وهذا كله لا يتوقف على كونه الخالق للداعية، والجواب عن الثاني: أنه مبني على أصل فاسد وهو: أنه خلق الخلق للجنة والنار، وبطلانه لا يحتاج إلى بيان، فقد ثبت بالدلالة والبرهان أن الله تعالى متفضل بإيجاد الخلق ومحسن إليهم بتكليفهم، وأنه إنما خلق المكلفين لعبادته، وكل ذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
وأما قولهم: إن له صفة لطف...إلخ فمسلم، لكن لطفه ورحمته للمؤمنين، وقهره ونقمته على المذنبين كما أخبر بذلك في الذكر المبين، فلا نطيل بما قد تكرر ذكره وبما سيأتي في مواضع تحقيقه.
وأما قولهم: كما ينبغي لكل ملك فلعمري لقد دخلوا فيما يعيبون علينا من قياس أفعال الباري تعالى على أفعالنا مع أنهم عابوا علينا ولم نرتكب ما يوجب العيب لأنا لا نقيس إلا لعلة جامعة، وأما قياسهم فنطالبهم بتعيين الرابطة.
ثم إنا نقول: إن صح فهو حجة عليكم؛ لأن من المعلوم أن ملوك الدنيا إذا استعملوا اللطف في غير محله والقهر لغير أهله فإنهم يلامون ويذمون، وينسبون إلى الظلم والسفه وسوء التدبير، فلم لا تنزهون ملك الملوك وأغنى الأغنياء عن هذه الرذائل والقبائح!!
وأما قولهم: إنه خلق لكل صفة مظهرًا، فجوابه: أن يقال: هل خلق ذلك المظهر للصفة، وكلفه على ما تقتضيه حكمته وعدله بأن أقدره وأعلمه ودعاه أم لا ؟ إن كان الأول فهو قولنا، وإن كان الثاني فقد تكرر بيان قبح عقاب من لا قدرة له ولا فعل، وهل هو إلا مثل قولهم: خلقهم للجنة والنار.

وأما قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}[الأنبياء:23] فلا حجة لهم في ظاهرها إذ ليس المعنى إلا أن أفعاله كلها جارية على العدل والحكمة لا يكون فيها خطأ ولا قبيح حتى يسأل عنه، بخلاف العباد، فإنهم خطاؤون جديرون بأن يسألوا عن أفعالهم، يدل على صحة هذا المعنى أن الآية مسوقة للفرق بين أفعال الله تعالى وأفعال خلقه، وفيها أيضًا دليل على صحة مذهب العدلية، إذ لو كان هو الفاعل لأعمال العباد لكانت غير مسؤول عنها كسائر أفعاله، وفيها أيضًا دليل على ثبوت الجزاء على الأعمال وإلا فما فائدة السؤال!

المسألة الرابعة [دلالة الآية على البعث]
هذه الآية من جملة الأدلة السمعية المفيدة لثبوت البعث، قال زيد بن علي عليهما السَّلام في قوله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة: 4]: أي هو يملك يوم الدين كما هو اليوم رب العالمين، يخبر أن الدنيا والآخرة له وهو مليكهما لا غيره.
والدين: الجزاء يوم يدان الناس بعضهم من بعض، ويجازيهم بما كانوا يعملون، وإنما أخبرنا أنه يدين بعض الخلائق من بعض يخوفهم بذلك ويحذرهم ليزدجروا ويحذروا، وقد يقال في الأمثال: كما تدين تدان، وقد ورد تفسير يوم الدين بيوم القيامة والحساب عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس وابن مسعود، ولا خلاف بين أهل الإسلام في وقوع البعث والنشور.
قال (الإمام عز الدين) عليه السلام : اعلم أنه لا مخالف من المسلمين وأهل الملة في وقوع المعاد وهو معلوم من ضرورة الدين وإجماع المسلمين، ومن خالف فيه فليس بمسلم ولا خلافه يعتد به، قال: والخلاف في أمر المعاد محكي عن بعض الفلاسفة.
قال (الإمام يحيى) عليه السلام : أظنه جالينوس، فقد حكي عنه أنه كان متوقفًا في صحة أمر المعاد، قلت: أما الأدلة السمعية فهي أكثر من أن تذكر، وسيأتي ومنها هذه الآية.
وأما الدليل العقلي، فقال الهادي عليه السلام في بيانه: فلما تصرمت أعمال المطيعين ولم يثابوا، وانقضت آجال العاصين ولم يعاقبوا وجب على قود التوحيد واطراد الحكمة أن دارًا بعد هذه الدار يثاب فيها المطيعون ويعاقب فيها المسيؤون، وهذه أمور أوجبتها الفطرة، وللقاسم بن إبراهيم والإمام أحمد بن سليمان عليهما السَّلام نحوه.
وروي أن عبد المطلب وكان مقرًا بالله وبالبعث كان يقول: إنه لن يخرج من الدنيا ضلول حتى ينتقم الله منه، فقيل له: إن فلانًا مات حتف أنفه؟ فأطرق ساعة، فقال: لا بد من دار غير هذه الدار يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وقال (الرازي) قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] أي: مالك يوم البعث والجزاء، وتقريره: أنه لا بد من الفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا في يوم الجزاء كما قال تعالى:{ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا...} [النجم:31] الآية، ثم قال: واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم ثم إنه لا ينتقم منه فذاك إما للعجز أو للجهل، أو لكونه راضيًا بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث على الله محال فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا وجب أن يحصل في دار أخرى بعد دار الدنيا، وذلك هو المراد بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة: 4 ]وبقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه...} [الزلزلة:7] الآية.
قلت: وقد تضمن كلامه هذا الإقرار بمذاهب العدلية والاعتماد عليها، وهو اللائق بمثله، وهذا الدليل العقلي كما دل على ثبوت البعث فقد اشتمل على بيان وجه حسنه، فإن قيل: لِمَ لم يحصل الفرق بين المطيع والعاصي في الدنيا من دون فناء العالم وتوسط الموت؟ قيل: قد أجيب بوجوه:
أحدها: أنه لو وقع الثواب والعقاب في الدنيا لم يحسن التكليف لأن العبد يكون ملجأ إلى فعل الطاعة وترك المعصية ضرورة، وتوسط الموت أقوى من مجرد التراخي بالجزاء في منع الإلجاء، وهذا قول أبي هاشم.

