الثاني: أن كون الجسم متحركاً يتجدد ثبوته في حال بقاء الجسم والجسم لا يتجدد ثبوته في حال بقائه، ولا يجوز أن يكون معنى؛ لأن المعنى يعلم على انفراده، وكون المتحرك متحركاً لا يعلم على انفراده، وإنما يعلم تبعاً للعلم بذي الاحتراك فلم يبق إلا أنه صفة، وهذه الوجوه كافية في إبطال المعنى وتصحيح تأثير الفاعل في الكائنية، فإن قيل: هذه الوجوه إنما تفيد نفي المعنى، وأما تعيين الفاعل فلا فما الدليل على ذلك؟
قيل: يجاب بنحو ما تقدم عن القائلين بتعيين المعنى بأنه قد ثبت أنه لا بد من أمر، وقد بطلت الأقسام التي يشتبه الحال فيها إلا الفاعل إلى آخر التقرير السابق، وأيضاً فإن تأثير الفاعل متفق عليه في الجملة وغيره مختلف فيه، فإذا لم ينتهض على غيره دليل تعين.
تنبيه
قد مر أن المعتمد في حدوث الأجسام دليل الدعاوي، وأنه مؤسس على الأكوان، وغالب ما يحرر هذا الدليل على طريقة المعاني، بل قال أبو هاشم إنه لا يصح الاستدلال على حدوث الأجسام إلا بهذه الطريقة، ومنع من غيرها حتى قال: لا يصح العلم بحدوث الأجسام إلا على تقدير إثبات الأكوان.
قال ابن متويه: والأقرب خلافه يعني أنه يصح الاستدلال على حدوثها بطريقة الأحوال، وممن نص على ذلك القرشي وقال: سواء كانت بالفاعل كما يقوله أبو الحسين أو معنوية كما يقوله الجمهور، واحتج على ذلك بأن الاستدلال بالمعاني إنما هو من حيث كان لوجودها أول، ولم يخل منها الجسم، وذلك حاصل في الأحوال، بل ربما إن طريقة الأحوال أولى لأنها معلومة على الجملة ضرورة، وأنها هي الطريق إلى المعاني، ورجح القاضي طريقة المعاني لأنه يرد على طريقة الأحوال شبه لا يمكن حلها إلا بإثبات المعاني منها: أن يقال لمن ينفي المعاني إذا جاز أن يحترك الجسم يمنة دون يسرة لا لأمر، فهلا جاز في الأزل أن يكون الجسم في جهة لا لأمر.
وأجيب بأنا نقول: إنه لأمر وهو الفاعل، ولا يمكن إثبات المعاني إلا بعد إبطال كونه الصفة بالفاعل، ومنها أن الاستدلال بالأحوال ينبني على صحة خروج الموصوف عنها إلى غيرها، وإنما يعلم ذلك بإثبات المعاني الموجبة لذواتها، فيستحيل بقاء موجبها مع زوالها والعكس.
وأجيب: بأنه يمكن الاستدلال على صحة خروج الموصوف من دون إثبات المعاني بأن يقال: لو لم يصح خروج الموصوف عنها لكانت واجبة، فتكون ذاتية، ولو كانت ذاتية لاستحال خروج الجوهر عن الجهة التي هو فيها، ولوجب أن يكون في جميع الجهات إذ لا اختصاص لذاته ببعض دون بعض، ولزم في جميع الجواهر مثل ذلك، وكل ذلك باطل، ولا يحتاج في إبطاله إلى إثبات المعاني.
قيل: ابن الملاحمي وما ذكره القاضي دور لأنه جعل العلم باستحالة كون هذه الصفة ذاتية متوقفاً على العلم بإثبات المعاني، ومعلوم أن المعاني إنما تثبت بعد بطلان كونها ذاتية.
قلت: وكيفية الاستدلال بهذه الطريقة أن يقال: الجسم لم يخل من الكائنية الحاصلة بعد أن لم تكن ولم يتقدمها، وما لم يخل من الحاصل بعد أن لم يكن ولم يتقدمه كان حاصلاً مثله بعد أن لم تكن، وإذا كان كذلك كان محدثاً فهذه أربعة أصول، ويؤخذ تقرير كل أصل منها مما سبق.
