قال (القرشي): فلو كان الجسم مجتمعاً بالفاعل لما صح اجتماعه حال البقاء كما لا يصح حال العدم لاشتراك الحالين في فقد الحدوث، وقد أورد ابن الملاحمي اعتراضاً على هذا الوجه، وهو أن يقال: ما أنكرتم أن وجوه الأفعال تنقسم إلى ما هو كيفية في الحدوث، ككون الكلام خبراً، فلا يصح إلا في حال الحدوث، وإلى ما ليس كذلك ككونه كامناً فيصح حال البقاء.
قلت: ويكون كونه مجتمعاً ونحوه من القسم الثاني فيصح تعلقه بالفاعل عنده.
وأجيب بأن هذه الوجوه ليست كيفية في الحدوث؛ لأن الحدوث كيفية في الوجود وليس للكيفية كيفية، وأيضاً لو كان كون الصوت خبراً كنفيه فيه لما صح وجوده إلا خبراً؛ لأن الكيفية لا تفارق ما هي كيفية فيه، ومعلوم أنه يصح أن يوجد ولا يكون كلاماً فضلاً عن أن يكون خبراً أو أمراً أو نحوهما سلمنا، فقد ألزمناك كون الاجتماع كذلك ولم تفرق إلا بمذهبك.
فائدة [في كيفية الوجود]
قال الإمام عز الدين عليه السلام : اعلم أن كيفيات الوجود كثيرة، فمنها الحدوث والقدم؛ لأن الوجود لا يكون إلا حدوثاً أو قدماً، ومنها الحلول فيما يستحيل وجوده لا في محل كالسواد فإن حلوله كيفية في وجوده فلا يوجد غير حال، وكعدم الحلول في الفناء فإنه لا يوجد إلا غير حال لما كان وجوده لا في محل كيفية في وجوده، وسميت الكيفية كيفية؛ لأنها يوصف بها المعين الذي يسأل عنه بكيف.
الوجه الثالث: أنه لو قدر أحدنا على جعل الجسم مجتمعاً من دون معنى لقدر على أن يجعله على سائر صفاته التي يكون عليها بالفاعلين نحو كونه أسود وأبيض وحلواً ومراً، كالكلام فإنه لما قدر على جعله خبراً قدر على سائر صفاته من كونه أمراً أو نهياً أو استفهاماً، وكذلك سائر وجوه الأفعال، فإنا لما قدرنا على جعلها طاعة قدرنا على سائر وجوهها، ولا علة للقدرة على سائر الوجوه إلا القدرة على وجه منها لدوران الحكم بدوران هذه العلة ثبوتاً وانتفاء، ألا ترى أنا لما لم نقدر على وجه من وجوه أفعال الغير لم نقدر على جميعها.
فإن قيل: فليزمكم أن من قدر على ذات أن يقدر على سائر الذوات كالصفات.
قيل: الفرق ظاهر فإنا نعلم بالاستقراء أن القدرة على صفة من صفات الذات تلازمها القدرة على سائر صفاتها، وعلمنا بطريقة الدوران أن العلة هي القدرة على واحدة من الصفات، بخلاف القدرة على ذات، فلم نجدها علة في القدرة على سائر الذوات، ولأوجدنا القدرة على ذات تلازمها القدرة على سائر الذوات، بل علمنا ضرورة الفرق بين ما يتعلق بنا من الذوات وما لا يتعلق بنا.
الوجه الرابع: أن الكائنية يصح فيها التزايد، بخلاف التي بالفاعل فلو كانت بالفاعل لم يصح تزايدها، أما أن الكائنية يصح فيها التزايد فلأن القوي إذا سكن الساكن تعذر على الضعيف نقله، وإذا لم يسكنه لم يتعذر، فلولا تزايد الصفة لم يفترق الحال، واعترضه ابن الملاحمي بأن التزايد إنما هو في كثرة مدافعة القوي لا في الكائنية؛ لأن المرجع بها إلى شغل الجهة ولا يعقل فيه التزايد، وأجيب ببطلان رجوع التزايد إلى ما ذكره؛ لأن كثرة المدافعة تحتاج إلى كثرة الجهات؛ إذ لا يعقل كثرة المدافعة في جهة واحدة، والكلام مفروض في تسكين الساكن، وأما أن الصفة التي بالفاعل لا يصح فيها التزايد فدليله صفة الوجود التابعة له، فإن تعذر التزايد فيها معلوم عند الجمهور، فإنهم قالوا: الموجود لا يستحق من الوجود أكثر من وصفه.
