المسألة الأول‍ى [معنى العبادة]
العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ويسمى العبد عبدًا لذلته مأخوذ من قولهم: طريق معبد أي: مذلل، إذا كان قد وطئته الأقدام، وذللته السابلة، ومن ذلك قولهم: للبعير المذلل بالركوب معبّد.
قال (ابن جرير): والشواهد من أشعار العرب وكلامها على ذلك أكثر من أن تحصى.
قال (الزمخشري): ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولي أعظم النعم، فكان حقيقًا بأقصى غاية الخضوع، وكلامه لبيان وجه استعمال العبادة في الخضوع لله تعالى لا لحصر استعمالها فيه.
قاله (الشريف)، وقال (الرازي): هي عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير فاشترط في معناها قصد التعظيم، وقيل: بل هي عبارة عن الفعل الذي يؤدى به الغرض لتعظيم الله تعالى، حكاه الخازن، وظاهر كلامه ترجيحه؛ لأنه قال: والعبادة: غاية التذلل من العبد ونهاية التعظيم للرب سبحانه؛ لأنه العظيم المستحق للعبادة، ولا تستعمل العبادة إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولي أعظم النعم، وهي: إيجاد العبد من العدم إلى الوجود، ثم هداه إلى دينه، فكان العبد حقيقًا بالخضوع والتذلل له.

قلت: وما ذكره لا يصح إلا بالنظر إلى الحقيقة الشرعية كما أن قول من قال: هي فعل ما يرضي الله تعالى لا يتخرج إلا على ذلك، وقال العلامة المقبلي: اعلم أنك إذا تأملت معنى العبادة فإنما هي الاعتراف بما هو حق، والاعتراف بالحق واجب من دون نظر إلى شيء أصلاً مثلاً: كلمة التوحيد والتسبيح والتحميد، وسائر ما هو من قبيل الأقوال اعتراف بمدلولاتها، وإخبار عن الشهادة بذلك، ومع ذلك هو يتضمن الرفع من شأن المتصف بمدلولات هذه الألفاظ وهو معنى الحمد، وإذا لحظ في خلال هذا الاعتراف وتأكد انبعاثه عليه بكونه غريق نعم الله وأسير الاحتياج إليه كان شكرًا وضراعة إليه تعالى، ومعنى هذه الدلالة متضمن للاعتراف بما هو حق أعني معانيها، وهذا في الأقوال، ولما كان شأن الله أعظم من أن يقتصر على دون ممكن من تأدية حقه وكان نعمه لجميع العبيد أصلاً ومددًا، أوجب أن يقترن هذا الاعتراف المعنوي بشيء مما هو من حظ سائر الجوارح، وكانت الصلاة والحج والصيام، فالصلاة والحج غاية الضراعة والاعتراف بأن شأن العبد أن يكون مع العظيم المنعم هكذا، ولما كان شأن النفس اتباع الهوى، وهو نقيض الهدى كانت المنازعة فشرع حبسها بالصيام، ولم يكتف بالاعتراف القولي بأنه ينبغي مخالفتها، وكذلك سائر الشريعة تدرج على هذا، فكل شيء معناه ينبغي أن يكون الأمر هكذا، فهذا كله متضمن للاعتراف بحق، وكان له لازم بين قوي هو غاية التذلل والضراعة فغلب معناه حتى سميت: عبادة.
قال: إذا تأملت هذا فمعناه: الاعتراف بما ينبغي بالقول والفعل، ولما لم يجعل العقل محيطًا بالتفاصيل جاء بها علام الغيوب مفصلة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ذكره في العلم الشامخ، وحاصله: أن العبادة: هي الاعتراف بالحق، ومن لازمه التذلل والضراعة، فسمي اللازم عبادة تجويزًا، ودلالتها على ما اشترطه بعضهم من التعظيم بالتضمن.

قلت: ويدل على أنه لا بد من استشعار العظمة ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: قال جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : قل يا محمد: إياك نعبد، إياك نوحد ونخاف ونرجوا، ربنا لا غيرك، ولابن أبي حاتم نحوه: وفي التوحيد غاية التعظيم.
وقال (زيد بن علي) عليهما السَّلام : معنى نعبد: نطيع ونتعبد، ونصلي ونوحد.