الموضع الثالث: في شبه القائلين بقدم الأجسام
وهي في التحقيق شبه تفيد القول بقدم العالم كله كما يفهم من إيرادها، واعلم أن الشبهة هي ما التبس بالدليل وليس به وهي تنقسم إلى ما يكون العلم بحله من فروض الأعيان وإلى ما يكون من فروض الكفاية، فالأول ما ورد على أركان الدليل وقدح فيه، ومثاله هنا أن ترد شبهة على إحدى الدعاوي الأربع.
قال ابن متويه: وهي في الحقيقة لا تقدح، وإنما الغرض أن معها لا يسلم العلم بذلك المدلول، ومعنى قوله: إنه لا يسلم العلم معها أن صحة الدليل مترتبة على صحة مقدماته، ومع قدحها فيه يقع القدح في العلم بالمدلول لأن طريق العلم به هو الدليل، فإذا حصل لبس أو شك فيه انتفى العلم.
قال القرشي: ولسنا نشترط في العلم بحله أن يعلم كيفية التعبير عن حل الشبهة.
قلت: لعله يريد أن العلم بحله من فروض الأعيان، فإما أن نفس حله من فروض الأعيان، وأما التعبير فمن فروض الكفايات، وهذا الذي يظهر من كلام الإمام عز الدين عليه السلام ، فإنه قال: إنه لا كلام إن العلم بحله من فروض الأعيان، فأما أن نفس حله من فروض الأعيان فليس كذلك بل فرض كفاية، وهذا مع حصول الشك في الدليل فأما إذا وردت شبهة على ركن من أركان الدليل ولم يحصل لأجلها شك ولا قدح فلا يجب حلها إلا كفاية.
وقال الإمام عليه السلام : وقد قيل إن معارضة الدليل مما يقدح في العلم فينزل منزلة ما يرد على أركانه مثاله استدلال المجسمة على ذلك بأنه قادر عالم والقادر العالم لا يكون إلا جسماً معارضة لقولنا: قد ثبت أنه عالم قادر والعالم القادر لا يكون إلا حياً، فيكون العلم بحل هذه المعارضة فرض عين لحصول الشك معها.
قلت: وقد حلها أصحابنا بأنه من الغلط في تركيب القياس لأنهم اعتمدوا في ذلك على مجرد الوجود والاعتماد عليه في مثل هذه المسائل لا يصح وقد تقدم التنبيه على هذا.
وأما القسم الثاني: وهو ما يكون العلم بحله من فروض الكفاية فهو ما لا يقدح فيما ذكر بل يكون وارداً على المذهب فقط منفصلاً عن الدليل لا يخلو بشيء من أركانه ولا في العلم بمدلوله والوجه في ذلك أن الدليل باق على صحته وإفادته للعلم، وإنما وجب كفاية تحرزاً عن أن يدعو إلى اختيار الجهل إذ لا يؤمن ذلك فيكون حلها صارفاً عما تدعو إليه، وظاهر كلام السيد مانكديم والإمام المهدي عليهما السَّلام أن الجواب عن هذا القسم لا يجب أصلاً لأنها شبه منفصلة عن الدليل لا يقدح فيه ولا في العلم الحاصل عنه، ومنه هذه الشبه التي نحكيها في هذا الموضع إذ لا يقدح في علمنا بحدوث العالم لكمال العلم بدليله وإيصاله إلى العلم وإن لم يعلم جواب الشبهة بمصيرها كالتشكيك فيما علم ضرورة.
قال السيد (مانكديم): فإن عرف الجواب عنها حسن وإن لم يعرف لم يقدح في العلم بحدوث الأجسام.
إذا عرفت هذا فاعلم أن لهم شبهاً كثيرة، وقد أوردنا منها هنا سبع شبه:
الشبهة الأولى
قالوا: لو كان العالم محدثاً لاحتاج إلى فاعل، وفاعله إذا حصل فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً، فلا بد من أمر له صار فاعلاً كطريقتكم في إثبات الأعراضوذلك الأمر محدث فيتسلسل إلى ما لا يتناهى، وذلك محال فما أدى إليه فهو محال.
والجواب أن الفاعل ليس له بكونه فاعلاً حال فيحتاج إلى مؤثر بل المرجع به إلى أنه وجد من جهته ما كان قادراً عليه وليس يجب إذا وجد من جهته ذلك أن يكون هناك معنى حتى يحتاج ذلك المعنى إلى محدث، ومحدثه إلى محدث فيتسلسل، فنحن نلتزم أنه حصل فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً أي أوجد فعلاً لم يكن موجوداً، ولا يلزمنا افتقار إيجاده إلى مؤثر سوى قادريته دليله الواحد منا، فإنه يحصل فاعلاً بعد أن لم يكن وإن لم يكن هناك معنى فإن قيل: فالذي لأجله أوجد هل كان حاصلاً بكماله في الأزل لزم أن لا يتخلف عنه الإيجاد ضرورة أم لم يكمل في الأزل، فالذي كمله حادث يحتاج إلى مؤثر وينتقل الكلام إلى مؤثره فيتسلسل فيلزم المحال.
قيل: بل كان كاملاً في الأزل وهو القادرية والداعي ولا يلزم أن يقارن وجود الفعل وجود الفاعل وألا يخرج عن كونه فاعلاً لعدم وقوفه على اختياره والقادرية والداعي وإن أثرا في إيجاد الفعل فهما غير موجبين بل يؤثران على سبيل الصحة وذلك يوجب تقدمهما تقدماً حقيقياً.
نعم وكلاهما غير محدث، في حق صانع العالم أما القادرية فظاهر وأما الداعي فلأنه من قبيل عالميته، ولهذا انتفى التسلسل.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : فإن قيل فقد حصل مؤثر لأجلهما بعد أن لم يكن مؤثراً لأجلهما فلا بد من أمر.
قلنا: ليس كونه مؤثراً مما يعلل إذ ليس له بكونه مؤثراً حال، وأورد الإمام المهدي عليه السلام هنا إشكالاً، وأجاب عنه ولفظه: فإن قيل إذا استحال وجود العالم في الأزل فقد حدثت له الصحة فيما لا يزال، فتكون حادثة تفتقر إلى مؤثر وصحة تأثيره فيها كذلك فيتسلسل أو يدور.
قلنا: لا نسلم حدوث الصحة بل هي ثابتة له في الأزل أي تثبت له في الأزل صحة وقوعه فيما لا يزال وحينئذٍ لا تفتقر الصحة إلى مؤثر إذ هي أزلية كذا في الدرر.
قلت: والذي يظهر أن غالب هذه الشبه والإشكالات لا ترد إلا على من يثبت التأثير لغير الفاعل.
الشبهة الثانية
أوردها ابن زكريا المتطيب الرازي، وهي أنه لو كان العالم محدثاً لكان له فاعل والفاعل الحكيم لا يفعل إلا لداعي وداعي الحاجة مستحيل عليه فتعين داعي الحكمة وهو علمه بحسنه، وانتفاع الغير به وذلك حاصل فيما لم يزل، فيقارنه الفعل وهو وجود العالم فيكون العالم قديماً.
فالجواب من وجوه:
أحدها: ما اعتمده الجمهور وهو أن داعي الحكمة لا يوجب الفعل ألا ترى أن أحدنا مع كونه عالماً بحسن الصدقة قد يتصدق في وقت دون آخر وبدرهم دون درهم، هذا مع حصول الداعي، فكذلك هاهنا فما ذكره ابن زكريا جهل.
الثاني: ذكره القرشي، وهو أنه الداعي إنما يدعو إلى ما يصح ووجود العالم في الأزل مستحيل فلا يدعو إليه الداعي، وتحقيقه أنه لا يكفي العلم بحسن الشيء وحصول النفع للغير أو لنفسه في كونه داعياً بل لا بد من أن يعلم أو يعتقد إمكانه ولهذا لا يقال: دعا أحدنا الداعي إلى أن يوجد لنفسه أو لغيره مالاً وبنين لما كان مستحيلاً من جهته وإن دعاه الداعي إلى أن يوجد ذلك من جهة الله تعالى صح لعلمه واعتقاده إمكانه فثبت أن علم الباري بحسن الفعل ليس بداع إليه إلا في حال إمكانه، ومتى أمكن فإنما يفعل فعلاً دون فعل وقدراً دون آخر وفي وقت دون وقت، وهذا سبيل داعي الحكمة كما مر في تصدق الواحد منا.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : وهو جواب جيد ولم يذكره أصحابنا وفيه ما لا يجري في كلامهم من اشتراط الإمكان في الداعي بل قد صرح ابن متويه بأن أحدنا قد يدعوه الداعي إلى أمر مستحيل، وهو الذي تقتضيه حقيقة الداعي.
