المسألة الثانية
قد مر أن ما ينزله الله تعالى بخلقه من الآلام والنقائص لا ينافي وصفه بالرحمة، وقد ذكر الرازي وتبعه النيسابوري في هذا الموضع ما يؤيد ذلك، ويدل على إقرارهما بأن أفعال الله تعالى مبنية على الحكمة كما هو مذهب أهل العدل، وحاصل كلامهما: أن من الأفعال ما يظن أنه رحمة، وليس كذلك، وذلك كالوالد إذا أهمل ولده عن التعليم والتأديب فإن ظاهره رحمة وباطنه عذاب ونقمة، ومنها: ما ظاهره العذاب والنقمة وهو في الباطن رحمة كقطع اليد المتآكلة، وضرب الولد لتعليم حرفة أو تأديب، فالأبله ينظر في الظواهر، والعاقل ينظر في السرائر، إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية فهو وإن كان في الظاهر عذاباً ونقمة فهو في الحقيقة حكمة ورحمة.
قال (الرازي): فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ}[الإسراء:7] والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار، وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار كما قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}[الذاريات:50 ]وأقرب شاهد لهذا قصة موسى والخضر، فإن موسى بنى على الظاهر، فأنكر ما فعله الخضر، والخضر بنى على الحقيقة فظهر بهذا: أن الحكيم المحقق هو الذي يبني على الحقائق لا على الظواهر، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، فإذا رأيت ما تكرهه فاعلم أن تحته أسراراً خفية وحكمًا بالغة، وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك.

المسألة الثالثة
استدل ابن جرير بتكرير هذين الاسمين على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة؛ لأنه لا يوجد في القرآن تكرير آية بلا فصل، وأجاب عما قيل: بأن الفاصل قوله الحمد لله رب العالمين بأنه من التقديم والتأخير، وأن الأصل: الحمد لله الرحمن الرحيم رب العالمين ملك يوم الدين، إذ الأولى مجاورة وصفه بأنه ملك أو مالك ليوم الدين ما هو نظير له وهو قوله: رب العالمين الذي هو خبر عن ملكه لجميع الخلق، والمناسب للثناء عليه بالحمد ما يدل على الثناء وهو الرحمن الرحيم، قالوا: والتقديم والتأخير كثير في كلام العرب ؟ والجواب: إن هذا عدول عن الظاهر لغير موجب، وما ذكره من المناسبة معارض بنكتة مبنية على ما يقتضيه الظاهر تزيد السورة قوة في جزالة اللفظ والمعنى، وهي: أنه لما كان في وصفه برب العالمين ترهيب أتبعه بالترغيب في عموم رحمته ليجمع بين الترغيب والترهيب فيكون أدعى إلى الطاعة، وأمنعَ لمواقعة المعصية، ولها نظائر في القرآن كثير، فإنه يقرن الوعد بالوعيد، والترغيب بالترهيب كما قال تعالى:{ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ}[الحجر:50] ثم إنه لو سلم لهم ما ادعوه من التقديم والتأخير فلا نسلم أن عدم الفاصل دليل على أن البسملة ليست بآية إذ لا مستند لهم في ذلك، إلا أنه لا نظير لها في القرآن، وذلك لا يدل على عدم الجواز، بل الدليل قائم على جواز التأكيد والتكرير وحسنهما، إذ الكلام إذا تكرر تقرر، والتأكيد عند العرب معلوم، مع أن هذه الآية نفسها دليل على ذلك؛ لأنه قد قيل: إن معنى الاسمين واحد، وإنما جمع بينهما للتأكيد، ولا فرق بين تكرير الآية وتكرير الكلمة، ولا بين اللفظي والمعنوي.

قال بعضهم: وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغنى عن الاستشهاد، والفائدة في ذلك ما قاله بعضهم: من أنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله.

تفسير الآية الرابعة من سورة الفاتحة
{مالك يوم الدين}
قوله تعال‍ى: {ملك يوم الدين}
قرأ السبعة: ملك، ومالك، والفرق بينهما من جهة اللغة: أن الملِك بكسر اللام مأخوذ من الْمُلْك بضم الميم وسكون اللام، والمالك مأخوذ من الْمِلك بكسر الميم، والْمُلك بالضم أعم؛ لأنه يقال في كل من يقدر على التصرف المطلق: أنه ملك، ولا يقال: مالك إلا في القدرة على تصرف مخصوص، ولذا يقال: مالك الدرهم والدينار، ولا يقال: ملكهما، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، ويوم الدين: يوم الجزاء، واليوم في الأصل: عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما، وفي الآية مسائل:

المسألة الأول‍ى [الدلالة على ملك الله تعالى]
دلت الآية على صحة وصفه تعالى بأنه مالك، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف: هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل؟
فقال (الإمام المهدي)، وحكاه عن أصحابنا: أنه صفة ذات بمعنى: قادر.
وقال الإمام (القاسم بن محمد) عليه السلام : هو صفة ذات، لكن لا بمعنى قادر، بل باعتبار كون المملوك له تعالى، وقال المرتضى وأبو القاسم البلخي ومن وافقهما : بل صفة فعل، احتج الأولون بوجوه:
أحدها: أن المالك في اللغة هو من يملك التصرف التام من غير عجز ولا منع، وهذا هو معنى القادر، واستدلوا على أن معناه في اللغة: ما ذكر بقوله تعالى:{ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا}[الأعراف:188 ]ونحوها... والمراد بالملك هنا: القدرة بلا إشكال.
الثاني: أنه قد وصف نفسه بأنه مالك يوم الدين، ويوم الدين معدوم لا يمكن التصرف فيه، فلم يبق إلا أن المراد أنه قادر على إيجاده، فإن قيل: المريض المدنف يسمى مالكًا وإن لم يكن قادرًا، وهذا يدل على أن معناه المستحق للتصرف؟ قيل: أما أصل وضعه فهو كما ذكرنا، وحيث استعمل بمعنى استحقاق التصرف فهو على جهة الاستعارة، فوصف المريض بأنه مالك لأجل كون غيره ممنوعًا من التصرف في ماله، فكأنه غير قادر عليه، وذلك يستلزم أن ينزل المريض منزلة القادر؛ لأنه غير ممنوع، كما أن الصبي لما كان غير ممنوع من الانتفاع بماله كان كأنه قادر عليه دون غيره.
احتج الإمام القاسم عليه السلام : أما على أنه صفة ذات فبالآية كما قال الأولون، وأما على أنه ليس بمعنى قادر فلأنه لا يدل على معنى قادر بالمطابقة؛ لأن معناهما مختلف، إذ معنى مالك: من يملك الأشياء ولا يمنع منها، ومعنى قادر: من يصح منه إيجاد الفعل.

وأما قولهم: إنه من يملك التصرف التام من غير عجز فلا نسلم أن ذلك معنى قادر المطابق، وإنما معناه ما ذكرنا، فإذا كان لا يدل عليه بالمطابقة فغاية الأمر أنه يدل عليه بالالتزام، فيقال: إن من لازم المالك أن يكون قادرًا غير عاجز، وذلك يدل على مطلوبهم، كما أن وصفه بعالم يدل على معنى قادر التزامًا، ولم يقل أحد: إنه بمعنى قادر لأجل هذه الدلالة، فبطل أن يكون مالك بمعنى قادر، وتعين أنه صفة ذاتية لله تعالى باعتبار كون المملوك له لا لغيره، فمعنى: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة :4]:أن ذلك اليوم له لا لغيره، ولذا تمدح به.
احتج القائلون بأنه صفة فعل: بأن الملك لا يكون إلا في الأشياء الموجودة، فلا يوصف الله بأنه مالك في الأزل؛ إذ لا موجود معه في الأزل فيملكه، وأما الآية فمحمولة على المجاز، ومعناها: سيملك، نُزِّل ما سيقع منزلة الواقع لتحقق وقوعه، ونظائره كثيرة في القرآن.
وأجيب: بأن هذه الحجة مبنية على أن معنى الملك: استحقاق التصرف، وقد ثبت أنه بمعنى: القدرة التامة، أو كونه له، وأن استعماله في استحقاق التصرف مجاز، ومع ثبوت هذا تبطل هذه الحجة.
وأما حمل الآية على المجاز فعدول عن الأصل بلا موجب إلا ما قد بينا بطلانه.
قالوا: لو كان بمعنى: قادر لم يوصف القديم تعالى بأنه مالك للموجود، لعدم تعلق القدرة به وذلك باطل، وأجيب بأنه لما كان قادراً على إعدام الموجود وإبطال الانتفاع به على وجه يحسن منه حسن وصفه بأنه مالك له؛ لأجل هذه القادرية، وكذلك هو قادر على نقل الموجود من صفة إلى صفة، فيصح وصفه بالقادرية عليه من هذا الوجه، وعلى هذا فيقال: هو مالك يوم الدين؛ لأن القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم لا تكون إلا لله تعالى.

قالوا: إذا أطلق ولا قرينة لم يتبادر إلى الفهم إلا استحقاق التصرف، وذلك يدل على أنه حقيقة فيه ؟ وأجيب: بأن أصل وضعه بمعنى: قادر إذ من البعيد أن تريد بمثل قولك: {لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا}[الأعراف:188] أنك لا تستحق التصرف على نفسك بجلب نفع أو دفع ضرر، وإنما تريد أنك لا تقدر على أيهما، لكن لما استعير لمن يستحق التصرف في الشيء وكثر فيه صار حقيقة عرفية، وقد أبطل في الأساس كونه صفة فعل بثبوته لغةً لمن لم يفعل، كما يقال: فلان مالك لما خلّف أبوه، وإن لم يحدث فعلاً، وأجاب الشرفي: بأنه نزل حكم الله بتمليكه الميراث منزلة فعله.

تنبيه [في ترادف ملك ومالك]
قال (القرشي): ملك ومالك عند الشيخين على سواء، ولهذا قريء بهما، وقال غيرهما: أما من طريق اللغة فملك أبلغ لما مر، ولهذا يقال: مالك الدار، ولا يقال: ملك الدار، قال: واتفقوا على أن مليك مبالغة فيهما مثل: قدير.
وقال القرطبي: إن وصف الله تعالى بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بمالك كان من صفات فعله.

المسألة الثانية [في تقييد لفظة مالك وملك]
قد مر عن الفقيه حميد: أن مالكًا وملكًا كرب في عدم جواز إطلاقهما على غير الباري، واشتراط التقييد، وظاهر كلام غيره: أنه لا يشترط التقييد فيهما لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكا }[البقرة: ً247 ]}.
وفي تفسير القرطبي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة)) أو مثل الملوك على الأسرة. وثَبَجَ: بثا مثلثة ثم باء بواحدة من أسفل مفتوحتين ثم جيم، أي: وسط البحر، ولقائل أن يقول: لا حجة في الخبر لتقييده بقوله على الأسرة.
نعم الذي ذكر العلماء أنه لا ينبغي الاختلاف في تحريم إطلاقه على غير الباري تعالى هو ملك يوم الدين ومالك الملك؛ لأن الباري تعالى أوردهما مورد التمدح الذي لا يصح إلا مع الاختصاص، وكذا غيرهما مما يفيد ذلك كملك الملوك، وملك الأملاك.
وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض)) وعنه أيضًا مرفوعًا: ((إنَّ أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك)) زاد مسلم: لا مالك إلا الله عزوجل. أَخْنَعَ: بخاء معجمة ثم نون بعدها عين مهملة أي: أوضع.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : ((أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل كان يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه)).

المسألة الثالثة [دلالة هذه الآية على فساد مذهب المجبرة]
قالت (العدلية): في هذه الآية رد لمذهب المجبرة؛ لأنه قد دل فيها على ثبوت الجزاء على الأعمال، ولو كان هو الخالق لأعمال العباد والفاعل لها لامتنع الجزاء؛ لأن إثابتهم على غير أعمالهم عبث، وعقابهم بغير ذنوبهم ظلم، وكلاهما قبيح لا يجوز من الله فعله، أجابت المجبرة بوجهين:
أحدهما: لو لم تكن أعمالهم بتقدير الله وترجيحه لم يكن مالكًا لها، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكًا للعباد وأعمالهم علمنا أنه خالق لها ومقدر.
الثاني: أنه خلق الجنة والنار، وخلق لكل واحدة منهما أهلاً ؛ لأن له صفة لطف وصفة قهر كما ينبغي لكل ملك، فخلق لكل صفة مظهر ولا يُسئل عما يفعل.
والجواب عن الأول أن نقول: لا نسلم أنه الخالق للداعية التي هي المرجح عندكم كما مر في المقدمة، ولا نسلم أن عدم خلقه للمرجح يستلزم كونه غير مالك للعباد وأعمالهم؛ لأن معنى ملكه للشيء: أنه قادر عليه إنْ قلنا إن مالكًا صفة ذات، أو مستحق للتصرف فيه إنْ قلنا إنه صفة فعل، فعلى الأول يقال: معنى ملكه للعباد أنه قادر على التصرف فيهم بالإيجاد والإعدام والبعث ونحو ذلك، ومعنى ملكه لأعمالهم أنه قادر على جزائهم عليها على حسب ما يقتضيه العدل والحكمة، وإنما قلنا هذا؛ لقيام الدليل القاطع على أنهم الفاعلون لها، وعلى قبح الإثابة والمعاقبة لمن ليس له فعل.
وعلى الثاني يقال: معنى كونه مالكًا لهم إنه مستحق للتصرف فيهم بعد وجودهم بالإعدام والإيلام ونحوهما، ومعنى كونه مالك أعمالهم أنه مستحق للتصرف فيها بالجزاء والمحاسبة عليها، وكل ذلك بحسب ما تقتضيه حكمته وعدله.

73 / 329
ع
En
A+
A-