والجواب: أنه لا يلزم من تقدير شيء وقتين بعضهما أوسع من بعض حصول ذينك الوقتين في الوجود، فإن التقديرات ممكنة في المحالات فضلاً عن الجائزات ولا يلزم من تقدير شيء وجوده، ونحن إنما قلنا: إنه يصح تقدير تقدم العالم بما يقدر بأوقات بعضها أوسع من بعض وذلك لا يستلزم ما ذكرتم، وبنحو هذا يجاب بقولهم: إذا وجد العالم في وقت صح أن يتوهم وجوده قبله بوقت وقبل الوقت بوقت إلى ما لا أول له مع أن هذا كله مبني على أن الزمان ليس من العالم الذي هو محل النزاع، وقد مر أنه اسم لكل ما سوى الله تعالى فيتناول الزمان ويكون استدلالاً بمحل النزاع ومبني أيضاً على أن الزمان موجود فيما لم يزل، ونحن لا نسلمه، ولقد عارضهم أبو الهذيل فقال: يجب إذا رأينا شخصاً قاعداً على كرسي فلا وقت يشار إليه إلا ويصح كونه على هذه الحالة قبله، ولا يجب لأجل هذا أن نعتقد أنه كذلك لم يزل وفي هذا نقض لشبههم من أصلها، فإن أجازوا ذلك كابروا ومن العجب أن هذه الشبهة مبنية على التوهم ومع ذلك إن ابن الراوندي قال: إن أصح العلوم ما تكرر في الوهم وكيف يكون أصح العلوم وهو مبني على الوهم والوهم ظن مخصوص فكأنه قال: أصح العلوم ما يظن وكيف يجب من حيث يصح ظن قدم الأجسام أن تكون قديمة على أنه قد أثبت التفاضل في العلوم وهو باطل لاشتراك الكل في اقتضاء سكون النفس، وفي التعلق بالشيء على ما هو به.
الشبهة السادسة
أنه لو كان العالم محدثاً لكان القديم تعالى غير عالم بوجوده فيما لم يزل ثم حصل عالم بعد أن لم يكن عالماً، وفي ذلك تغيره وهو محال.
والجواب: أن العلم بأنه سيوجد علم بوجوده إذا وجد، ولهذا بحث آخر يخصه.
قال (القرشي): ثم يقال لهم أتريدون أن في ذلك تغير ذاته بمعنى أنها صارت غير ما كانت فهو لا يلزم، وإلا لزم في كون أحدنا عالماً بعد أن لم يكن، أو تريدون تغير صفته بمعنى أنها كانت متعلقة بأنه سيوجد ثم تعلقت بوجوده فصحيح، لكننا لا نسميه تغيراً.
الشبهة السابعة
تعلقت بها عوام الملحدة، وهي أنا لم نجد شيئاً إلا من شيء، فما رأينا بيضة إلا من دجاجة ولا دجاجة إلا من بيضة، فيجب أن يكون هكذا أبداً، وهذا يؤذن بقدم العالم إذ لو جوزنا خلاف ما شاهدنا وهو حدوث شيء لا من شيء لزم تجويز خلاف القضايا المطردة حتى يجوز أن يدرك الأعمى الذي بالصين في الليلة المظلمة بقة في الأندلس، وأن لا يبصر الصحيح البصر في النهار خيلاً عظيماً بحضرته، وحدوث العالم لا من شيء يستلزم ذلك فبطل.
والجواب: أنهم بنوا هذه الشبهة على غير أساس، وعدلوا بها عن سنن القياس كما قد نبهنا على ذلك في المسألة السابعة، فإنهم إنما أقاسوا على مجرد الوجود، وذلك لا يصح كما لا يصح أن يقول الزنجي إن العالم كله أسود لأني لم أجد إلا أسوداً، ثم إنا نقول: لا يخلو إما أن تكون الدجاجة والبيضة قديمتين معاً ففيه بطلان قولهم إذ لا يصح كون إحداهما من الأخرى، أو محدثتين فهو قولنا، أو إحداهما قديمة والأخرى محدثة بطل قولكم البيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة؛ إذ لا يكون القديم من المحدث، وفيه بطلان قولهم لأنهم يقولون: إنه لا يوجد شيء إلا من شيء.
قال (الإمام عز الدين) عليه السلام : وقد أجيب بجواب آخر هو أقطع للجاجهم، وهو أن يعكس كلامهم ويقال: بل بديهة العقل تحكم بأن حدوث شيء من شيء غير مقصور؛ لأن معنى ذلك أن يصير بعض الشيء شيئاً آخر وذلك لا يعقل، لأن ذلك الشيء إن بقي على حاله فلم يصر بعضه شيئاً آخر، وإن لم يبق على حاله فقد عدم وهو حدوث شيء آخر.
