قالوا: وكذلك صورة الحديد كانت كامنة في المعدن وكذلك المعدن حتى انتهوا إلى علة العلل التي زعموا أن صور جميع الأشياء كامنة فيها وموجودة فيها بالقوة، قالوا: وكذلك القول في جميع صور الحيوانات والنباتات قالوا: وكل من الهيولى والصورة محتاج إلى الآخر بالفعل، فحاجة الصورة إلى الهيولى حاجة المشروط إلى شرطه، والحال إلى محله، ومعنى حاجتها إليه بالفعل أنها تحتاج عند وجودها بالفعل إلى أن تحله فتحيز بعد ذلك، وحاجة الهيولى إلى الصورة حاجة المعلول إلى العلة، ومعنى ذلك أنه لا يتحيز إلا بحلولها فيه، ولا يحتاج إليها في وجوده، ومنهم من يقول: إن أصل العالم جوهر بسيط وهو غير متحيز ثم تحيز فركبت منه الأجسام، ومنهم من يقول: هو جواهر بسيطة.
واعلم أن المسلمين قد أبطلوا هذا المذهب الخبيث الذي لا غرض لهم فيه إلا ما ذكره السيد حميدان رحمه الله من إرادة إبطال القول بالصانع المختار، وإثبات تأثير العلل التي يزعمونها مؤثرة، والوجوه التي أبطله بها المسلمون كثيرة.
منها ما تقدم من ثبوت حدوث الأجسام قطعاً، وإذا ثبت حدوثها بطل قدمها الذي يزعمونه؛ لأن القولين في طرفي نقيض إذا ثبت أحدهما انتفى الآخر، وإلا لصح كون الشيء الواحد قديماً محدثاً، وهو محال، ومنها: أن القول بالهيولى والصورة دعوى مجردة عن الدليل؛ إذ هما غير معقولين ولا طريق إليهما، ومنها: أن الصورة لا يعقل كونها صورة إلا إذا كانت فعلاً لمصور مختار، كما أن الصورة المعمولة من الحديد وغيره لا تكون صورة إلا بمصور صورها، فيجب في كل صورة من العالم أن يكون لها صانع مختار.
ومنها: أن كل عاقل يعلم ضرورة استحالة كمون الإنسان بما اشتمل عليه من الأجسام والأعراض في نطفة قليلة ضعيفة.
ومنها: أن كثيراً من أجزاء الحيوانات تتولد من الغذاء، ومنه ما يكون من حيوان آخر، ومنه ما يكون من أنواع النبات، فكيف يتصور كمون الصورة الواحدة في مواضع كثيرة مختلفة جنساً ونوعاً وشخصاً.

ومنها: أنهما إذا كانا قديمين غير متحيزين لم يكن أحدهما بكونه هيولى والآخر صورة، ولا بكونه حالاً والآخر محلاً بأولى من العكس؛ لاشتراكهما في القدم.
ومنها: أن من أصولهم أن الجزء يتجزأ، أي لا ينتهي إلى حالة إلا ويصح تجزؤه إلى ما لا نهاية له، فكيف يصح وصفهم لما زعموه أصلاً في جوهر أو أكثر بأنه بسيط إذ البسيط الفرد، ومع التجزء لا يصح الإفراد ولا يكون بد من اجتماع فيه، والقول بالتجزؤ حكاه عنهم الإمام عز الدين عليه السلام .
قال: وإن كان من أصحابنا من يظن أن من الفلاسفة من لا يقول بتجزئه أخذاً من مقالاتهم من دون تصريح.
قال: والمصرحون منهم بالتجزء منهم من يقول: هو بالفعل بمعنى أنه في ذاته غير متناهي العدد، ومنهم من يقول: إنه يتجزأ بالقوة، بمعنى أنه وإن كان شيئاً واحداً فإنه يصح من الفاعل أن يجعله أشياء كثيرة.
قيل: ولا فرق بينه وبين القول الأول؛ لأنه لا يصح من الفاعل أن يجعله أشياء كثيرة إلا إذا كان الجزء كذلك في ذاته.