الوجه الثاني: ذكره أبو علي، وهو أن في العلم بالفناء لطفًا لأن المكلف إذا علم أن جزاء عمله فعلاً كان أو تركًا يتراخى أبلغ ما يكون من التراخي، وذلك بتوسط الفناء، فإنه يكون أقرب إلى أن يعمله للوجه الذي لأجله يحسن ويجب، ومع عدم التراخي يفعله للثواب ويتركه للعقاب فلا يأتي بهما على الوجه الذي كلف به، وإذا كان لطفًا في ذلك فتوسط الفناء أقوى في تحصيل الغرض، ومن حق اللطف إيقاعه على أبلغ الوجوه التي يحصل معها الغرض به، وهذا كلامه في وجوب الفناء، وأما توسط الموت فلأنه لا بد لمحل الحياة منه أو من الحياة عنده، والشيء الذي يفتقر المحل إليه لا يقال لفاعله: لم فعله.
قال (الإمام عزالدين) عليه السلام : وتعليل الشيخين متفق في المعنى، وإن اختلف في العبارة، وتلخيصه ومعناه مجموع أمرين:
أحدهما: أن الفناء لطف للمكلف في أن يفعل ما كلف للوجه الذي كلف لا للثواب، وتعليله أن المكلف إذا علم تأخير الثواب وتراخيه وتقدم الفناء عليه دعاه ذلك إلى أن يفعل الواجب لوجوبه لا للثواب، وإذا كان الثواب معجلاً متقدمًا ولا فناء، يكون فعل المكلف الواجب للثواب لا للوجوب.
الأمر الثاني: أن الثواب والعقاب إذا كانا موعودًا بهما عقيب ذات التكليف ولا فناء يكون، كان المكلف ملجأ مدفوعًا إلى فعل ما كلف ولا اختيار له في الترك لقوة الداعي إلى ترك المقبحات وجوبًا، ويكون كالممنوع من الفعل لقوة الصارف فيبطل التكليف لعدم الاختيار، وعدم تردد الداعي، ويصير الحال في ذلك كمن وعد على عمل أمر به يسير المشقة بأموال عظيمة، وممالك جمة في غد، وتوعد على تركه بعقوبة لا يحاط بوصفها في عذابها، والواعد والمتوعد ممن يعلم صدقه وقدرته، فإن المأمور يكون ملجأً إلى الفعل لا محالة.