الوجه الثالث: ذكره أبو الحسين، وهو أن له داعياً إلى إحسانٍ ما، فأي وقت خلق الأحياء فيه فقد فعل ما دعى إليه الداعي، وظاهره أنه يقول بوجوب الفعل للداعي إلا أنه لا يوجب مقارنته بناءً على أصله وهو أنه يجب الفعل عند حصول الداعي وانتفاء الصارف وقد ذكرنا تأويل كلامه فيما مر، وإما أنه لا يوجب المقارنة فلما علم ضرورة من وجوب تقدم الفاعل على فعله وإلا بطل كونه فاعلاً.
الرابع: لابن الملاحمي وهو أنَّ له تعالى صارفاً فيما لم يزل عن خلق العالم وهو علمه باستحالة وجوده في الأزل.
الشبهة الثالثة
أنه لو استحال وجوده في الأزل كانت الاستحالة ذاتية وفي صحته فيما لا يزال خروج عن الذاتية وهو محال، فوجب أن لا يستحيل وجوده في الأزل فيصح لذاته وجوده فيه، وإذا صح وجب وقوعه وإلا صار بعد تراخيه مستحيل الوجود في الأزل، فيخرج عن الصفة الذاتية، هكذا أورد هذه الشبهة الإمام المهدي عليه السلام وأوردها السيد مانكديم على وجه آخر، وهو أنه لو كان العالم محدثاً لاستحال وجوده فيما لم يزل فلا بد من وجه للإستحالة وهو إما راجع إلى المقدور وهو باطل وإلا استحال وجوده فيما لا يزال أو إلى القادر وهو باطل أيضاً لهذا الوجه فوجب وجوده فيما لم يزل.
قلت: وإنما قال وإلا استحال وجوده فيما لا يزال لأن الوجه إذا كان أحد الأمرين كانت الاستحالة راجعة إلى أمر يرجع إلى ذات القادر أو المقدور وهما ثابتان في كل حال، أما القادر تعالى فظاهر وأما المقدور فالقول بثبوته في كل حال مبني على ثبوت ذوات العالم في العدم، وإذا كان الوجه راجعاً إلى أمر ذاتي وجب استمرار الاستحالة فيستحيل وجوده فيما لا يزال للوجه الذي استحال لأجله ووجوده في الأزل لأن ما يرجع إلى الذات لا يتخلف بل يستمر، والمعلوم أنه قد وجد ولا وجه يقتضي استحالة وجوده في الأزل فوجب وجوده فيه لما ذكره الإمام المهدي عليه السلام لهم هذا الذي ظهر لي في توجيه كلام السيد وتوضيحه وفوق كل ذي علم عليم.
وفي كلام القرشي في تقرير هذه الشبهة ما يقتضي ما فهمناه من توجيه كلام السيد ولفظه: قالوا لو استحال وجوده فيما لم يزل لم يخل وجه الاستحالة إما أن يرجع إلى القادر أو إلى المقدور أو إليهما وكله ثابت في كل حال، فيلزم استمرار الاستحالة وإذا عرفت المراد من هذه الشبهة على ما قرره الإمامان والقرشي، فلنأخذ في حلها فنقول:
الجواب: أن صحة وجوده فيما لا يزال ثابتة له في الأزل واستحالة وجوده في الأزل ثابتة له فيه، وفيما لا يزال فلم نجد عليه صحة ولا استحالة، وأما صحة وقوعه في الأزل فلم يثبت له في الأزل ولا فيما لا يزال، وأما ما حكاه السيد عنهم من أنه لا بد من وجه فجوابه من وجوه:
أحدها: أن يقال إن هذا الحكم لا يعلل إما لكون الاستحالة نفياً وإما لمانع آخر من التعليل كما في الحلول وغيره.
