويمكنه مع عدم اللطف، قلت: وأيضًا لو كلفه مع عدم التمكين لكان تكليفًا بما لا يطاق، وقد رد العلامة المقبلي قولهم بنقض الغرض : بأنه غير مسلم مع حصول التمكين.
الحجة الثالثة: ذكرها أبو علي بأنه لو لم يجب اللطف لدل على أن الله لم يرد الطاعة من المكلف أو أراد منه المعصية، واعترضه أبو هاشم بأن الإرادة متقدمة على وقت اللطف ومقارنة للتكليف فلا يدل عدم اللطف على زوال شيء قد ثبت وهو الإرادة، ولا يقدح أيضًا في حسنها، ولا يقتضي حصول ضدها بدلاً منها، وصار كما نقول في أن الله تعالى لو لم يثب المطيع لما توجه إلى الله تعالى الذم لأجل التكليف حسن لتكامل شرائط حسنه، فما تأخر عنه لا يؤثر في حسنه ولا قبحه.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : واعلم أن الذي أورد على دليل أبي علي يرد مثله على دليل الجمهور في قولهم: لو لم يلطف لكان ناقضًا للغرض بالتكليف؛ لأن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة للفعل المكلف به ولتعريض المكلف إلى درجات لا تنال إلا به، وإن كان يظهر أن الجمهور جعلوا وجه وجوبه ألا ينتقض الغرض، وأبو علي جعل وجهه ألا ينكشف عدم الإرادة.
قال عليه السلام : وكلامهم في الظاهر أقوم وإن كان في الحقيقة أن المعنى واحد.
قلت: وفي قوله عليه السلام إن معنى نقض الغرض انكشاف عدم الإرادة نظر لما مر من أنهم أرادوا بالغرض تعريض المكلف لمنافع، وأن الكلام مفروض مع استمرار الحال في الإرادة وبقاء الغرض بالتكليف، أي أنهم إنما أوجبوا اللطف لئلا ينتقض الغرض مع بقائه، وبقاء الإرادة، فلا يرد عليهم ما ورد على أبي علي.
احتج بشر بن المعتمر وأتباعه بوجوه:
أحدها: أن اللطف لو وجب على الله لما وجد عاص، إذ ما من مكلف إلا وفي مقدور الله تعالى من الألطاف ما لو فعل به لاختار الواجب وترك القبيح، فلما وجدنا في المكلفين المطيع والعاصي ظهر لنا أن اللطف لا يجب؛ إذ لو وجب لوقع لمنع حكمة الباري تعالى وعدله من الإخلال بالواجب.
قلت: وهؤلاء يسمون أصحاب اللطف، وإنما سموا بذلك لقولهم: إنه ما من مكلف إلا والله قادر على اللطف به لا لنفيهم وجوب اللطف لأن الأسماء إنما تشتق من الإثبات لا من النفي، أجاب الأصحاب بأجوبة، منها: أنا لا نسلم أنه لا مكلف إلا وفي مقدور الله تعالى من الإلطاف ما لو فعل به لاختار الواجب وترك القبيح فإنا نقول: إنه لا يجب أن يكون لكل ما كلفناه لطف، بل يجوز أن يكون فيما كلفناه ما لا لطف فيه، بأن يعلم الله أنه لا شيء يختار عنده المكلف الفعل، ولا يقرب من اختياره، وذلك ظاهر في الشاهد، فإن أحدنا قد يعلم من حال ولده أنه يختار التعليم في حالة الشدة والرخاء والمنع والإعطاء، أو لا يختاره وإن فعل ما فعل.