أحدها: أنه قد مر أن من الأعراض ما لا يختص بالقدرة عليه الباري تعالى.
الثاني: أن الأجسام معلومة ضرورة جملة وتفصيلاً، وليس كذلك الأعراض.
الثالث: أن الاستدلال بالأجسام يتضمن ثبوت الأعراض وحدوثها.
المسألة العشرون [في الدلالة على قدرة الله تعالى]
اعلم أن هذه الآية كما دلت على إثبات الصانع المختار تعالى فقد تضمنت الدلالة على أنه قادر؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى الذي أوجد العالم وصنعه، وصحة هذا الفعل منه توجب كونه قادرًا؛ إذ العاجز الضعيف لا يمكنه إيجاد الفعل ضرورة، وقد بينا إبطال القول بأن المؤثر في العالم موجب من علة وغيرها، ويؤكد ذلك أن العالم كثير التغير والتقلب من حالة إلى أخرى، وكل أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فإنه تارة في الصحة وتارة في الألم، وتارة في الصغر، وتارة في الكبر إلى غير ذلك من التغيرات، وهذه التغيرات كما تدل على وجود الآلة لحدوثها بعد عدمها، والفطرة السليمة تشهد بذلك بدليل أنا لو سمعنا أن بيتًا حدث بعد أن لم يكن، فإن صريح العقل يشهد بأنه لا بد له من بانٍ أوجده وبناه، ولو أن إنسانًا شككنا فيه لم نشك، فكذلك تدل على أن فاعلها قادر كفاعل البيت، فصح أن دلالة الآية على أن الله تعالى الذي أوجد العالم يتضمن الدلالة على كونه قادرًا، وكما تضمنت الدلالة على ذلك فقد تضمنت الدلالة أيضًا على أنه عالم لما في العالم من الإحكام والإتقان والتدبير العجيب، وتضمنت أيضًا الدلالة على أنه تعالى حي؛ إذ القادر العالم لا يكون إلا حيًا على كونه قديمًا، وإلا لاحتاج إلى محدث، ومحدثه إلى محدث إلى ما لا نهاية له، وذلك محال.
وفي الآية أيضًا دلالة على تنزيه ذات الله عن المكان والزمان، والحلول في أي محل كان؛ لأنا قد بينا أن العالم اسم لكل موجود سوى الله تعالى، وقد ثبت أنه رب العالمين ومحدثه وخالقه، والخالق سابق على وجود المخلوق ضرورة، ومتى كان الأمر كذلك كانت ذاته موجودة قبل حصول الفضاء والفراغ الذي هو عبارة عن الجهة، وقبل الزمان الذي هو عبارة عن المدة التي يحصل بسببها القبلية والبعدية، وقبل كل محل؛ إذ لو حل بعد وجود المحل في جهة منه لانقلبت حقيقة ذاته، وذلك محال.
وفي هذا رد لقول المجسمة؛ لأن قولهم يستلزم الحاجة إلى المحل، وقول النصارى: باتحاده بالمسيح عليه السلام ، وقول الحلولية.
ومما تدل عليه الآية ما تذهب إليه العدلية من نسبة الأفعال إليهم؛ لأن التربية المشار إليها في الآية الإحسان إلى العالمين، ولذا جعلها كالعلة في استحقاق الحمد، فلو خلق الكفر في الكافر ثم عذبه عليه، وطلب منه الإيمان ثم منعه منه لم يكن محسنًا، وبما قررنا في هذه المسائل المتعلقة بهذه الآية الكريمة تعرف صحة القول بأنها بحر لا ساحل له.
وهكذا شأن كتاب الله عز وجل، فإنه قد اشتمل على العلوم بأسرها دقيقها وجليلها مع اختصار وإيجاز، اللهم ارزقنا فهم معانيه، ويسر لنا العمل بما فيه، آمين، وصل يا رب وسلم على محمد وآله.
