الثاني: أنكم أثبتم اللغة بلوازم الماهيات، وذلك أنهم جعلوا الجواز لازمًا للإباحة، والرحجان لازمًا للوجوب، والندب والإذن لازمًا للثلاثة، فجعلوا باعتبار هذه اللوازم صيغة الأمر لملزوماتها مع احتمال أن يكون للمقيد بواحد منها بخصوصه أو مشتركًا أو للقدر المشترك، وذلك باطل لأن اللغة لا تثبت إلا بالنقل وتتبع موارد الاستعمال.
قال (الحسين بن القاسم) عليه السلام : لا يقال الجواز هو عين الإباحة فلا يكون من إثبات اللغة بلوازم الماهيات؛ لأنا نقول معنى الإباحة جواز الفعل والترك، والجواز أعم من أن يكون مع جواز الترك، ومع جواز المنع منه.
احتج القائلون بالوقف وهم أهل القول الرابع: بأنه لا دليل على شيء مما ذكره أهل الأقوال الأخر يفيد القطع، والمسألة قطعية فوجب الوقف.
والجواب: أن أدلة أهل القول الأول اللغوية والشرعية تفيد القطع بما ذكروه من اقتضاء الأوامر المطلقة الوجوب، وذلك ظاهر لمن بحث.
وأما القول الثاني عشر: فلا وجه لما ذكره من الفرق، وأما القول الثالث عشر فلعله يحتج على اقتضائه الوجوب لغة بما مر، وعلى عدم اقتضائه إياه شرعًا بنحو ما مر من كثرة وروده في لسان الشارع لغير الوجوب، وجوابه يعرف مما سبق.

فائدة
في جمع الجوامع وغيره أن الخلاف في وجوب اعتقاد الوجوب على القول بوضع الصيغة له قبل البحث عن الصارف كالخلاف في العام: هل يجب اعتقاد عمومه قبل البحث عن المخصص أم لا؟

المسألة الرابعة [في معاني الصراط، والمستقيم، والاستقامة]
الصراط: الطريق، والمستقيم: الواضح البين الذي لا اعوجاج فيه.
قال (ابن جرير): ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه.
قلت: والاستقامة عبارة عن الصواب، والاعوجاج عبارة عن الخطأ، وقد اختلف في المراد بالصراط المستقيم هنا، فقيل: هو القرآن، وهذا مروي عن جماعة من السلف منهم أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وابن مسعود، وقد ورد ذلك مرفوعًا من حديث علي عليه السلام ، وفي تفسير ابن جرير بعد أن ذكر أن تراجمة القرآن اختلفت في المراد بالصراط المستقيم ما لفظه: ومما قالته في ذلك ما روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال وذكر القرآن فقال: ((هو الصراط المستقيم)) حدثنا بذلك موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: حدثنا حسين الجعفي، عن حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث، عن الحارث، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وحدثنا إسماعيل بن أبي كريمة، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري، عن الحارث، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، مثله، وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي عليه السلام قال: الصراط المستقيم كتاب الله، ثم ذكر أسانيد إلى عبد الله بنحوه.
حسين الجعفي قال في الجداول: الحسين بن علي بن الوليد الجعفي مولاهم الكوفي ثم قال: وثقه ابن معين وأثنى عليه غيره. توفي سنة ثلاث ومائتين، احتج به الجماعة.
قلت: وروى له من أئمتنا المؤيد بالله وأبو طالب والمرشد بالله ومحمد بن منصور.