قال (القرشي): ولا وجه له إلا كونها بالفاعل، هذا وقد ذكروا وجوهاً غير ما ذكر في نفي كون الكائنية بالفاعل، وهي لا تخلو عن مناقشة وضعف، وقد اعترضها بعض من ينفي كون الكائنية بالفاعل، وقد قيل: إن أقوى ما يستدل به على أبي الحسين وأصحابه أن يقال إذا كنت تجعل الكون صفة فهو قبل حصوله لا شيء، فإن الصفة قبل حصولها لا شيء بلا كلام، فتعلق قدرة الفاعل بها يكون إذا تعلق شيء بلا شيء، ومن المحال تعلق شيء بلا شيء.
فإن قيل: له أن يقول إن جعلتم القدرة متعلقة بالذات فهو باطل؛ إذ هي عندكم غير مقدورة، أو بمجرد الصفة فباطل أيضاً للزوم ما ألزمتم من تعلق شيء بلا شيء، أو بالذات على الصفة فباطل كذلك؛ لأن الصفة لم يثبت لها بعد.
قلنا: بل يتعلق بالذات، وقولكم إنها غير مقدورة لا نسلم إذ المقدور المعدوم الذي يصح إيجاده وهذا حال هذه الذات.
واعلم أن القوم لما أبطلوا الأقسام التي يشتبه الحال في كونها مؤثرة في تجدد الكائنية إلا وجود معنى تعين أنه المؤثر وهو مطلوبهم، وقد اعترضه بعضهم فقال: إبطالهم لكل واحد من الأقسام إلا وجود معنى لا يكفي في تعيينه ما لم يؤت على ذلك بدليل، إذ أكثر ما يحصل من الاستدلال المذكور بطلان سائر الأقسام.
وأجيب بأن ذلك كاف؛ لأنا إذا قد علمنا وثبت لنا أن الحكم معلل، وذكرنا ما يمكن تعليل الحكم به، وأبطلنا تلك الأقسام إلا واحداً، فإنه يجب تعليل الحكم به مع عدم الدليل على بطلانه وإلا اقتضى انقلاب ما علم ضرورة بأدنى تأمل من أنه لا بد من أمر لأجله كان الجسم مجتمعاً أو نحوه جهلاً وهو محال.
فإن قيل: أليس من الجائز أن يكون المؤثر اثنان من الأقسام التي أبطلتموها أو ثلاثة أو مجموعها، أجيب: بأنا قد أبطلنا تأثير كل واحد منها، وما أبطل تأثير أحدها مستقلاً أبطل أن يكون جزءاً لموثر.
وأجاب الإمام عز الدين عليه السلام : [طأأ[منمنبأنه لا يجتمع مؤثران على مؤثر واحد، وبأن قولنا: حصل للفاعل يقتضي أنه مقصور عليه، وكذلك قولنا حصل للعلة يقتضي قصر التأثير فيه عليها فإذا قلنا: حصل للعلة والفاعل أدى إلى أن يكون مقصوراً على العلة غير مقصور، وأن يكون مقصوراً على الفاعل غير مقصور، وعلى هذا فقس.
فإن قيل: هذه القسمة التي بنيتم تصحيح هذه العلة المدعاة عليها تسمى طريقة السبر والتقسيم وهي غير مفيدة للقطع، أجيب: بأن بعض أصحابنا قد جعلها حاصرة مفيدة للقطع كالقسمة الدائرة بين النفي والإثبات.
قال (النجري): والصحيح أنها إن كانت في الشرعيات أفادت القطع مطلقاً إذ عدم الدليل ثم دليل على عدم المدلول، وإن كانت في العقليات لم تفده إلا أن تكون راجعة إلى الدائرة بين النفي والإثبات كقسمة الأقل والأكثر والمساوي والفوق والتحت والمحاذي، وكهذه القسمة في مسألتنا إذ نقول فيها: إذا ثبت أنه لا بد من أمر فإما أن يكون هو الجسم أو غيره، وغيره إما على سبيل الصحة والاختيار وهو الفاعل أو لا، وهو العلة، وهي إما أن تثبت لها صفة الوجود وهي الموجودة أو لا، وهي المعدومة.