الثاني: أن نقول هو معلل بوجه لا نعلمه وليس الجهل بوجه الشيء يقدح في العلم به إذا ثبت بدليل.
الثالث: أنه معلل بوجه معلوم يرجع إلى المقدور وهو أنه لو وجد الجسم في الأزل انقلب جنسه، وصار المحدث قديماً وذلك محال أو إلى القادر فيقال: لو وجد الجسم في الأزل قدح في كونه قادراً لأن من حق القادر أن يكون متقدماً على ما فعله، ولو وجد في الأزل لم يصح هذا أو إليهما.
قال (القرشي): وهو وجوب تقدم القادر وتأخر المقدور من حيث يؤثر على جهة الصحة وإلا لم يكن قادراً ولا المقدور مقدوراً.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : ثم إنا نعارضكم بالحادث اليومي فإنه كان مستحيلاً في الأزل ثم صار صحيحاً فيما لا يزال ولا محيد لكم عن مثل جوابنا.
قلت: وهو ما صدرنا به الجواب هنا قال: إلا أن يقولوا استحالة وجوده في الأزل إنما هي لزوال شرط وجوده وهو تقدم حوادث عليه لا لذاته فلم يخرج حين صح عن ذاتي لكنا نقول: إن ذلك يلزم في كل حادث فلا يتناهى ما يقف عليه كل حادث، وقد التزمت الفلاسفة ذلك لكنه يلزمهم أن لا يصح وجود الحادث لوقوفه على ما لا يتناهى.
الشبهة الرابعة
قالوا: حدوثه يستلزم أن يكون قبله عدم وهذا الحدوث حاصل بعده والقبلية والبعدية صفتان وجوديتان وليستا عبارة عن مجرد العدم والوجود، وإذا كانتا وجوديتين استلزمتا موصوفاً بهما لذاته ولا يتصف بكونه قبلاً أو بعداً لذاته إلا الزمان، فالزمان قديم ويلزم من قدمه قدم الحركة وقدمها يستلزم قدم المتحرك وربما قرروا هذه الشبهة على وجه آخر فيقولون: لو كان العالم محدثاً فلا بد له من محدث متقدم عليه بزمان لاستحالة التقدم بغيره وذلك الزمان إما قديم وإما محدث فيعود السؤال في محدثه فيتسلسل.
والجواب: أنا لا نسلم كون القبلية والبعدية صفتين للزمان كما ذكرتم فإنه ليس من ضرورة المتقدم أن يتقدم الزمان بدليل أنا نعقل تقدم الشيء على الشيء وإن لم يكن بينهما زمان كتقدم الليل على النهار والوقت على الوقت، فثبت أن القبلية والبعدية لا يستلزمان زماناً تكونان صفتين له وإنما الموصوف بهما المتقدم والمتأخر فمعنى وجد هذا قبل هذا أن وجود هذا وقع، ولما يثبت للمتأخر وجود وهذا بعد هذا، بمعنى أنه وجد وقد وقع وجود المتقدم فهما وصفان اعتباريان للمتقدم والمتأخر.
وأما قولهم: فلا بد من محدث متقدم عليه بزمان... إلخ، فقال القرشي في جوابه: وأما التقديم فتقدمه على المحدث بما لو كان زمان لكان بلا أول قال: ثم نقلب عليهم السؤال في الحوادث اليومية.
الشبهة الخامسة
قالوا: لا بد أن يكون القادر تعالى قادراً على إيجاد العالم قبل الوقت الذي أوجده فيه بمقدار عشرة أيام وإلا جاز عليه العجز أو على الممكن الاستحالة وكلاهما محالان، وإذا لزم قدرته على ذلك، فلمثله يلزم أن يكون قادراً على تقديمه بمقدار عشرين يوماً، فنقول: هل الحوادث التي لم يتسع لها إلا عشرون يوماً مثلاً يصح وجودها في العشر أولاً، الأول معلوم البطلان بالضرورة، والثاني يستلزم أن يكون قبل وجود العالم أمور وجودية بعضها أوسع من بعض وهو الزمان فلزم قدمه وهو يستلزم قدم العالم.