وحمزة الزيات هو: ابن حبيب بن عمارة مولى تيم الله أبو عمارة الزيات الكوفي أحد القراء، وثقه ابن معين والنسائي، وقال الذهبي: إليه المنتهى في الصدق والورع. توفي سنة ثمان وخمسين ومائة، احتج به مسلم والأربعة، وروى له المؤيد بالله ومحمد بن منصور.
وإسماعيل هو: إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحراني لأنه الذي ذكر في الجداول روايته عن محمد بن مسلمة فقال: وثقه الدارقطني وغيره، توفي سنة أربعين ومائتين، روى له المرشد بالله والترمذي وابن ماجة، وليس بإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي المفسر المشهور لأن وفاة السدي سنة سبع وعشرين ومائة ووفاة محمد بن مسلمة سنة إحدى وتسعين ومائة مع ما صرح به من رواية الأول عن أبي مسلمة.
ومحمد هذا هو: ابن مسلمة بن عبيدالله الباهلي الحراني، قال ابن سعد: كان ثقة فاضلاً عالمًا، روى له أبو طالب والمرشد بالله، واحتج به مسلم والأربعة.
وعمرو بن مرة قال في الجداول: عمرو بن مرة بن عبدالله بن طارق بن الحارث الهمداني الجملي المرادي أبو عبدالله الأعمى الكوفي ثم قال: وثقه ابن معين والحاكم وأبو حاتم، وقال: يرى الإرجاء، وقال في الكاشف: كان من الأئمة العاملين، توفي سنة ست عشرة ومائة، احتج به الجماعة، قال: وعداده في رواة العدلية ذكره المنصور بالله.
قلت: وروى له أبو طالب والمرشد بالله.
وأحمد بن إسحاق الأهوازي، قال النسائي: صالح الحديث، وقال في الكاشف: صدوق، توفي سنة خمسين ومائتين، روى له من أئمتنا الموفق بالله والمرشد بالله.
وأبو أحمد الزبيري هو: محمد بن عبدالله بن الزبير بن درهم الأسدي الزبيري مولاهم أبو أحمد الكوفي الحبال وثقه ابن معين والعجلي وقال: يتشيع، وقال ابن بندار: ما رأيت رجلاً أحفظ من أبي أحمد، توفي سنة ثلاث ومائتين، عداده في ثقات محدثي الشيعة، روى له السيدان المؤيد بالله وأبو طالب والمرشد بالله، واحتج به الجماعة.

وقيل: دين الإسلام، وهذا مروي عن جماعة من السلف بألفاظ مختلفة تؤدي هذا المعنى منهم: ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبدالله ومحمد بن الحنفية وعليه جماعة من المفسرين منهم: الزمخشري، ويحتج لهم بما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ضرب الله صراطًا مستقمياً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه)) فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق: واعظ الله في قلب كل مسلم، وفي تفسير ابن جرير: حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه عن نواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا والصراط الإسلام))، حدثنا المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا الليث، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نضير عن أبيه، عن نواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمثله.
ابن جرير صاحب التفسير هو محمد بن جرير بن يزيد وفي بقية نسبه بعد يزيد اختلاف فقيل: يزيد بن كثير بن غالب، وقيل: يزيد بن خالد، وقيل: يزيد بن هارون، وهو أشهر من أن يذكر، كان إمامًا في فنون كثيرة، أثنى عليه الذهبي ووثقه هو وغيره، وعداده في ثقات محدثي الشيعة، وقد نالوا منه لذلك، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة كذا في الجداول وفي غيرها سنة عشر.

وأما آدم العسقلاني فوثقه أبو حاتم، وقال النسائي: لا بأس به، وقال ابن معين: ثقة ربما حدث عن قوم ضعفاء، قال أبو حاتم: مأمون متعبد من خيار خلق الله، وفي الجامع الوجيز: أن الأئمة رووا له، توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائتين.
وأما عبد الرحمن بن جبير فهو: الحضرمي أبو حميد الشامي، وثقه أبو زرعة والنسائي وابن سعد، توفي سنة ثماني عشرة ومائة، روى له محمد بن منصور وأبو طالب، واحتج به الجماعة لكن البخاري في الأدب.
وأما والده جبير فوثقه أبو حاتم، وروى له أبو طالب، واحتج به مسلم والأربعة، توفي سنة خمس وسبعين، وقيل: الصراط المستقيم: ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا مروي عن ابن مسعود، وقال أبو العالية: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر، وهذا مروي عن ابن عباس والحسن البصري، وقال الفضيل بن عياض: طريق الحج.
قال (القرطبي): وهذا خاص والعموم أولى، وعن عثمان: السنن، وعن سعيد بن جبير: طريق الجنة، وقيل: طريق السنة والجماعة قاله القشيري، وقال الترمذي طريق الخوف والرجاء، وقال عمرو بن عبيد: جسر جهنم، وعن أبي العالية: الصراط المستقيم: آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر، وعن شهر بن حوشب: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وعن عبد الرحمن بن زيد: هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته، وفي شواهد التنزيل عن أبي بريدة في قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] قال: صراط محمد وآله، وفيه بإسناده عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((إن الله جعل عليًا وزوجته وابناه حجج الله على خلقه وهم أبواب العلم في أمتي من اهتدى بهم هدي إلى صراط مستقيم)) وبإسناده إلى سعد عن ابن أبي جعفر قال: آل محمد الصراط الذي دل الله عليه.