واعلم أن للقوم شبهاً غير ما ذكرنا، لكنها ظاهرة الضعف فلا نطيل البحث بما لا طائل تحته، وربما نأتي ببعضها في أثناء الكتاب حيث اقتضى المقام ذلك، وقد نبهناك على أنها شبه لا تقدح في شيء من أركان دليل حدوث العالم، بل هو دليل صحيح صريح، ولا شك أنه إذا صح الدليل لزم منه العلم بالمدلول فلا تقدح فيه الشبه المشككة في المدلول مع قضاء الدليل القطعي به وإن عسر التعبير عن حلها، فاجعل هذا أصلاً يرجع إليه، وفقنا الله وإياك لما يرضيه آمين.
المسألة التاسعة عشرة [في بيان أنه لا بد للمحدث من محدث مختار]
اعلم أن الآية كما قد تضمنت دليل حدوث العالم فقد تضمنت الدلالة على أنه لا بد له من محدث فاعل مختار، وذلك أن العالم اسم لما سوى الله، وإضافة الرب إليه تدل على افتقاره إلى غيره في وجوده وبقائه، وقد قيل: إن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث ضروري لا يحتاج إلى نظر، رواه السيد محمد بن إبراهيم الوزير عن كثير من العقلاء.
وفي المعراج عن المؤيد بالله والإمام يحيى أن المعرفة قد تحصل ضرورة في الدنيا لبعض المكلفين كالأنبياء والأولياء فلا يجب عليهم النظر، وهذا محكي عن السيد حميدان وهو قول أبي علي الأسواري والجاحظ، إلا أنه يقول: إن النظر شرط اعتيادي، أي أجرى الله العادة أنه لا يخلق العلم في القلب إلا بعد أن يوجد العبد النظر، وفيما حكيناه عن أمير المؤمنين عليه السلام في الدليل على حدوث الأجسام من قوله: (وهل يوجد بناء من غير بان)، ما يدل على أن العلم بذلك ضروري، وكذلك قوله عليه السلام : (الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود). رواه في النهج.
قال (ابن أبي الحديد) في (شرحه): لا شبهة في أن العلم بافتقار المتغير إلى المغير ضروري، والعلم بأن المتغير ليس هو المغير إما أن يكون ضرورياً، أو قريباً من الضرورة.
قلت: وما قاله الشارح يدل على أن المعلوم ضرورة إنما هو كون المحدث لا بد له من مؤثرٍ مَّا، لا تعيين كونه الباري تعالى.
وقد حكى القرشي اتفاق العقلاء على ذلك، والجمهور على أن العلم بذلك استدلالي ولهم على ذلك أدلة:
أحدها: أن الجسم قد ثبت حدوثه، وإذا ثبت حدوثه احتاج إلى محدث كاحتياج أفعالنا إلينا، والعلة في احتياجها إلينا حدوثها وهو موجود في الجسم، فإذا كان الجسم قد شارك أفعالنا في العلة وجب أن يشاركها في الحكم وهو الاحتياج.
فإن قيل: ما الذي يدل على أن علة حاجة أفعالنا إلينا هو الحدوث؟
قيل: قد مر الدليل على ذلك في الاستعاذة، فإن قيل: إن حالة الحدوث هي حالة الاستغناء عن المحدث فكيف يجعل علة في الاحتياج إليه، بيان ذلك أن الاحتياج إنما هو في حالة العدم، والحدوث هو أول أحوال الوجود فلا يصح علة إذ من حقها المقارنة.
قيل: الحدوث علة كاشفة بمعنى أن الحدوث كشف عن الاحتياج إلى محدث، فهو كجعل صحة الفعل علة في كونه قادراً، ولا تشترط المقارنة إلا في العلة الموجبة، وقد أجيب بجواب آخر وهو أن العلة في الحقيقة كون هذا الشيء مما إذا وجد كان محدثاً، ويكون هذا هو المراد بالحدوث، وذلك سابق على الحدوث ومقارن لحالة الاحتياج إلى المحدث وهي حالة العدم، فإن قيل: هلا كانت هذه الحاجة من الأحكام التي لا تعلل فلا يصح القياس، قيل: قد ثبت أنها محتاجة إلينا وأن وجودها على سبيل الجواز فلا بد من أمر احتاجت إلينا لأجله، وإلا جاز وجود الجائز لا لمرجح وهو باطل، فإن قيل: تعليل الحاجة بالحدوث لا يصح لأنها إنما احتاجت في الحدوث، وإذا كان هو العلة فقد عللتم الشيء بنفسه.
