القول الثالث عشر: حكاه في الجمع أيضًا عن الإسفراييني وإمام الحرمين واختاره، وهو: أنه حقيقة لغوية في الطلب الجازم فلا يحتمل تقييده بالمشيئة فإن صدر من الشارع أوجب صدور الفعل منه، بخلاف صدوره من غيره إلا من أوجب هو طاعته، قال: وهذا غير القول الأول، أعني: أنه للوجوب شرعًا لأن جزم الطلب على هذا لغوي، وعلى ذاك شرعي، فهذا ما عثرنا عليه من الأقوال في المسألة، وقد ذكر في الغاية وشرحها الاتفاق على أنه مجاز في سائر المعاني التي ذكرها ما خلا الخمسة التي ذكرتها الإمامية، فأما فيها فعلى الخلاف، وفي دعوى الاتفاق نظر لما عرفته من القول باشتراكه بين الأحكام الخمسة، ولأنه قد حكى بعضهم أنه حقيقة في التعجيز والتكوين، وقال السبكي في شرح التخليص: إن استعمال (إفعل) للدعاء والالتماس حقيقة فلا ينبغي أن يعدا مما خرجت فيه صيغة الأمر عن حقيقته، وإذ قد أتينا على هذه الأقوال فلنأخذ في الاحتجاج لها فنقول:
احتج القائلون بالوجوب لغة وشرعًا: أما من جهة اللغة فمن وجوه:
أحدها: أن أهل اللغة يذمون العبد إذا لم يمتثل أمر سيده، والولد إن خالف أمر والده ويصفونهما بالعصيان، فلولا أنه للوجوب لما ذموه ونسبوه إلى العصيان؛ إذ هذا الاسم إنما يجري على من فعل قبيحًا أو ترك واجبًا، قال الشاعر:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني... البيت
فإن قيل: طاعة العبد لسيده أمر شرعي، وذمه لدليل الشرع لا لأجل اللغة، وطاعة الولد لوالده أمر عقلي لا لغوي.
قيل: إن ذلك وإن صار الآن شرعيًا فإن أهل اللغة كانوا يستخدمون السودان ويتملكونهم ويذمون العبد عند المخالفة، وكذلك الولد، وهذا أمر لغوي، فإن قيل: ذم أهل اللغة لا يقضي بالوجوب إذ لا حكمة فيهم ولا عصمة فقد يذم أحدهم غيره على ترك القبيح كما يفعلون عند كف أحدهم عن مصاولة الأقران، وإن كان ذلك قبيحًا، وغير ذلك من أفعالهم، قيل: إنا لم نصوبهم في اعتقادهم الوجوب، ولا نقول أن ما قالوا بوجوبه فهو واجب في نفس الأمر، وإنما استدللنا بأنهم وضعوا صيغة (إفعل) للوجوب واعتادوا ذلك، فإذا خاطبنا الله بلغتهم كان قد وضع هذه الصيغة للوجوب، وهو تعالى عدل حكيم لا يوجب إلا ماله وجه وجوب يخصه.
والحاصل أن استدلالنا بوصفهم لا باعتقادهم، فإن قيل: المعصية في اللغة: هي المخالفة والعدول عن الرأي لا ما يقتضي الذم والعقاب، وإذا كان كذلك فالوصف بالعصيان لا يدل على الوجوب كالمخالفة، قيل: ومن أين لكم أن المخالفة لا تقتضي الذم والعقاب، وقد قدمنا في كتابنا هذا أن العقلاء كافة يستحسنون ذم عبد لم يمتثل أمر سيده وعقابه، وهذا واضح.
الوجه الثاني: إن قول القائل (إفعل) يقتضي إيقاع الفعل وليس لجواز تركه لفظ، فيجب المنع من تركه، وإذا لم يجز تركه فقد وجب.
الوجه الثالث: أن الحمل على الوجوب أحوط لأنه إذا كان واجبًا فقد أمنا الضرر بفعلنا له، وإذا كان مندوبًا أو مباحًا لم يضرنا فعله، ولقائل أن يقول: إن الدليل اللغوي إذا أول على وضعه للندب فلا أحوطية في الحمل على الوجوب لأنه قد أمن الضرر، ثم إنَّ القول بالأحوطية يؤدي إلى محذور أعظم وهو الإقدام على ما لا يؤمن قبحه من اعتقاد وجوب ما ليس بواجب، اللهم إلا أن تحمل الأحوطية على الفعل دون الاعتقاد.