وهذه الأقوال أكثرها متقارب المعنى، إذ المرجع بها إلى كون الصراط المستقيم هو الحق، فمن فسره بالقرآن فلأن الحق لا يعرف إلا به فهو حق في نفسه، ومن فسره بالإسلام فلأنه حق، ومن فسره بطائفة مخصوصة أو شخص مخصوص أو طريقة مخصوصة فلقيام الدليل عنده على أن الحق مع تلك الطائفة أو ذلك الشخص.
قال (ابن جرير): والأولى في تأويل الآية أن المراد وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليه من النبيئين والصديقين والشهداء فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمر الله به والإنزجار عما زجر عنه، واتباع منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم. ذكره في تفسيره.
وقد رد الرازي على من قال هو: القرآن أو الإسلام وشرائعه بأن قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}[الفاتحة: 7 ]بدل من الصراط المستقيم، وإذا كان كذلك كان المراد صراط المتقدمين من الأمم، ولم يكن لهم القرآن والإسلام، قال: وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد: اهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة، واعترضه أبو حيان بأنه لا يتأتى هذا الرد إلا إذا صح أن الذين أنعم الله عليهم هم المتقدمون، وستأتي الأقوال في ذلك.

قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
من سورة الفاتحة
قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}

[العلاقة بين الصراط الأول والثاني]
بدل من الأول وفائدته التأكيد، قال الزمخشري: لما فيه من التثنية والتكرير والإشعار بأن الصراط المستقيم بيانه، وتفسيره صراط المسلمين ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما يقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملاً أولاً ومفصلاً ثانيًا، وأوقعت فلانًا تفسيرًا وإيضاحًا للأكرم الأفضل فجعلته علمًا في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعًا للخصلتين فعليه بفلان فهو الشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع.
واختلف في المراد بالمنعم عليهم، فقال زيد بن علي، وروي عن ابن عباس هم: النبيئون والصديقون والشهداء والصالحون، وهو محكي عن جمهور المفسرين انتزعوا ذلك من آية النساء، ويشهد له قوله قبلها:{ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}[النساء:68]، وقال الزمخشري وأتباعه: هم المؤمنون.
وروي عن ابن عباس: وإطلاق الإنعام لقصد الشمول فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها، فمن فاز بها فقد حاز النعم بحذافيرها، وقال الحسن: أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل: مؤمنو بني إسرائيل، وعن ابن عباس: أصحاب موسى قبل أن يغيروا، وقال قتادة والربيع بن أنس: الأنبياء خاصة، وقال أبو العالية: النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر، وقيل: أصحاب موسى وعيسى قبل النسخ والتحريف، وعن أبي زيد: النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، وقال وكيع: المسلمون.
ومعنى هذه الأقوال واحد كما مر نظيره، ويتعلق بالآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [معنى النعمة]
النعمة في اللغة: هي اليد والصنيعة وخفض العيش والدعة والمال والعطية.
قال في (القاموس): ونعيم الله عطيته، وقال الراغب: النعمة: الحالة الحسنة، والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه من جنس الناطقين، فإنه لا يقال: أنعم على فرسه، وقال: تنعم تناول ما فيه النعمة وطيب العيش يقال: نعمه تنعيمًا فتنعم أي جعله في نعمة أي: لين عيش وخصب، وفي النهاية معنى قولهم: أنعمت على فلان أي: أصرت إليه نعمة، فهذا كلام أئمة اللغة في تحقيق معنى النعمة.
وأما أهل الاصطلاح فقد اختلفوا على قولين:
أحدهما: أن النعمة هي المنفعة الحسنة الواصلة إلى الغير التي قصد بها فاعلها وجه الإحسان إليه، وهذا قول السيد مانكديم والإمام المهدي وأبي علي وغيرهم.
الثاني: أنها المنفعة الواصلة إلى الغير... إلى آخر ما مر، وهذا قول الرازي وهو ظاهر حكاية السيد مانكديم عن أبي هاشم، ولم يقيدا المنفعة بكونها حسنة لأنهما يجوزان في النعمة أن تكون قبيحة، واستدل أبو هاشم على ذلك بأن الله لو أثاب من لم يستحق الثواب لكان منعمًا عليه مع أن ذلك قبيح لعدم انفكاكه عن التعظيم، وقد ثبت قبح الابتداء بالتعظيم.
دليل آخر: وهو أن أحدنا لو ملك غيره جميع ما يملكه حتى افتقر لكان منعمًا مستحقًا للشكر من جهته مع أن فعله قبيح لإطباق العقلاء على ذم من أخرج جميع ماله حتى لا يبقى له ما يسد جوعته ويواري عورته؛ ولقوله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ...} [الإسراء:29] الآية.

80 / 329
ع
En
A+
A-