ومنها: أن الحلول كيفية في الوجود، وكيفية الوجود تلازمه كما أن كيفية كل صفة تلازمها، فكيف يثبت وجودهما في الأزل ويتأخر الحلول.
تنبيه [في إيضاح المراد بالأعراض]
المراد بالأعراض في قولنا في هذا الأصل أن الجسم لا يخلو من الأعراض الأكوان -أعني الحركة والسكون والاجتماع والافتراق- إذ بعض الأعراض قد يخلو الجسم منها، وفي المعراج ما يشعر بأن ثمة من يقول إنه لا يجوز خلو الجسم من الأعراض كلها، وأنها موجودة فيه، فما ظهر أوجب وما كمن لم يوجب.
قال: وذهب أبو علي وأبو القاسم والأشعرية إلى أنه لا يخلو الجوهر مما يحتمله أو من ضده، فإن لم يكن له ضد لم يخل منه أصلاً، ثم أبطله بأنا نعلم خلو كثير من المحال من الصوت، مع أن مذهبهم يقتضي أنه لا يخلو المحل عنه وقتاً واحداً، وكذلك نعلم خلو المحال عن كثير من المتضادات.

قلت: والظاهر ما قدمنا وهو أن الأعراض التي لا يصح خلو الجسم عنها بحال إنما هي الأكوان فقط، والدليل على ذلك أن الأعراض على ثلاثة أقسام: قسم يجوز خلو الجسم عنه بكل حال وهو ما لا يبقى كالإرادة والصوت والاعتماد ونحوها، أو يبقى ولا ضد له كالقدرة والحياة والتأليف، وقسم يجوز خلوه عنه قبل وجوده، فإن وجد لم يجز خلوه عنه وهو الباقي الذي لا ينتفي إلا بضد كالألوان والطعوم والحرارة ونحوها.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : فإنه يجوز أن لا يوجد الله تعالى في الجسم لوناً، وإذا أوجد فيه سواداً مثلاً لم يخل ذلك الجسم عن جنس من أجناس اللون، وإن جاز خلوه من السواد وذلك لأن اللون الذي وجد فيه باق والباقي لا ينتفي إلا بضد أو ما يجري مجراه، وضد السواد إما بياض أو حمرة أو نحوهما، وذلك من جنس اللون، وقسم لا يجوز خلو الجسم عنه بحال وهو الأكوان.
قال (القرشي): ثم إذا حققنا فالذي لا يخلو عنه الجسم هو الكون المطلق الحاصل حال حدوثه، وما عداه فقد تقدم الجسم عليه، وإن أمكن الاستدلال به على حدوث الجسم؛ لأن الجسم لم يسبقه إلا بوقت واحد.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : الضمير في به عائد إلى ما عدا الكون المطلق، وذلك الكون الواقع في الوقت الثاني وهو إما حركة بأن ينتقل الجوهر في الوقت الثاني من وجوده، أو سكون بأن يبقى في تلك الجهة، وهو نفس الكون المطلق إلا أنه في الوقت الثاني يسمى سكوناً.
وقال عليه السلام في شرح قوله: بأنه لم يسبقه إلا بوقت واحد، يعني فلو كان الجسم قديماً لوجب أن يتقدم على هذا الكون المحدث الحاصل في ثاني حال وجوده بما لو كان هناك أوقات لكانت بلا نهاية، ولأنه إذا لم يسبقه إلا بوقت فقد صار يمكن الإشارة إلى وقت وجد فيه وحدث، وذلك يبطل قدمه.

قلت: وما ذكرناه من انقسام هذه الأعراض إلى هذه الثلاثة الأقسام هو الذي حكاه ابن حابس عن الزيدية والمعتزلة جميعاً وأكثر الفرق، فإن قيل: كيف تصح الحكاية عن المعتزلة جميعاً، وهذا أبو علي وأبو الهذيل يقولان: إن الحركة لا تبقى، وكذلك المباشر من السكون، وأبو القاسم يقول: لا يبقى شيء من الأكوان.
قيل: إنما أرادوا بعدم بقائها أنها تجدد حالاً فحالاً، فالسكون مثلاً ليس سكوناً واحداً مستمراً، بل يتجدد سكون بعد سكون حتى يحصل ما يوجب نفيه، وهذا لا يخرجهم عن القول بالصورة المتفق عليها، وهي أنه لا يجوز خلو الجسم عن الكون.