الوجه الرابع: أن الوجوب معنى عقله أهل اللغة، فلو لم تكن صيغة للوجوب لم يكن على الوجوب دلالة، فإن قيل: والمخالف يعارضكم بالندب فيقول: هو معقول فلو لم تكن الصيغة له لم تكن عليه دلالة. قيل: بل عليه دلالة وهي قول القائل: ندبت أو نحوه، فإن قيل: وعلى الوجوب كذلك وهي قوله: أوجبت أو ألزمت، قيل: وجدناهم يستعملون الصيغة في الوجوب ويفهمونه منها، ولا يحتاجون إلى نصب قرينة بخلاف الندب.
الوجه الخامس: أن الأمر مقابل للنهي، والنهي يقتضي الكف عن الفعل لا محالة واستحقاق الذم بالفعل، فيجب في الأمر أن يقتضي الإيجاب والذم على الترك.
وأما الأدلة الشرعية فهي كثيرة منها: ما اشتمل عليه القرآن العظيم من الآيات الدالة على ذلك، وسيأتي بيان كيفية الاستدلال بها في مواضعها.
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة، وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والضياء بن زيد بن خالد الجهني وصححه مع زيادة للترمذي، والضياء شيخ العزيزي، والزيادة هي: ((ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل)).
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عليه عليه السلام ، ومالك والشافعي والبيهقي في السنن عن أبي هريرة مرفوعًا: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)) قال العزيزي: وإسناده حسن، وأخرج أحمد والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء سواك))وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك والطيب عند كل صلاة)) أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن مكحول مرسلاً، قال شيخ العزيزي: وإسناده صحيح.
وعن عبدالله بن عمرو بن العاص يرفعه: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك بالأسحار)) أخرجه أبو نعيم في كتاب السواك، ووجه دلالة هذه الأخبار أن الأمر لو لم يكن للوجوب لم يكن فيها مزيد فائدة إذ السواك قد كان مندوبًا إليه ومأمورًا به، وذلك فيما رواه المؤيد بالله عليه السلام في شرح التجريد قال: أخبرنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه، قال أخبرنا أبو أحمد الفرايضي، قال: حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عثمان بن ساج، عن سعيد بن جبير، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك)) وهو في أصول الأحكام وشمس الأخبار.
أبو العباس الحسني من أفاضل علماء العترة مشهور.
ومحمد بن سليمان هو الباغندي قال في الميزان: لا بأس به، واختلف قول الدارقطني فيه، وله رواية في المناقب وأمالي المرشد بالله عليه السلام .
وعثمان بن ساج هو: عثمان بن عمر بن ساج الجزري الأموي مولاهم، وثقه ابن حبان، واحتج به النسائي.
وفي (الجامع الكافي) عن ابن عباس لم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بالسواك حتى ظننا أنه سينزل عليه فيه، وفي أمالي أحمد بن عيسى وغيره: ((فمن أطاق السواك فلا يدعه)) ولقائل أن يقول: ليس في الأحاديث السابقة ما يدل على أن الأمر للوجوب لوجهين:
أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث: ((لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك)) كما في مجموع زيد بن علي عليهما السَّلام وأمالي أحمد بن عيسى وأحكام الهادي عليهما السَّلام من حديث علي عليه السلام وهو في الجامع الكافي أيضًا بلفظ: لفرضت، أيضًا في الجامع الصغير من حديث العباس بن عبد المطلب منسوبًا إلى الحاكم وصححه شيخ العزيزي، ومن حديث أبي هريرة منسوبًا إلى الحاكم والبيهقي في السنن قال العزيزي: وإسناده صحيح، وإذا تعارضت ألفاظ الحديث في موضع الحجة بطل الاستدلال به.
الثاني: أن هذه الرواية ترجح بكونها في كتب الأئمة، وحينئذ تكون حجة للقائلين بالندب لأن الأمر به قد وقع كما بينا، وإنما المنفي الوجوب لعدم ما يدل عليه من خارج كلفظ: أوجبت أو فرضت، كما يدل عليه لفظ: لفرضت، إذ المعنى: لقلت إنه فرض أو نحوه مما يؤدي معناه، واستدلوا أيضًا بما رواه المرشد بالله عليه السلام ، قال أخبرنا محمد بن علي، ثنا ابن لبوة، ثنا أبو خليفة، ثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد، حدثني حبيب بن عبد الرحمن، عن حفص، عن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: ((ألم يقل الله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}[الأنفال:24 ]ثم قال: ألا أعلمك سورة هي أعظم سورة من القرآن، فقال: الحمدلله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)) وأخرجه أحمد والبخاري والدارمي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي.
قلت: في أمالي المرشد بالله هكذا: حفص عن عاصم، وفي القرطبي: أنه حفص بن عاصم فينظر.
وأما أبو سعيد بن المعلى فلم أقف له على ترجمة في الجداول وفي تفسير القرطبي: أنه رجل من الصحابة لا يوقف على اسمه، وفيه: أن الذي روى الحديث عنه حفص بن عاصم وعبيد بن حنين، قال كذا قال ابن عبد البر وغيره وأبو سعيد بن المعلى من جلة الأنصار وسادات الأنصار تفرد به البخاري واسمه: رافع، ويقال الحارث بن نفيع بن المعلى، ويقال: أوس بن المعلى، ويقال: ابن سعيد بن أوس بن المعلى، توفي سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وستين سنة، وهو أول من صلى إلى القبلة حين حولت.
وأخرج جماعة من المحدثين عن أبي هريرة نحو هذا الحديث إلا أن القصة مع أبي بن كعب وسيأتي.
والدلالة على الوجوب من هذا ظاهرة، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لامه على ترك الإجابة من حيث أن الله قد أمر بها، ومنها أنه قد ثبت عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: أنهم كانوا يأخذون الظواهر وأوامر الله وأوامر رسوله، ويستدلون بها على الوجوب مجردة عن القرائن وهم القدوة في الدين، فإن قيل: ومن أين لكم أنهم حملوه على الوجوب بلا قرينة؟ قيل: لم ينقل عن أحد منهم نصب القرينة ولا المطالبة بها ولو كان لنقل؛ لأن مثل هذا مما يشتهر لعموم التكليف به.
قالوا: لعل الاستدلال قد وقع بغير الأوامر المحكية أو بها، لكنها أوامر مخصوصة علموا كونها للوجوب، قلنا: خلاف الظاهر، بل المعلوم استنادهم إليها واستدلالهم بها لظهورها في الوجوب لا لخصوصياتها، قالوا: قد حملوا بعض الأوامر على الندب وغيره كما حملوا بعضها على الوجوب فلستم بأن تقولوا: هي موضوعة للوجوب لأنهم قد حملوها عليه في مواضع بأولى منا بالحمل على الندب أو نحوه؛ لذلك قلنا: الظاهر حملهم لذلك على الوجوب في جميع موارده ولا يعدلون عنه إلا لقرينة، قالوا: هذا الدليل إنما يفيد الظن، ولو أفاد القطع لكونه قد شاع استدلالهم بذلك على الوجوب فدلالة ذلك الثابت قطعًا على المراد ظنية، إذلم ينصوا على أنه موضوع للوجوب كما قد اعترفتم بذلك، قلنا: بل يفيد القطع لحصول العلم باستنادهم إلى ظاهر الأمر في الاستدلال على الوجوب، والمقصود حصول العلم سواء كان بنص أو بغيره.
وقد ذكر الإمام الحسن بن يحيى القاسمي عليه السلام في جواب سؤال أن الظاهر وما حمل على خلاف ظاهره يفيدان القطع إذا حصلت معهما قرائن كثيرة حتى أوصلت إلى العلم.
وأما قولهم: لو أفاد القطع...إلخ فجوابه: أنا لا نسلم أن دلالته ظنية بل قطعية لما مر من أن المقصود حصول العلم ولو بالقرائن، ولا شك أن إطباقهم على الاستدلال بالصيغة المجردة على الوجوب وتكرر ذلك وشيوعه يفيد القطع بوضعها للوجوب كما لو نصوا على ذلك، ولا يشترط في القطع طريقة مخصوصة، ولهذا قيل: إنا نقطع أن السيد إذا قال لعبده: خط هذا الثوب ولو بكتابة أو إشارة فلم يفعل عُد عاصيًا، ولو سلم فإنه يكفي الظهور ونقل الآحاد في مدلولات الألفاظ، وإلا تعذر العمل بأكثر الظواهر إذ المقدور فيها إنما هو تحصيل الظن بها، وأما القطع فلا سبيل إليه، لا يقال فقد عرفوا أصول الفقه بأنه علم بقواعد...إلخ وتسليم كون الأمر يفيد الوجوب ظنًا ينفي العلم بأنه للوجوب؛ لأنا نقول لا نسلم بأن مسائل أصول الفقه كلها قطعية، بل بعضها ظني كما يعرفه من تتبع مؤلفات هذا الفن، فإنه يجدهم مطبقين على الاحتجاج على كثير من مسائله بأدلة ظنية، وقد صرح صاحب الجوهرة وصاحب الفصول بانقسام مسائله إلى قطعية وظنية، وهو الظاهر من عدول الحسين بن القاسم وغيره في حد أصول الفقه عن لفظه علم إلى قولهم هو طرق الفقه، أو كيفية الاستدلال بطرق الفقه، أو القواعد التي يتوصل بها ...إلخ.
على أن تعريفه بالعلم بالقواعد لا ينافي كون بعضها ظنيًا لأن العلم قد يطلق على الظن كما في: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}[الممتحنة:10] ويؤيده أن من عرفه بالعلم حذا حذو غيره في الاحتجاج على بعض مسائله بالأدلة الظنية، ثم إنا لو سلمنا أن المراد بالعلم معناه الحقيقي فالمعتبر العلم بثبوت القاعدة وهي كون الأمر يفيد الوجوب ظاهرًا، وهذه القاعدة معلومة بالدليل لا ريب فيها.
وأما كون دلالته على الوجوب قطعية فلا يشترط ولذلك نظائر منها: الشهادة فإن وجوب العمل بها قطعي مع أن دلالتها على المقصود ظنية، والحاصل أن المعتبر العلم بدليل كون الأمر ظاهرًا في الدلالة على الوجوب لا العلم بالحكم وهو الدلالة فيكفي الظن في حصوله، ولا شك أن الحكم غير دليله، والكلام في أدلة الأحكام لا في نفس الأحكام.
احتج أهل القول الثاني وهم القائلون بالندب بأن المتيقن الطلب، وأقل أحوال ما يطلب أن يكون مندوبًا، قلنا: هذا لا ينفع مع قيام دليل الوجوب، قالوا: لا فرق بين قول السيد لعبده: اسقني، وندبتك إلى أن تسقيني في أنه يفهم من أحدهما عند أهل اللغة ما يفهم من الآخر، ويستعمل كل منها مكان صاحبه، قلنا: بل الفرق بينهما من وجهين معلومين عند أهل اللغة:
أحدهما: أن أحدهما خبر والآخر إنشاء، ولا شك في مفارقة الخبر للإنشاء من حيث أن الخبر يحتمل الصدق والكذب دون الإنشاء، ومن حيث أنه لا يستدعي الفعل بوضعه بخلاف قولك: (إفعل).
الوجه الثاني: استحقاق الذم على مخالفة قوله: اسقني دون قوله: ندبتك أن تسقيني، ولو كان نصًا في الندب لم يكن بينهما فرق في عدم استحقاق الذم، قالوا: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)) فرده إلى مشيئتنا وهو معنى الندب؟ قلنا: بل إلى استطاعتنا، وهو لا ينافي الوجوب.
احتج القائلون بالاشتراك اللفظي وهم أهل القول الثالث، القائل: بأنها حقيقة في الوجوب والندب، وأهل القول السابع القائل: بأنها حقيقة فيهما وهي: الإباحة، وأهل القول التاسع، والقول العاشر والقول الحادي عشر وهم القائلون: بالاشتراك بين الثلاثة والتهديد، والقائلون به بين الأربعة والإرشاد، والقائلون بأنها مشتركة بين الأحكام الخمسة بأنه ثبت الإطلاق من أهل اللغة للصيغة في الوجوب والندب، أو في الثلاثة أو الأربعة أو في الخمسة، والأصل في الإطلاق الحقيقة فيكون حقيقة مشتركة.
والجواب: أن الإطلاق فيما عدا الواجب مجاز لا حقيقة كما بينا، ولأنه قد ثبت أنه إذا دار اللفظ بين كونه مجازًا أو مشتركًا فإن حمله على المجاز أولى، وأيضًا يلزم أن يكون حقيقة في جميع المعاني المتقدمة لوقوع الإطلاق ولا قائل به.
احتج القائلون بأن الصيغة موضوعة بالتواصل للوجوب والندب وهم أهل القول الخامس بأنه ثبت الرجحان بالضرورة من اللغة، وجعله لأحدهما بخصوصه تقييد من غير دليل فلا يصار إليه، فوجب جعله للقدر المشترك بينهما دفعًا للاشتراك والمجاز.
واحتج القائلون بوضعها للإباحة وهو القول السادس بأنه ثبت الجواز في المأمور به ضرورة، وزيادة الوجوب أو الندب لا دليل عليها فوجب الوقف عنده وهو معنى الإباحة.
واحتج القائلون بالتواطئ بين الثلاثة بأنه ثبت الإذن بالضرورة من اللغة، والزيادة المفيدة لتخصيص أحدهما لا دليل عليها، فوجب جعلها للقدر المشترك بينها وهو الإذن.
والجواب من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أن زيادة الوجوب لا دليل عليها بل ثبتت بأدلتنا.