المسألة الثانية [اختصاص الله تعال‍ى بالعبادة]
قال أئمة المعاني: الاختصاص لازم لتقديم المفعول لا ينفك عنه في أكثر الصور بشهادة الاستقراء والذوق السليم، فمعنى الآية لا نعبد أحدًا سواك، قال زيد بن علي عليهما السَّلام : إياك نعبد لا نعبد غيرك، وقد نازع بعضهم في كون التقديم مفيدًا للاختصاص هنا لقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}[الزمر:2 ] وأجيب بأن مخلصًا له الدين أغنى عن إرادة الحصر في الآية، قالوا: قال تعالى: {أفغير دين الله تأمروني أعبد}[الزمر:64 ] مع أنهم لم يخصوا الغير بالعبادة؟ قلنا: لما كان من أشرك فكأنه لم يعبد الله كان الأمر بالشرك كالأمر بتخصيص غير الله بالعبادة، قالوا قال تعالى: {كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ}[الأنعام:84]؟ قلنا: لم ندع اللزوم، وإنما ادعينا الغلبة، فإذا قام الدليل على خلافها عمل به وقد يخرج الشيء عن الحقيقة، سلمنا فقد قام دليل الاختصاص هنا وهو من وجوه:
أحدها: ما مر عن ابن عباس وزيد بن علي عليهما السَّلام من النص على ذلك.
الثاني: ما مر من أخذ نهاية التعظيم في معنى العبادة وذلك لا يليق إلا لمن صدر منه غاية الإنعام وهو الله تعالى، ولا شك أن الله تعالى هو المنعم بأصول النعم وفروعها، أما أصولها فهي ست: خلق الحي وخلق حياته، وخلق قدرته وخلق شهوته، وتمكينه من المشتهيات، السادس إكمال عقله، فالخمسة الأول تكون نعمة بغير السادس، والسادس لا يكون نعمة إلا معها.
وأما فروع النعم فلا تحصى إلا أنها قد تكون ابتداء بلا واسطة بشر، وقد تكون بواسطته وذلك لا يخرجها عن كونها نعمة من الله كما مر في الحمد، فإذا كانت النعمة كلها من الله وجب ألاَّ تحسن العبادة إلا له.

الثالث: أنه قد وصف نفسه بكونه إلهًا ربًا رحمانًا رحيمًا مالكًا لجزاء العبد على عمله، وهذه الأوصاف تدل على حاجة العبد إلى ربه في الدنيا والآخرة، ومع ذلك أنه قد ثبت بالدليل القاطع أنه قادر عالم محسن كريم حليم إلى غير ذلك، ولم يثبت من ذلك شيء للطبع والنجوم والأصنام وغيرها مما يعبده الكفار، ولا شك أن العقل يحكم بأن المتصف بالصفات المذكورة على جهة القطع والمحتاج إليه في الماضي والحال والاستقبال هو المستحق للعبادة، والمختص بها دون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنا شيئًا.

المسألة الثالثة [قراءة الآية يدل على التوحيد]
النطق بالآية يدل على التوحيد لتضمنها الإقرار بالربوبية، واختصاص الباري بالعبادة دون ما سواه، وفيها أيضًا دليل لمذهبنا في أفعال العباد.

المسألة الرابعة [ضرورة الاخلاص في العبادة]
في الآية دليل واضح على أنه يجب في العبادة أن تؤدى لله خالصة لما قدمناه من معنى الاختصاص، فيؤخذ من ذلك أن من نوى بعبادته الرياء والسمعة لم تجزه ولزمته التوبة والأدلة طافحة بذلك، فأما لو نوى بها استحقاق الثواب والسلامة من العقاب، فقال أهل المذهب: إن لم ينوها لوجوبها لم تجزه.
وقال (المنصور بالله) عليه السلام : تجزيه، وقال الإمام المهدي عليه السلام : إن فعلها امتثالاً لأمر الله ليستحق ثوابه وينجو من عقابه فلا إشكال أنها تجزيه، فإن لم يخطر بباله الامتثال وهو يعلم أنه لا ثواب له إلا بالامتثال ولا عقاب إلا بالعصيان أجزأته أيضًا.
وفي (شرح النهج) عن بعض المتكلمين: أنه ينبغي أن يفعل الإنسان الواجب لوجه وجوبه، ويترك القبيح لوجه قبحه، وربما قالوا يفعل الواجب؛ لأنه واجب ويترك القبيح؛ لأنه قبيح، وظاهر قولهم: إنه ينبغي... إلخ أن ذلك لا يجب، لكن في العلم الشامخ عن المعتزلة: أن العبادة لا تصلح لطلب النفع ولا لدفع الضرر فلا تصح رجاء للجنة ولا خوفًا من النار.
وقال (ابن أبي الحديد): العبادة لرجاء الثواب تجارة ومعاوضة، ولخوف العقاب بمنزلة من يستخذي لسلطان قاهر يخاف سطوته وتلك ليست عبادة نافعة، وهي كمن يعتذر إلى إنسان خوف أذاه ونقمته، لا لأن ما يعتذر منه قبيح لا ينبغي فعله، فأما العبادة لله شكرًا لأنعمه فهي عبادة نافعة؛ لأن العبادة شكر مخصوص، فإذا أوقعها على هذا الوجه فقد أوقعها الموقع الذي وضعت عليه.
قلت: الذي يدل عليه ما في القرآن من الترغيب في العمل الصالح بالثواب والزجر عن المعاصي بالتوعد بالعقاب أنه يجزئ فعل العبادة امتثالاً للآمر مع طلب الثواب والسلامة من العقاب، وإلا لم يكن لذلك الترغيب والترهيب فائدة، إلا أن هذه العبادة ليست كالعبادة المفعولة لمجرد الشكر والامتثال، وقد جعل بعض العلماء العبادة على ثلاث درجات:

أحدها: أن يعبد الله رغبة في ثوابه وهرباً من عقابه، وهذه مرتبة نازلة عند المحققين لأنه لم يقصد بها عند التحقيق إلا التوصل إلى المطلوب.
الثانية: أن يعبده تشرفًا بعبادته أو بقبول تكاليفه أو بالانتساب إليه، وهذه الدرجة متوسطة وليست كاملة لأن المقصود بالذات غير الله.
الثالثة: أن يعبده لكونه إلَهًا، والعابد عبداً له، والإلَهِية تقتضي الهيبة والعزة، والعبودية توجب الخضوع والذلة وهذه أعلى الدرجات.
قلت: ولا بد من قصد الشكر لهذا الإله العزيز.
وفي كلام أمير المؤمنين عليه السلام قريب من هذا التقسيم وهو قوله: إن قومًا عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار. رواه في النهج.
ولزين العابدين عليه السلام نحوه، وهو يدل على ما قلناه من أن العبادة لطلب الثواب والسلامة من العقاب تجزئ إلا أنها دون ما تمحضت للشكر.
فإن قلت: أليس ما تقدم من إفادة الآية الاختصاص يمنع من الإجزاء إن لم تكن العبادة لله تعالى خالصة من كل شائب وحظ للنفس؟ قلت: إن كان طلب الحظ من غير الله تعالى فلا شك في عدم الإجزاء وقد مر الكلام عليه، وإن كان طلب الحظ من الله تعالى فذلك لا ينافي الإخلاص والاختصاص، إذ التوسل إليه بعبادته عبادة كالتوسل إليه بالدعاء والشكر، بل قد حث أمير المؤمنين عليه السلام على التوسل إلى الله تعالى بأنواع الطاعات والعبادات في قوله: (إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله الإيمان بالله وبرسوله...)إلخ وذكر فيه الجهاد والصلاة وغيرهما... وورد الأمر بالتوجه إلى الله بحب القرآن وسؤاله به، والأدلة على أن التوسل إلى الله بالعبادة لا ينافي الإخلاص والاختصاص كثيرة مشهورة، وهذا كله مع قصد امتثال أمر المالك المنعم؛ إذ لا يتصور كونها عبادة مع عدمه.

المسألة الخامسة [مقام العبادة]
اعلم أن مقام العبادة شريف، وقد جاء الأمر به في مواضع والكناية به عن خاتم النبئين محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضع يقتضي تشريفه والرفع من شأنه، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً...} [الإسراء:1 ]الآية {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}[الأنفال:41].
وقال عيسى عليه السلام في مقام الافتخار: { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}[مريم:30].
ومن كلام علي عليه السلام : (اللهم كفاني عزًا أن تكون لي ربًا، وكفا بي فخرًا أن أكون لك عبدًا، أنت كما أحب فاجعلني كما تحب). رواه في سلوة العارفين.، وقرن الله تعالى العبادة بالتوحيد فقال: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي}[طه:14] ومن كلام بعض الصالحين: العبادة ثمرة العلم، وفائدة العمر، وحاصل العبيد الأقوياء وبضاعة الأولياء، وطريق الأتقياء، وقسمة الأعزة ومقصد ذوي الهمة، وشعار الكرام وحرفة الرجال، واختيار أولي الأبصار، وهي سبيل السعادة، ومنهاج الجنة.، قال الله تعالى: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:92] وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً }[الإنسان:22].
واعلم أن في عبارات بعضهم ما يدل على عدم الفرق بين العبادة والعبودية، ومنهم من فرق بينهما، فقيل: العبادة غاية الخضوع دون العبودية، فالعبادة على هذا أشرف، وقيل: العبادة فعل يرضى به الله تعالى، والعبودية الرضا بما فعل الله تعالى، وعلى هذا تكون العبودية أفضل.

وقد نص على تفضيلها ابن أبي الحديد وقال: هي أمر وراء العبادة معناها: التعبد والتذلل، وقالوا: العبادة لعوام المؤمنين، والعبودية للخواص من السالكين، وقال أبو علي الدقاق: العبادة لمن له علم اليقين، والعبودية لمن له عين القين، وقيل في الفرق بينهما غير ذلك، وقد فضل بعضهم العبودية على الرسالة؛ لأن بالعبودية ينصرف من الخلق إلى الحق، وبالرسالة ينصرف من الحق إلى الخلق، وبالعبودية ينصرف عن التصرفات، وبالرسالة يقبل على التصرفات إلى غير ذلك من العلل الباردة وهو غلو وتمويه، وإلا فانصراف الرسول وتصرفاته صادرة عن أمر الله فهي من أعظم العبادات، وكيف تكون العبودية التي يكون غالب نفعها عائد على صاحبها فقط أشرف من الرسالة التي يعم نفعها عالَم من الخلق! ولو لم يكن في تفضيل الرسالة إلا قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}[الأنعام:124] لكان كافيًا في إبطال قولهم ورد لجاجهم. والله الموفق.

75 / 329
ع
En
A+
A-