قلت: قد أورد السيد مانكديم هذه القسمة وجعلها من الدائرة، ولفظه مع تصرف: فإن قيل: ولم قلتم إن الأمر ليس إلا وجود معنى؟ قيل: لأنه لا يخلو الأمر إما أن يكون راجعاً إلى الجسم أو إلى صفاته أو إلى غيره، لا يجوز أن يكون راجعاً إليه ولا إلى صفاته، وإذا كان راجعاً إلى غيره فلا يخلو إما إن يكون تأثيره على طريقة التصحيح كتأثير الفاعل أو على طريقة الوجوب، لا يجوز الأول، والثاني لا يخلو إما أن يكون معدوماً وهو باطل، أو موجوداً وهو الذي نقول.
قال: وهذه القسمة مترددة بين النفي والإثبات، كذا أوردها قاضي القضاة في المحيط وهي أولى من التقاسيم التي أوردها المشائخ في الكتب؛ لأن القسمة إذا لم تردد بين النفي والإثبات احتملت الزيادة، وكان للخصم أن يشغب فيها.
قلت: هذه القسمة في التحقيق غير دائرة بين النفي والإثبات، وإنما هي راجعة إلى الدائرة كما تقدم فتأمل. والله أعلم.
[الجواب على من قال الأكوان معاني]
وإلى هنا انتهى بنا الكلام على ما تمسك به القائلون بأن الأكوان معاني، ولنذكر ما أجاب به قدماء أئمة العترة وأبو الحسين ومن وافقهم على هذه الأدلة، وبعض ما استدلوا به على كون الأكوان صفات للجسم بالفاعل، وذلك يتحصل في وجوه:
أحدها: أن هذا المعنى الذي زعموه مؤثراً لا يعقل، وهذه الأدلة التي ذكروها لا يشهد لها عقل ولا نقل، ويكفي في بطلانها عدم تعقلها.
وحكى السيد حميدان عن العترة" أن ذوات العالم أجسام وصفاتها هي أعراضها، وأنه لا يصح العلم بانفراد ذوات العالم عن الأعراض، ولا العلم بانفراد الأعراض عن ذوات العالم، وأنه لا دليل في العقل ولا في السمع يدل على أن شيئاً سوى الله ليس بجسم ولا صفة للجسم، وكفى بكلام أئمة العترة" شاهداً بصحة القول بعدم تعقل الأدلة التي ذكروها، ويؤيد ذلك ما ذكره الشرفي في شرحه حيث قال: إنا لا نجد طريقاً إلى العلم بالكون الذي زعموه مؤثراً في الحركة والسكون ونحوهما، وإنما المؤثر فيها الفاعل؛ لأن الطرق التي توصل إلى العلم بالأشياء إما العقل أو الحواس الظاهرة أو إدراك النفوس أو دليل الشرع، فمن ادعى علم شيء من غير هذه الطرق فقد أحال، وهذا الكون الذي زعموه لا يدرك بأيها، فبطل وجوده فضلاً عن تأثيره، ثم نقول يستحيل أن يفعل العاقل فعلاً، ولا يدرك بحس ولا غيره، وإلا فأوجدنا ذلك حتى يكون هذا الكون مثله.
قلت: وممن قد نص على أن الأعراض صفات للأجسام من قدماء الأئمة" القاسم بن إبراهيم في كتاب الرد على الملحد.
وقال الهادي عليه السلام بعد أن ذكر أن أفعال العباد ليست بأجسام، وساق كلاماً حتى قال: وهي أعراض ليست بأجسام؛ إذ لا يقوم إلا بالأجسام، وإنما هي صفات ودلالات وحركات تتفرع من الأجسام غير متلاحقات.
الوجه الثاني: أن كلامهم مبني على ثبوت التأثير لغير الفاعل المختار من العلة والسبب وغيرهما، وسيأتي إبطاله في موضعه.