قيل: إنما يكون كذلك لو عللنا الحدوث بالحدوث أو الحاجة بالحاجة وليس كذلك، وإنما قلنا: إن أفعالنا احتاجت إلينا لأجل حدوثها والحاجة غير الحدوث.
فإن قيل: مجرد الحدوث لا يوجب الحاجة إلى المحدث لجواز أن يكون واجباً، وهو أنه حدث لا لأمر كوجود واجب الوجود.
قيل: قد ثبت أن الحدوث عبارة عن الوجود مع الجواز لا مع الوجوب؛ لأنه وجد بعد وعدم كما مر، ولو كان وجوده واجباً لما تقدمه عدم إذ وجود الشيء لا لأمر يستلزم أزليته، وما قيل من احتمال وقوفه على شرط كالصفة المقتضاة فمدفوع بأنه لو وقف على شرط لكان ذلك الشرط لا يخلو إما أن يكون حادثاً لزم التسلسل؛ إذ الحدوث متماثل أو أزلياً لزم قدم العالم، وقد ثبت حدوثه فصح أن كل وجود بعد عدم لا يكون واجباً.
فإن قيل: هلا كانت العلة في الاحتياج هي الحدوث مع الجواز، وإذا حدث مع الوجوب لم يحتج.
قيل: قد مر أن الحدوث عبارة عن الوجود مع الجواز فكيف يصح أن يقال: حدث مع الوجوب، ثم إن بالحدوث فقط يعلم الاحتياج إلى محدث ولا يعتبر قيداً آخر، كما أن كون الفعل ظلماً يعلم قبحه ولا يعتبر حصوله مع الجواز، ولا غير ذلك من القيود.
وقد أجيب بأنه وإن كان حدوثها مع الجواز هو العلة في الحاجة، ولولا الجواز لما كان الحدوث علة، لكن ليس الجواز جزء علة وإن كان معتبراً على وجه الشرط، كما أنا عند العلم بالمتحركية نعلم الحركة وإن لم نعلم حصول المتحريكة على سبيل الجواز مع أنه هو الدليل الموصل إلى العلم بالحركة، وفي هذا الجواب تسليم أن الجواز من تمام وجه الحاجة.
فإن قيل: هذا الدليل كله مبني على القياس على أفعالنا وهي أعراض وأفعال الله تعالى أجسام وأعراض، فكيف يصح قياس الجسم على العرض مع أنه المقصود الأصلي في الاستدلال به على الباري تعالى؛ لأن من الأعراض ما لا يختص بالقدرة عليها الباري تعالى.
قيل: إذا ثبت اشتراكهما في علة الحكم لم يمتنع اشتراكهما في الحكم، وقد ثبت مشاركة الأجسام لتصرفاتنا في علة الاحتياج إلى محدث وهو الحدوث، فلم يمتنع القياس.
الدليل الثاني: ذكره الإمام المهدي عليه السلام تلخيصاً للدليل الأول على غير طريقة القياس، وهو أن يقال: إذا ثبت حدوث العالم والحدوث وجود مع الجواز لزم احتياجه إلى محدث كحدوث أفعالنا؛ إذ الحدوث متماثل في الذوات ولا يحتاج إلى ذكر علة للاحتياج؛ لأن ذلك ليس بقياس، بل من باب إلحاق التفصيل بالجملة استدلالاً، بيانه أن كل وجود على سبيل الجواز معلوم افتقاره إلى مؤثر وحدوث العالم وجود مع الجواز فافتقر إلى مؤثر، والشاهد وجود أفعالنا.
الدليل الثالث: ذكره بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وهو أن العالم حدث مع الجواز، فلا بد من مؤثر وإلا لم يكن بأن يحدث أولى من أن لا يحدث كما تقدم في إثبات الأكوان، واستدلوا على أنه حدث مع الجواز بأنه لو كان حدوثه مع الوجوب لم يكن بأن يحدث في وقت أولى من وقت فيلزم قدمه والمفروض حدوثه، وبأنه لو حدث مع الوجوب لكان جنساً واحداً غير مختلف في صفاته والمعلوم خلافه، فإن بعضه حيوان وبعضه جماد وبعضه سماء وبعضه أرض وبعضه إنسان وبعضه فرس، ونحو ذلك فعلم أنه لا بد من أمر لأجله حدث في وقت دون وقت، وعلى صفة دون صفة وهو المطلوب.