المسألة الحادية والعشرون [خواص آية الحمد لله رب العالمين]
في شيء من فضائل هذه الآية وخواصها وفضائل الحمد، قد مر من ذلك حديث علي عليه السلام ، وأحاديث أخر في المسألة السادسة، ويكفي في فضلها أنها مفتاح كتاب الله، وآخر دعوى أهل الجنة، وفي كتاب الذكر عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قال الحمد لله رب العالمين ملأ نورها الأرض، فإذا قالها الثانية الحمد لله رب العالمين ملأ نورها السماء والأرض، فإذا قالها الثالثة الحمد لله رب العالمين ملأ نورها السموات، فإذا قالها الرابعة الحمد لله رب العالمين نظر الله إليه، وما نظر إلى عبد إلا رحمه)). وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال: الحمد لله قال الملك: رب العالمين، فإذا قال: رب العالمين، قال الملك : يرحمك الله. وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من حديثه مرفوعًا، وحسنه العزيزي إلا أنه قال: الملائكة بدل الملك.
واعلم أنها تنبغي المحافظة على هذا الذكر عند العطاس للفوز بدعوة الملك، وفي الجامع الصغير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل له: يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لنا ولكم)) ونسبه إلى الطبراني في الكبير، والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود، وإلى أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث سالم بن عبيد الأشجعي من أهل الصفة.
قال (العزيزي): وهو حديث صحيح، وأخرج البخاري في الأدب وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي عن علي عليه السلام قال: من قال عند كل عطسة سمعها الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان لم يجد وجع الضرس والأذن أبدًا.
وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من بادر العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن)) وأخرج ابن جرير والحاكم في تاريخ نيسابور، والديلمي بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا قلت الحمدلله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك)) وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: الحمدلله كلمة الشكر، إذا قال العبد: الحمدلله، قال الله: شكرني عبدي.
وأخرج الترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي في الشعب عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمدلله)) وأخرجه أيضًا الحاكم وصححه، ويستفاد من الحديث أن قول العبد: لا إله إلا الله أفضل من قوله: الحمدلله؛ لأن الحمد ذكر، وإنما سماه دعاءً مجازًا، لأن الدعاء عبارة عن طلب الحاجة من الله تعالى، ولما كان الحمد إذا وقع في مقابلة نعمة وحمد الباري لا يكون إلا كذلك كان شكرًا، والشكر يتضمن الطلب للزيادة الموعود بها في قوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ}[إبراهيم:7 ]وقد اختلف العلماء في تفضيل إحدى الكلمتين على الأخرى، فذهب بعضهم إلى ما ذكرنا لهذا الخبر، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له))، ولأنها كلمة التوحيد، وعليها يقاتل الخلق، ولأن الإيمان لا يصح إلا بها، وذهبت طائفة إلى تفضيل قوله: الحمدلله رب العالمين؛ لأن في ضمنه التوحيد الذي هو: لا إله إلا الله، ففيه توحيد وحمد، وأخرج البيهقي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد)) وذكر في الجامع صدره إلى قوله: والعجلة من الشيطان، ونسبه إلى البيهقي.
قال (العزيزي): وفيه ضعف وانقطاع، التأني: التثبت في الأمور، والعجلة: خفة وطيش تجلب الشر وتمنع الخير، والمعاذير: جمع معذرة، وهي إزالة العذر.
وأخرج البيهقي عن علي عليه السلام قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية من أهله، فقال: ((اللهم لك علي إن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك)) فما لبثوا أن جاءوا سالمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحمدلله على سابغ نعم الله)) فقلت: يا رسول الله، ألم تقل إن ردهم الله: أن أشكره حق شكره؟! فقال: ((أولم أفعل؟)).
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر، وابن مردويه والبيهقي من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثًا من الأنصار، وقال: ((إن سلمهم الله وغنمهم فإن لله عليّ في ذلك شكرًا)) فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا، فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول: إن سلمهم الله وغنمهم فإن لله عليّ في ذلك شكرًا ؟! فقال: قد فعلت، قلت: ((اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المن فضلاً)).
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((لئن ردها الله لأشكرن ربي))، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فوقع في خلدها أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها المدينة، فلما رآها المسلمون فرحوا بها وفشوا بمجيئها حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رآها قال: الحمدلله، فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صومًا أو صلاة، فظنوا أنه نسي، فقالوا: يا رسول الله، قد كنت قلت: لئن ردها الله لأشكرن ربي ؟! قال: ألم أقل: الحمدلله. الخلد: بفتحتين: البال، يقال: وقع ذلك في خلدي أي: في قلبي.
وأخرج البيهقي وأبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال: فقدَ أبي بغلته، فقال: لئن ردها الله عليّ لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتي بها بسرجها ولجامها فركبها، فلما استوى عليها رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمدلله، لم يزد عليها، فقيل له في ذلك؟ فقال: وهل تركت شيئًا أو أبقيت شيئًا، جعلت الحمد كله لله عزوجل.
والأحاديث والآثار في المسألة كثيرة قد اشتملت عليها كتب الحديث وغيرها.
وهاهنا سؤال وهو: أن جملة الحمد خبرية، والإخبار: بثبوت شيء لشيء لا يستلزم حصول ذلك الشيء من المخبر، فالإخبار بأن الحمد لله لا يستلزم حصول الحمد من المخبر، كما أن الإخبار بقيام زيد لا يستلزم حصول القيام؟ وأجيب بأجوبة منها: أن هذه الصيغة قد نقلت شرعًا من الخبر إلى الإنشاء كما في صيغ العقود.
ومنها: أن الإخبار بثبوت جميع المحامد لله تعالى عين الحمد كما أن قول القائل: الله واحد عين التوحيد، ومنها: أن المراد بها: الإنشاء على جهة التجوز لاستعمالها في غير ما وضعت له، فهي خبر واقع موقع الإنشاء بدليل: أن المتكلم بها لم يقصد الإخبار بل قصد تعظيم الله وشكره. ومنها: أنها باقية على معناها الأصلي وهو: الإخبار، لكن ذلك الإخبار مفيد للمدح إما على القول بأن أل: للعموم فظاهر؛ لأن الإخبار باستحقاقه تعالى لجميع المحامد وصف له بجميل، فيكون حمدًا. قيل:وعلى هذا فيكون محل كون المخبر بالشيء ليس آتيًا بذلك الشيء ما لم يكن الإخبار فردًا من أفراد المخبر عنه كما هنا، وإما على القول بأنها موضوعة للإخبار بوقوع الحمد لله من الغير من دون نظر إلى الاستغراق، فلأن الإخبار بذلك يستلزم اتصافه تعالى بالكمال، فيكون حمدًا بهذا الاعتبار. والله أعلم.
تفسير الآية الثالثة من سورة الفاتحة{الرحمن الرحيم}
قوله تعالى: {الرحمن الرحيم}
قد تقدم الكلام على هذين الاسمين، ويتعلق بهما هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى
قال أهل العدل في وصف الله تعالى بهما دليل على ما نذهب إليه من نسبة أفعال العباد إليهم، إذ لا يكون رحمانًا رحيمًا من خلق الكفر في الكافر ثم عذبه عليه، ومن أمر بالإيمان ثم منع منه، وأجابت الجبرية: بأن الإيمان أعظم أنواع النعمة والرحمة، فلو كان من العبد لكان أحق بهذين الاسمين، وهذا الجواب واضح البطلان؛ لأنا قد بينا أن الإيمان ليس بنعمة؛ لأنه فعل العبد، وإنما يستحق الباري الحمد عليه لدعائه إليه وتمكينه منه، وإذا كان فعلاً للعبد، فالنعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت منفعة، واصلة إلى غير فاعلها، فبطل أن يكون الإيمان بالنظر إلى ذاته نعمة فضلاً عن أن يكون أفضل النعم، وأيضًا قد ثبت أن الله تعالى متفضل بإيجاد الخلق وكيف يكون متفضلاً، والمفروض أنه خلقهم للنار تعالى الله عن ذلك.