الوجه الثالث: أن معتمدهم في الدلالة ما ذكروه من الملازمة بين القدرة على الصفة والقدرة على الذات، وجعلوا الأصل في ذلك الكلام على اختلافهم في تركيب القياس كما مر في الطرق الخمس، وذلك كله مبني على أن الكلام ذات موصوفة لا صفة للذات، ونحن لا نسلم ذلك، بل نقول: هو صفة للمتكلم وليس بذات موصوفة، وما قالوه باطل لأمرين:
أحدهما: ذكره الإمام يحيى عليه السلام وغيره، وهو أن هذه الصفة إما أن تكون ثابتة لمجموع الحروف أو لكل حرف من حروف الصيغة، الأول باطل لأن مجموعها لا وجود له في وقت واحد، وإنما الموجود منها حرف واحد، فإن جملة حروف الخبر لا تجتمع في وقت واحد، فيلزم أن تكون الصفة ثابتة لمعدوم وهو محال، ويلزم منه قدرتنا على صفة الذات، ونحن لا نقدر على تلك الذات، وهي ما قد عدم من حروف الخبر إذ قد خرجت بعدمها عن كونها مقدورة فينتقض الدليل بنفسه، والثاني باطل أيضاً لأنه يلزم أن يكون كل واحد من تلك الحروف خبراً، فيؤدي إلى ثبوت أخبار كثيرة وصفات كثيرة.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : وهذا السؤال وارد ولا جواب عنه، وقد تكلف بعض المتأخرين الجواب عنه بأن تلك الصفة تثبت عند وجود آخر حرف من الخبر، وتثبت له ولما سبق من الحروف وعدم، لأن وجود ما لا يتم الخبر خبراً إلا به وهو الحرف الأخير كاف في لحوق الصفة به وبما سبق، وتزول الصفة بعدم ذلك الحرف الأخير ويصير المتصف بها كله عدماً، ولا يخفى ما فيه.
قلت: المجيب المشار إليه هو الإمام المهدي عليه السلام ، وذكر أن الوجه في تخصيص الحرف الأخير أنها لو ثبتت لما قبله لزم تمام الخبر به وإن لم يوجد ما بعده وهو باطل، قال: فيثبت أن الصفة لا تعم من الأمور المعدومة إلا ما قد ثبت له وجود مع وجود بعض ما لا يتم إلا به، وأدانا إلى ذلك ثبوت الصفة قطعاً واستحالة وجودها على غير الوجه المذكور، ولا يلزم من ذلك محال إذ وجود ما لا يتم الكلام إلا به مع تقدم وجودها قد عدم كوجود جميعه لا مانع من ذلك من بديهة العقل ولا دلالته.
قلت: قد اعترف عليه السلام بالتكلف إلا أنه أداه إلى ذلك ما ذكره.
الأمر الثاني: ذكره السيد أحمد بن محمد الشرفي ولفظه: وأما قولكم إنه لا يقدر على صفة الذات إلا من يقدر على الذات قياساً على الكلام، فإنه باطل؛ لأن الكلام صفة للمتكلم وليس بموصوف كما زعمتم، وهو من جملة الأعراض القائمة بالأجسام، وكونه أمراً أو نهياً أو خبراً لا يخرجه عن كونه صفة للمتكلم كلون البياض والسواد والصفرة، ونحوها وكالطول والقصر، فإن جميع ذلك أعراض صفات للأجسام وهي معلومة معقولة لا يعقل الجسم إلا عليها، وكذلك الاحتراك والسكون والاجتماع والافتراق صفات للجسم المتحرك والساكن والمجتمع والمفترق وهي معلومة مدركة بالحس لا تقوم إلا بالجسم، ولا ينفك الجسم عنها وهي غير الجسم والمؤثر فيها الفاعل.
واعلم أن الكلام في هذين الأمرين قد تضمن إبطال الوجه الثاني والوجه الثالث من الوجوه التي ذكروها؛ لأنهما مبنيان على ما ذكروه في الوجه الأول من أن الكلام ذات موصوفة، وإذا بطل الأصل بطل ما ترتب عليه.
وأما الوجه الرابع: وهو أن الكائنية يصح فيها التزايد... إلخ فقد كفانا الجواب عنه ابن الملاحمي وما ذكروه في إبطال جوابه، فقال الإمام عز الدين عليه السلام : فيه نظر لأن ابن الملاحمي قصد إن تعذر نقله بكثرة الاعتمادات ولا كلام في كثرتها عند أن يسكنه الواحد منا لأنه يسكنه باعتمادات يوجدها فيما يسكنه به من يده أو غيرها فتوجد فيه اعتمادات بعدة ما أوجد في يده؛ لأن الاعتماد يولد الاعتماد، ويوجد فيه سكوناً متولداً عن الاعتماد لأن الاعتماد يولده إذا منع مانع من توليده للحركة. ذكره في المعراج.