وأما الأصل الرابع: وهو أن ملازمة الجسم للعرض تستلزم حدوثه فالخلاف فيه من ثلاث جهات:
الأولى: قال أبو الحسين: هذا الأصل هو الثالث بعينه؛ لأن العلم بأن الجسم لم يتقدم المحدث بالفتح هو العلم بأن لوجوده أول، وذلك هو معنى الحدوث، والأدلة لا تنصب لأجل التسمية فيستدل هنا على أن الجسم يسمى محدثاً قال: ومثله الاستدلال بأن لأحد التوأمين عشر سنين، والاستدلال بالحد على المحدود كالاستدلال على أن الإنسان حيوانٌ بأنه جسم حساس منتصب كل هذا من الاستدلال بالشيء على نفسه، قال القرشي: وهذا قوي.
الثانية: اختلفوا هل العلم بهذا الأصل ضروري أم مكتسب، فقال أبو رشيد: هو ضروري سواء قيل ما لم يخل من حادث معين ولم يتقدمه فهو محدث، أم قيل: ما لم يخل من المحدث فهو محدث على سبيل الجملة من غير إشارة إلى الأكوان ولا الصفات الصادرة عنها، وتدخل في ذلك لأن الأجسام لا تخلو عنها، وهذا محكي عن أبي علي بن خلاد والفقيه حميد، وابن الملاحمي، وصاحب الإكليل. ذكره في المعراج.

والذي رواه النجري عن أبي رشيد وابن خلاد من دعوى الضرورة إنما هو فيما جيء بالدعوى كلية نحو كل ما لم يخل من المحدث ولم يتقدمه فهو محدث مثله فقالا: هي ضرورية، وقال كثير من العلماء: بل استدلالية، وأما إذا لم تكن كلية وكانت صورتها أن ملازمة الجسم للعرض تستلزم حدوثه فهي استدلالية اتفاقاً.
وقال القاضي وتلامذته: إن كانت صورة الدعوى أن ما لم يخل من حادث معين ولم يتقدمه، فهو محدث مثله، فهي ضرورية، وإن كانت صورتها أن الجسم إذا لم يخل من المحدث ولم يتقدمه وجب أن يكون محدثاً، فهي استدلالية وإلا لما خالف فيها ابن الراوندي ومن تبعه، وأجيب بأنه لا بد وأن يعتقدوا في واحد منها أنه قديم وإلا لم يتصور خلافهم، هكذا لخص مذهب القاضي في المعراج، وقد قيل: إن الدعوى إذا كانت بالصورة الأولى فإنه ينبغي الاتفاق على أنها ضرورية، ورواية النجري عن كثير من العلماء تدفع الاتفاق، وفي المعراج أن في المحيط ما يقضي بأنها استدلالية إلا إذا علم ثبوت ذلك المعين وحدوثه وعدم الخلو منه ضرورة، فهي حينئذٍ ضرورية.
وفي المنهاج عن بعضهم أن الضروري هو العلم بحدوث ما لم يخل من المحدث على الجملة، كالعلم بأن كل ظلم قبيح، والعبرة في التفصيل بالمقدمات، فإن كان علمنا بحدوث الأعراض، وأن الجسم لا يخلو منها ضرورياً، فالعلم بحدوث الجسم ضروري، وإن كان العلم بالأولين اكتسابياً، فالثالث اكتسابي.