قال (النجري): وهذا الدليل قوي لا يرد عليه شيء مما ورد على ما قبله.
قلت: وآخر هذا الدليل، وهو قوله وبأنه لو حدث مع الوجوب لكان جنساً... إلخ، مأخوذ من كلام أبي الحسين، وقد جعله دليلاً مستقلاً، وقد نبه عليه أمير المؤمنين عليه السلام كما مر في أدلة حدوث الأجسام، فإن قيل: قد ثبت حدوث العالم لكن ما الدليل على أن محدثه هو الله تعالى؟ قيل: لنا على ذلك أدلة كثيرة شهيرة منيرة، ونكتفي منها في هذا الموضع بدليلين:
أحدهما: ما دلت عليه الآية الكريمة، وهو أنها قد دلت على استحقاق رب العالمين للحمد، وقد مر أن الحمد فيها على الفعل الاختياري، فلو كان علة موجبه أو طبعًا أو نحو ذلك مما لا اختيار له لم يستحق حمدًا، إذ ما فعل بغير اختيار لا يعد نعمة، وما لا يكون نعمة فلا يستحق المؤثر فيه الشكر عليه، ألا ترى أن المنتفع بسخونة النار أو برد الماء لا يحمد النار ولا الماء؛ لما كان تأثيرهما بغير اختيار بل بالطبع.
الدليل الثاني: أن هذه الأجسام لا تخلو: إما أن تحدث نفسها حال عدمها وهو باطل؛ لأن المعدوم لا قدرة له فكيف يؤثر في نفسه، أو تحدثها حالة الوجود فهي مستغنية عن المؤثر.
والثاني وهو: أن يكون محدثها غيرها لا يخلو: إما أن يكون موجبًا أو مختارًا، الأول باطل؛ لأن ذلك الموجب إما أن يكون موجودًا أو معدومًا، الثاني باطل؛ لأن المعدوم لاحظ له في الإيجاب...سلمنا؛ لزم قِدم العالم؛ لأن العدم مع الموجودات على سواء، والمفروض أنه موجب، والأول: إن كان محدثًا عاد الكلام فيه وفي محدثه حتى ينتهي إلى المختار أو يتسلسل، وإن كان قديمًا لزم حصول الأجسام لم تزل؛ لأن من حق المعلول أن لا يتراخى عن علته، ولزم أن تحصل دفعة، بل في كل الجهات إذ لا يخصصها بوقت دون وقت، ولا جهة دون أخرى إلا المختار، ولزم أن يكون بصفة واحدة، إذ ليس الموجب بتخصيص بعض الأجسام بكونه ماءً، والآخر ترابًا ونحو ذلك بأولى من العكس كما مر في كلام الوصي عليه السلام ، وأيضًا لو كان المؤثر موجبًا لما تغيرت آثاره، والمعلوم تغيرها.
قال (الرازي): إنما عرفنا كونه فاعلاً مختارًا؛ لأنه لو كان موجبًا لدامت الآثار والمعلولات بدوام المؤثر الموجب ولأَمتنع وقوع التغير فيها، وحيث شاهدنا حصول التغيرات علمنا أن المؤثر فيها قادر بالاختيار لا موجب بالذات.
والثاني وهو: أن يكون ذلك الغير مختارًا لا يخلو: إما أن يكون ذلك المختار من القادرين بقدرة أو مخالفًا لهم، الأول باطل، إذ لا يصح من جسم إحداث جسم، وإلا لصح منا أن نخلق لأنفسنا ما نشاء من المال والبنين، والمعلوم خلافه؛ لأنه لو صح منا لكان إما على جهة المباشرة أو التعدي أو الاختراع، والكل مستحيل.
أما الأول: فلأن المباشر ما وجد بالقدرة في محلها، والمتعدي ما وجد بالقدرة في غير محلها بواسطة فعل في محلها، والجسم لا يصح حلوله في جسم آخر، وإلا لزم التداخل.
وأما الثالث: فمعلوم الاستحالة أيضًا، وإلا لم يكن جهة أولى به من جهة، ولا وقت أولى من وقت لعدم المخصص فيلزم صحة وجوده في جهات في وقت واحد، ويلزم وجود الأجسام الكثيرة في جهة واحدة في وقت واحد، وذلك محال.