وأما قولهم: إن الصفة التي بالفاعل لا يصح فيها التزايد بدليل صفة الوجود ...إلخ فجوابه أنهم لم يجعلوا الوجه في عدم تزايد صفة الوجود كونها بالفاعل فقط كما ادعوه هنا، بل ذكروا وجوهاً كثيرة مانعة من تزايده منها: أنه يلزم من ذلك أن يصح ثبوت وجهين للسواد في الوجود فيقابلان وجهي البياض، ثم كان يصح حصوله على أحدهما فلا يبقى البياض على الإطلاق، ومنها: أنه يلزم منه صحة مقدور بين قادرين لأنه يصح أن يكون على بعض صفات الوجود بقادر، وعلى البعض الآخر بقادر آخر إلى غير ذلك، وكثرة الوجوه تدفع قولهم هنا أنه لا وجه لعدم التزايد في الوجود إلا كونه بالفاعل فيلزم منه أن الكائنية لو كانت بالفاعل لما تزايدت عندهم، والوجه في أن كثرة الوجوه تدفع قولهم إنه لا يخلو إما أن يكون المانع من التزايد مجموع تلك الوجوه أو اثنين منها أو ثلاثة فهي غير موجودة في الكائنية أو كل واحد منها يحتمل أن يكون هو العلة، فلا وجه لقولهم هنا ولا وجه له إلا كونها بالفاعل، ثم إن المانع من تزايدها على هذا الوجه ما يلزم من صحة مقدور بين قادرين، وأنت خبير بأن من الأئمة" من يجيز ذلك، فلا يصح إلزامه بما يلتزمه، ثم لو فرضنا أن الوجه في عدم التزايد في صفة الوجود كونها بالفاعل فقط، فقد نفى التزايد في الكائنية ابن الملاحمي، وانتفى الفارق وثبت الحكم.
وأما ما قيل: من أن أقوى ما يستدل به على أبي الحسين وأصحابه أنه يلزمهم أن تتعلق قدرة الفاعل بلا شيء، فهو مبني على ثبوت ذوات العالم في الأزل، وأن القدرة لا تتعلق بها إلا إذا كانت ثابتة، وأبو الحسين وغيره من الأئمة والمعتزلة لا يحيلون ذلك بل يقولون بأن تعلق قدرة القادر بالمعدوم لا يحتاج إلى ثبوت تلك الذات في الأزل، وذلك مشهور عنهم فلم يلزمهم خصمهم إلا بمذهبه، مع أنه قد ادعى أنه أقوى ما يستدل به عليهم فما ظنك بغيره.
الوجه الرابع: احتج أبو الحسين على نفي المعنى بأن حصول الجسم في الجهة لو كان كائناً يكون موجباً لتلك الكائنية لكان الجهة المعينة أو لا، الثاني باطل وإلا لم يكن بإيجاب الحصول فيها أولى من إيجابه في غيرها لعدم الاختصاص، والأول يلزم منه الدور لأن حصوله فيها إنما يكون تبعاً لحصول محله لافتقار وجوده إليه، وذلك دور محض لأنه لا يحصل الكائن في الجهة إلا بعد حصول الكون فيها، ولا يحصل الكون فيها إلا تبعاً لحصول الكائن.
وأجاب الإمام المهدي عليه السلام بالتزام التوقف المذكور، ولا يلزم الدور لأنه توقف معية لا توقف زمان، أي لا يحصل الجسم في الجهة المعينة إلا عند حصول الكون فيها، وحصول الكون فيها غير متقدم على حصول محله، بل يثبت وجود الكون وحلوله وإيجابه في حالة واحدة من دون ترتب، ويمكن أن يقال: إن كلام الإمام عليه السلام وإن كان ظاهره الصحة في نفي الدور لكنه قد لزم منه محذور آخر وهو عدم تقدم المؤثر على الأثر، وذلك لا يعقل، ويصح أن يجعل هذا وجهاً في إبطال المعنى بأن يقال: لو كان حصول الجسم في الجهة كائناً بكون للزم مقارنة المؤثر للأثر في الوجود على التقدير الذي ذكره الإمام عليه السلام وحينئذٍ فما جعل الكون مؤثراً والكائنية أثراً بأولى من العكس، وهذا وجه ظاهر في إبطال هذا المعنى.
الوجه الخامس: في نفي كون هذه الأكوان معاني ما ذكره الدواري واستحسنه ابن حابس، وهو أن الحاصل في الجسم لا يخلو إما أن يكون جسماً أو معنى أو صفة، لا يجوز أن يكون جسماً لوجهين:
أحدهما: أن الواحد منا ليس بقادر على الجسم ولا يقف على اختياره، وكون الجسم متحركاً يقف على اختيارنا.