قال عليه السلام : هذا تلخيص كلام الشيخين، ثم قال: فإن قال السائل: وطول المدة وتراخيها بالموت وسقوط التكليف يقوم مقام الفناء؟ قلنا: من حق اللطف أن يفعل، ويكون على أبلغ الوجوه وأقصاها الفناء، والإعدام أبلغ وأقطع للرجاء، وأبعد من الإلجاء، والفناء مقدور لله تعالى فيفعله ويجب عليه على هذا الحد. ذكره في الفتاوى.
الوجه الثالث: ذكره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام وهو مجموع ثلاثة أمور:
أحدها: أن الله تعالى قد علم أن أكثر العصاة لا يعلمون الله تعالى في الدنيا لأن معرفته تعالى فيها استدلالية، وهم لم ينظروا في أدلة ثبوت الصانع المختار نظراً صحيحاً، بل اتبعوا الشبهة فقدحت في نفوسهم وضلت لأجل ذلك عقولهم، فلم يعلموا وجوده بل نفوه، فلو عاقبهم على ذلك في الدنيا من دون خلق شيء فيهم يعلمون به ضرورة أن ذلك العقاب جزاء على عصيانهم لم يعرفوا كونه عقوبة، بل يعدونه من نكبات الدهر كما يزعمون أن الذي يهلك ويمرض هو الدهر، وحينئذ لا يحصل لهم العلم بقبح عصيانهم وكفرهم لعدم علمهم بأن العقوبة كانت عليه، فيكون ذلك إغراءً لهم بالزيادة في المعاصي والتمادي فيها، وذلك قبيح فما أدى إليه يكون قبيحًا.
ثانيها: أنه تعالى قد علم أن أكثر الممتحنين لو جوزوا في الدنيا مع عدم مثل ذلك لم يعلموا ضرورة أن الواصل إليهم جزاء على أعمالهم الصالحة لتجويز أنه من سائر التفضلات.

ثالثها: أنه لو وقع الجزاء مع عدم خلق العلم الضروري بما ذكر لكان في ذلك إثبات الحجة للأشقياء على الله تعالى؛ لأن مع عدمه لا يكون عندهم فرق بين من يخاف الله مع عدم علمه الضروري به وبعقابه، وبين من لا يخافه إلا عند مشاهدة العذاب التي هي حالة إلجاء، وإذا لم يكن فرق عندهم فإنهم يقولون حين يشاهدون العذاب: تبنا كالتائبين وأطعنا كالطائعين فلم تعذبنا ولم تقبل منا كما قبلت منهم وهم أحياء مثلنا، ونحن وهم في دار واحدة، ومع الفناء ثم البعث يعلمون الله ضرورة، ويعلمون أن الواصل إليهم جزاء على أعمالهم قطعًا لتقدم إخبار الله تعالى لهم بذلك في الدنيا على ألسنة الرسل، ولإخبارهم في الآخرة بذلك، فيكون أعظم حسرة على العاصين، وأتم سرورًا للمثابين، وتنتفي حجة الأشقياء على الله فلا يمكنهم المساواة بين فعل الطاعة والتوبة في دار التكليف، وبين فعلهما في دار الجزاء. والله أعلم.
فإن قيل: ما المانع من خلق العلم الضروري في الدنيا؟ قيل: كونها دار تكليف، وخلق العلم الضروري فيها ينافي التكليف؛ لأنه يصير ملجأً إلى الفعل والترك كما مر.
قلت: وكل هذه الوجوه تفيد وجوب الفناء على الله تعالى، إلا أن الإمام القاسم عليه السلام لا يطلق الوجوب على الله سبحانه، وفي الدامغ أن أبا هاشم ذكر في بعض المواضع: أن تبقيتهم أحياء وقد زال التكليف كإفنائهم وموتهم، فإذا حسن ذلك لينفصل حال التكليف من حال الإثابة كذلك الفناء.
قال الإمام المهدي عليه السلام : فعلى هذا لا يكون الفناء واجبًا على الله تعالى بعينه؛ إذ تبقيتهم أحياء غير مكلفين يقوم مقامه في الغرض المقصود بفعله، وقد دل السمع أنه لا بد من الفناء، فاقتضى أنه أرجح في حصول المقصود من تبقيتهم غير مكلفين.

قال عليه السلام : وقد اتفق المسلمون على أنه لا بد من الفناء إن لم تصح رواية القول باستحالته عن الجاحظ ومن وافقه، فالعدلية يعللون وقوعه بما ذكرنا، والمجبرة لا يحتاجون إلى تعليله؛ لأن الله تعالى لا يفعل لغرض.

فائدة
قال في (الدر المنثور): أخرج أبو داود والحاكم وصححه، والبيهقي عن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضعه في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم واستيخار المطر عن إبان زمنه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت قوة وبلاغًا إلى حين)) قال أبو داود: حديث غريب إسناده، جيد. إبان الشيء - بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة: وقته.

تفسير قوله تعالى: {إياك نعبد}من سورة الفاتحة
قوله تعالى: { إياك نعبد}
فيه مسائل:

74 / 329
ع
En
A+
A-