فإن قيل: اختيار الفاعل يخصص وجوده بجهة دون جهة ووقت دون آخر كما في صدور الأجسام عن القديم تعالى فلا يلزم المحال المذكور؟ قيل: المعلوم أنه قد يصدر عن أحدنا الفعل وهو غير عالم به كالساهي والنائم ولا اختيار لهما فيلزم هذا المحال، وتعين أنه لا فاعل لهذه الأجسام إلا الله الواحد القهار الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض العليم الحكيم.
وقد استدل بعض أصحابنا على أنه لا يصح أن يكون ذلك المختار من القادرين بغير قدرة بدليل آخر وهو: أن القدر وإن اختلفت فمقدوراتها متجانسة حتى لا جنس يصح أن يفعل بقدرة إلا ويصح أن يفعل مثله بقدرة أخرى، وإلا لجوزنا أن يقدر أحدنا على حركة يمنة فرسخًا ولا يقدر على حركة يسرة ذراعًا لفقد قدرته، والمعلوم ضرورة امتناع ذلك، وإن كانت متجانسة، فلو جوزنا قدرة على الأجسام لجاز من أحدنا إيجاد جسم بما فيه من القدرة؛ لأن مقدوراتها إنما تجانست لكونها قدرًا وهي مشتركة في كونها قدرًا فاشتركت في تجانس المقدور، ولما علمنا بالضرورة عدم قدرة أحدنا على إيجاد جسم، قطعنا بأن صانع العالم ليس بجسم، وهاهنا سؤال وهو أن يقال: يجوز أن يكون تعذر الفعل منا إنما هو لفقد أمر فينا نحو: أن نجوز أن ثم قدرة على الفعل لم يخلقها الله لنا بحيث لو قدرنا وقوع ذلك الأمر لصح منا فعل الأجسام، ومع هذا التجويز لا نقطع بعدم الصحة، فضلاً عن كونه ضروريًا.
أجاب الإمام المهدي عليه السلام : بأنا نعلم تعذر فعل الأجسام منا على حد علمنا بتعذر الجمع بين الضدين وجعل القديم محدثًا، فلو جوزنا أن تعذر الأجسام لما ذكرتم لجوزنا تعذر الجمع بين الضدين وجعل القديم محدثاً لذلك، وذلك يستلزم تجويز المحالات كجعل الجسم أسود أبيض في حالة واحدة.
فإن قيل: وجود الجسم جائز واجتماع الضدين محال، فلا يصح القياس، قيل: قد استويا في العلم باستحالتهما كما بينا، فلو جوزنا وجود قدرة فينا تؤثر في إيجاد الجسم لجوزنا مثل ذلك في الجمع بين الضدين لاتفاقهما في العلم باستحالتهما.
واعلم أن الأدلة على أن الله تعالى هو الذي أوجد العالم واخترعه كثيرة متنوعة، وقد اكتفينا في هذا الموضع بهذين الدليلين؛ لأنهما لا شك موصلان إلى المطلوب، ومع ذلك إنا في الاهتمام بالنظر في كتاب الله وأخذ الهدى منه والاقتفاء لما نبه عليه فيه من الدلائل، ونحن نرجوا الله أن يبلغنا الأمل في ذلك، ولا شك أن القرآن قد تضمن من الطرق الموصلة إلى معرفة الله سبحانه ما لا يوجد قط في غيره، ولا نهتدي نحن ولا غيرنا إلى أحسن مما دلنا الله عليه في كتابه، وقد حث الله على ذلك في آيات كثيرة، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، وفي كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه وعترته كثير من الحث على الاكتفاء بالقرآن، وقد تضمن كتابنا هذا شطرًا من كلامهم، وفي كلام بعضهم أنه لا دليل على الله أعظم من كتابه، وقال بعض العلماء لما أخذ في الاستدلال على وجود الباري تعالى: إن أول ما يستضاء به من الأنوار، ويسلك من طريق الاعتبار ما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله سبحانه بيان، ثم أخذ في الاستدلال بالآيات القرآنية المنبهة على كيفية الاستدلال على إثبات الصانع، ثم أعقب ذلك بدليل الدعاوى المتقدم، ولأجل ما ذكرنا اكتفينا بهذين الدليلين في هذا الموضع، وإن كان فيهما إجمالاً من حيث إنهما تضمنا الاستدلال بالعالم جملة، وأخرنا الاستدلال بما اشتمل عليه العالم من التفاصيل إلى مواضعه من كتاب الله.
تنبيه [في الاستدلال على ثبوت الصامع]
اعلم أن المعتمد في الاستدلال به على ثبوت الصانع المختار جل وعلا هو الأجسام لوجوه: