المسألة السادسة [ترادف الاطلاق بين العبادة والمعبود)
استحقاقه تعالى للعبادة وفعلها له يستلزم صحة إطلاق وصفه تعالى بالمعبود، إذ لا تكون عبادة إلا لمعبود، وقد ورد إطلاقه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته عند تزويج علي عليه السلام بفاطمة+، فإنه ابتدأ الخطبة بقوله: ((الحمدلله المحمود بنعمته المعبود لقدرته)) رواها أبو طالب وأخرجها الحسن بن عبدالله العسكري في كتاب الأوائل، وهذا هو الظاهر من كلام المتكلمين وغيرهم، فإنهم يقولون في لفظ الجلالة: إنه اسم للمعبود بحق، وقالوا في الإله: إنه في الأصل اسم لكل معبود ثم غلب على المعبود بحق، ومعناه: أن تذلل العبيد وخضوعهم له وتعظيمهم إياه حق ثابت له ومفعول لأجله.

قوله تعالى: {وإياك نستعين}
من سورة الفاتحة
قوله تعالى: {وإياك نستعين}

[معنى الاستعانة]
الاستعانة: طلب المعونة، وهي عند أصحابنا: تمكين الغير من الفعل مع الإرادة له، قاله السيد مانكديم، وأحسن منه ما ذكره الموفق بالله عليه السلام ، وهو: أنها الفعل الذي يفعله المعين ليتوصل المعان على ما يعينه عليه مع إرادته لذلك، قالوا: ولا بد من اعتبار الإرادة لأن من دفع إلى غيره سكينًا ليذبح به شاة فلا يوصف بأنه أعانه إلا إذا أراد منه الفعل، ولذلك قالوا: لا يجوز إطلاق القول بأن الله تعالى أعان العاصي على معصيته؛ لأنه لا يريد منه ذلك ولا يرضاه، بخلاف قولنا: إنه يجوز إطلاق القول بأنه أعان على الطاعة لأنه يريدها ويرضاها، وأما المجبرة فظاهر كلامهم أن المعونة بمعنى القدرة؛ لأنهم استدلوا بالآية على مذهبهم في نفي أفعال العباد، فقالوا: لو كان العبد مستقلاً بفعله لما كان للاستعانة على الفعل فائدة، وقال الرازي: الإعانة عبارة عن خلق الداعية الجازمة، وإزالة الداعية الصارفة بناء على أصله في الجبر، وهو أن القدرة لا تؤثر إلا مع الداعية، والداعية من فعل الله كما قد كرر ذلك في مواضع، فيلزم الجبر من هذا الوجه عنده.
والجواب على (المجبرة): أنه لا خلاف أن القرآن عربي، وأن الواجب الرجوع في تفسيره إلى ظاهر اللغة العربية إلا لدليل يوجب العدول عن الظاهر ولم نجد في اللغة ما يدل على تفسير المعونة بالقدرة فانظر القاموس وغيره، ولا موجب للعدول عن الظاهر وهو ما ذكره الأصحاب، بل قام الدليل على أنه لا يجوز أن تكون المعونة هي القدرة، وهو أن أحدنا قد يعين الغير على الفعل مع استحالة إقداره عليه، وكذلك الجمل، يقال: إنه معونة على كذا، وإن استحال أن يكون قدره، وكذلك السكين وغيره من الآلات.

قال (الموفق بالله) عليه السلام : القدرة لا تسمى حقيقة معونة، ولذلك يقال لفلان قوة وقدرة على تحريك هذا الجسم، ولا يقال له معونة على تحريكه، وأما الرازي فكلامه مبني على أن الفعل لا يقع إلا لمرجح وداع وذلك من فعل الله، وقد مر كلامنا على ذلك، وقد استدل بالآية هنا على طريقة أخرى أيضًا وهي: أن الخلق يطلبون الدين الحق والاعتقاد الصدق مع استوائهم في القدرة والعقل والجد والطلب، ففوز البعض ليس إلا بإعانة معين وليس ذلك إلا الله؛ لأن المعين لوكان بشرًا أو ملكًا لعاد الطلب فيه.
والجواب أولاً: أَنَّه قد نقض قوله هنا باستوائهم فيما ذكر في البقرة فإنه جعل الاستواء في هذه الأمور ونحوها من المستحيل، وقد عرّفناك مرارًا أنه لا يبالي في مقام الجدل بمناقضة الكلام ومعاكسة الأحكام.
وثانيًا: أن نقول ما أردت بقولك ليس إلا بإعانة معين، هل أردت بالإعانة الداعية فقد أبطلناها بالمعنى الذي بنيت عليه مذهبك؟ أم أردت التمكين من معرفة الحق فهو قولنا وهو لهم على سواء فيما نحتاج إليه، وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق إلا أن الفائز أحسن النظر لنفسه دون الآخر؟ أم أردت أنها غير هذين المعنيين فما هو؟ ثم إنا لا نسلم حصر المعين على الباري تعالى، فإنا نعلم أن للأنبياء والعلماء والصالحين تأثيرًا في الإعانة على معرفة الحق، ولذا أمر الله بالتعاون على البر والتقوى، وبعث الرسل وأوجب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو لم يكن لذلك تأثيرٌ لكان عبثًا.
وأما قوله: لو كان المعين بشرًا...إلخ فمقصوده بعود الطلب فيه أنه يقال: هل فعل لمرجح أم لا؟ إلى آخر ما يذكره في مثل هذا. وقد نبهنا على تقدم الجواب عليه.

وبما قررنا يظهر لك أنه لا حجة لهم في الآية على الجبر، وقد استدل بها بعض العدلية على صحة مذهبنا في أفعال العباد؛ لأن الاستعانة لا تكون إلا إذا كان العبد متمكنًا من أصل الفعل فيطلب الإعانة من الغير، وأما مع عدم القدرة عليه فلا فائدة للاستعانة، ألا ترى أنه لا يحسن من أحدنا طلب الإعانة على نتق الجبل وإحياء الميت، ولو فعل ذلك لقطعنا بجنونه.
واعلم أن الله تعالى قد حث على الاستعانة في كتابه، وورد في السنة وخطب أمير المؤمنين عليه السلام وكلام الأئمة والعلماء والصالحين وخطبهم ما يدل على الحث عليها قولاً وفعلاً.
ومعنى إعانة الله للعبد: هو اللطف والتوفيق وزيادة الهدى وحفظ الصحة ودفع الآفة عن الجوارح ونحو ذلك مما تحصل به المعونة.
وعن (ابن مسعود) قال: علّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التشهد في الصلاة إلى قوله: والتشهد في الحاجة إن الحمد لله نستعينه ونستغفره... الخبر رواه الترمذي وصححه، وأخرجه جماعة من المحدثين.
ومن كلام علي عليه السلام : (اجعلوا ما افترض الله عليكم من طلبكم، واسألوه من أداء حقه ما سألكم). رواه في النهج.
وقال زيد بن علي عليه السلام في الآية: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[ الفاتحة:5 ] على عبادتك، فأمرهم تبارك وتعالى أن يستعينوا به فيما يتعبدهم في كل أمورهم؛ لأنهم لا ينالون خيرًا إلا بالله تعالى، وقد كان الكفار يستعينون بآلهتهم التي كانوا يعبدون من دون الله تعالى فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا ذلك له.

وقال الهادي عليه السلام بعد أن ذكر أصنافًا من رياضة النفس ما لفظه: وأصل ذلك كله وفرعه والذي هو عون لصاحبه على نفسه فهو إخلاص النية إلى ربه، والاستعانة به على نفسه، فإن من خلصت له نيته وصلحت له علانيته أصلح الله سريرته وقواه على إرادته بالتوفيق والتسديد والمعونة والتأييد؛ لأنه إذا كان منه ما ذكرنا من إخلاص النية والإرادة والإقبال إلى الله تعالى والتوبة فقد اهتدى، وإذا اهتدى فقد قبله الله تعالى فزاده هدى، ومن زاده هدى فقد أعانه على طاعته وتقواه، وقد تضمن كلامه عليه السلام بيان السبب الذي تستحق معه المعونة وبيان معناها.
تنبيه [في جواز وصف الباري بالمستعان]
يؤخذ من الآية جواز وصف الباري بمستعان وقد نطق به القرآن، وكذلك بمعين بشرط التقييد بكونه معينًا على الطاعة، قال في الإحاطة: ويوصف بأنه معين على الطاعات ومعين للمؤمنين إذا فعل ما يزيد عنده فعل من يعينه، ولا يوصف بأنه معين للكفار على كفرهم لأنه لا يجوز أن يريده.
فائدة [في اطلاق الاستعانة]
قيل: أطلقت الاستعانة لتتناول كل مستعان فيه، ويؤيده ما في الدر المنثور عن ابن عباس في {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة:5] قال: على طاعتك، وعلى أمورنا كلها.
وقال (الزمخشري): الأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، ويكون قوله: {اهْدِنَا}بياناً للمطلوب من المعونة كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الفاتحة:6] قال: وإنما كان أحسن لتلاؤم الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض.
قال (الشريف): أي لتناسب الجمل الواقعة فيه، وانتظام بعضها مع بعض، حيث دل {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: 5] على طلب الإعانة على العبادة فصار {اهْدِنَا}بيانًا للإعانة المطلوبة، فانتظمت الجمل الثلاث انتظامًا لمزيد ارتباط بينها.
فائدة أخرى [في فضل الاستعانة]

في (الدر المنثور) أخرج أبو القاسم البغوي والماوردي معًا في معرفة الصحابة والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الدلائل عن أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة فلقي العدو فسمعته يقول: ((يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين)) قال: فلقد رأيت الرجال تصدع تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها.
وفي (شرح النهج) عن نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: كان علي عليه السلام إذا سار إلى قتال ذكر اسم الله قبل أن يركب، كان يقول: (الحمدلله على نعمه علينا وفضله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يستقبل القبلة ويرفع يديه إلى السماء ويقول: اللهم إليك نقلت الأقدام، وأتعبت الأبدان، وأفضت القلوب، ورفعت الأيدي، وشخصت الأبصار، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ثم يقول: سيروا على بركة الله، ثم يقول: الله أكبر ألله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر، يا ألله يا أحد يا صمد، يا رب محمد، اكفف عنا بأس الظالمين، الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، قال: وكانت هذه الكلمات شعاره بصفين.

قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}
من سورة الفاتحة
قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}
فيه مسائل:

المسألة الأول‍ى [معاني الهدى]
الهدى في اللغة على وجوه:
أحدها: بمعنى الدلالة والإرشاد، وقيده الراغب باللطف، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى}[الليل:12]، وهذا النوع قد عم الله به عباده البر والفاجر، والمسلم والكافر، وذلك بإكمال العقل والفطنة وغيرهما، وهذا هو الهدى الذي يتفضل الله به ابتداء.
قال (الهادي) عليه السلام : أما الهدى المبتدئ فقد هدى الله به البر والفاجر وهو العقل والرسول والكتاب، ومثله في البساط للناصر عليه السلام ، وفي الحقائق، ومفردات الراغب، ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان:3 ] وقوله في القرآن: {هُدًى لِلنَّاسِ}[البقرة:185 ] وفي الرسول: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى}[التوبة:33].
الثاني: بمعنى الدعاء إلى الخير، ومنه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}[السجدة:24] وهو راجع إلى الوجه الأول، وإن كان الراغب قد جعله نوعًا آخر.
الثالث: التوفيق الذي يختص به الباري تعالى من اهتدى، قال الناصر عليه السلام ما معناه: وقد يزيد الله تعالى من أطاعه واتبع ما دل عليه وهداه له للطفه من شرح صدره، وفتح سمعه وبصره، وتذكية قلبه حتى يزداد بصيرة في دينه ومعرفته ويقينه كما قال تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ}[البقرة:213 ]وقال: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بالله يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن:11 ]وقال: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً}[محمد:17].
ومثله للهادي عليه السلام والإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ، وهو قول العدلية جميعًا، فإني لا أعلم بينهم خلافًا في صحة إطلاق الهدى بمعنى التوفيق والتسديد.

قال (الهادي) و(الناصر) عليهما السَّلام : وذلك من الله جزاء للمطيعين على أعمالهم الصالحة، ومكافأة على فعلهم، وفي كلام الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ما يدل على أن ما كان بمعنى التوفيق والتسديد لا يسمى جزاء، وإنما هو تفضل كما في قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ}[الحجرات:7] إلى قوله: {فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً}[الحجرات:8] قال: فبين أنه فضل والفضل غير الجزاء.
الرابع: بمعنى الهداية في الآخرة إلى الجنة والتقديم إليها قوله تعالى:{ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}[محمد:5]. ذكره الراغب.
وقال القرشي: هي في الآية بمعنى الثواب كما في قوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ}[يونس:9] قال الراغب: وهذه الهدايات الأربع مترتبة، فإن من لم يتحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة، ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها، ومن حصل له الثالث فقد حصل له اللذان قبله ثم تنعكس فقد تحصل الأولى ولا يحصل له الثاني ولا الثالث.
قلت: إنما قال قد يحصل الأول دون الثاني لأنه قصر الوجه الأول على حصول العقل والفطنة، وجعل الكتاب والرسول من الثاني، وقد نبهنا عليه، وإنما جعلناه قسمًا مستقلاً مع أنا قد ضمناه الوجه الأول لنرتب عليه كلام الراغب الذي حكيناه في ترتب الهدايات الأربع، ثم أنه لا يصح انفراد الأولى عن الثانية إلا على القول بجواز انفراد التكليف العقلي عن الشرعي.
الوجه الخامس: بمعنى الثواب يهديهم ربهم بإِيمانهم تجري من تحتهم الأنهار.
السادس: الفوز والنجاة قال تعالى: {لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} [إبراهيم:21] أي: لو أنجانا.

76 / 329
ع
En
A+
A-