قلت: وهذا هو الحق، والاختلاف السابق في التحقيق راجع إليه فإن القائلين بالضرورة مطلقاً أو في بعض الصور إنما بنوا كلامهم على أن العلم بالمقدمات ضروري وهو العلم بالأعراض وحدوثها وعدم خلو الجسم منها، وعدم تقدمه عليها، والقائلين بأنها استدلالية لم تثبت عندهم هذه الأمور أو بعضها إلا دلالة، وأما أهل التفصيل فنظروا إلى أن العلم ببعض الصور كحدوث ما لم يخل من المحدث على الجملة ضروري، فلذا قالوا في الصورة الكلية: إنها ضرورية وبعضها استدلالي لتوقفه على غيره، كما في صورة ملازمة الجسم للعرض فإن العلم بحدوث الأجسام لأجل الملازمة متوقف على ثبوت الأعراض وحدوثها وملازمتها، وعدم تقدم الجسم عليها، وذلك لا يعلم إلا دلالة، ولذا قال الإمام عز الدين عليه السلام : وها هنا صورة لهذه الدعوى وهو أن يقال: الأجسام لم تخل من هذه الأكوان ولم تتقدمها، فيجب أن تكون محدثة.
قيل: فهذه تكون استدلالية اتفاقاً لتوقفها على ثبوت الأكوان وحدوثها وأن الجسم لم يخل منها، وكلها استدلالية، وما توقف على الاستدلالي فهو مثله.
الجهة الثالثة: في ذكر الخلاف في هذا الأصل، فالذي عليه أكثر الناس من أهل الإسلام وغيرهم أن ملازمة الجسم للحوادث يستلزم حدوثه، وخالف ابن الراوندي وحكاه في المنهاج عن الفلاسفة، وفي غيره عن بعضهم فقالوا بقدم الجسم مع أنه لا يخلو من الأعراض المحدثة قالوا: لكنها تتداول عليه ويحدث منها حادث قبله حادث إلى ما لا نهاية له من قبل أوله، فالجسم عندهم قديم والأعراض محدثة.
قال (النجري): ومعنى أنها محدثة أن كل واحد من آحادها محدث، وإلا فجملتها قديمة عندهم.
لنا أن الجسم إذا لم يخل من الحوادث ولم يتقدمها وجب أن يكون وجوده كوجودها، وقد ثبت بما مر أنه لم يخل منها ولم يتقدمها وأنها محدثة، فوجب في الجسم مثلها كالتوأمين إذا ولدا معاً فإنه إذا كان لأحدهما عشر سنين وجب أن يكون للآخر مثله.

فإن قيل: الجسم لا يخلو من العرض ولا يجب أن يكون عرضاً مثله، فكذلك لا يجب أن يكون محدثاً مثله، قيل: إنما وجب أن يكون محدثاً مثله ولم يجب أن يكون عرضاً؛ لأن ما ذكرناه إنما اقتضى اشتراكهما في الحدوث لا في الجنس، ألا ترى أن السواد والبياض إذا وجدا فإنما يجب اشتراكهما في الوجود دون الجنسية، وكذلك فإن التوأمين إنما يشتركان في الحدوث دون الجنسية لجواز كون أحدهما عربياً والآخر عجمياً، فكذلك الجسم إذا لم يخل من المحدث فقد شاركه في حقيقة الحدوث ولم يشاركه في حقيقة العرضية، فلزم الأول دون الثاني، وإنما يلزم أن يكون الجسم عرضاً لملازمته للعرض لو كانت العلة في كون العرض عرضاً حدوثه؛ إذ لا تصح الملازمة بين أمرين إلا برابط وجامع بينهما، والمعلوم خلافه.
وأما قولهم: بحوادث لا أول لها، فمناقضة ظاهرة؛ لأن المحدث لا بد له من محدث وفاعل واجب التقدم عليه، وما تقدمه غيره لا يجوز أن يكون مما لا أول له، وأيضاً لو كان الجسم قديماً لوجب تقدمه على هذه الأعراض المحدثة؛ لأن من حق القديم أن يتقدم على كل محدث، كما أن من حق ما وجد منذ يومين أن يتقدم على ما وجد منذ يوم، وقد ثبت أن الجسم لا يتقدم الأكوان، فوجب أن لا يكون قديماً فيجب كونه محدثاً إذ لا واسطة، وأيضاً إذا لم يخل منها فقد صار وجوده معها أو بعدها، وصار لوجوده أول كما أن لوجودها أول، وهو معنى الحدوث.
وأما قولهم بحدوث الآحاد دون الجملة، فبطلانه ظاهر؛ لأن صفتي القدم والحدوث ترجعان إلى الآحاد، فإذا كانت محدثة كانت الجملة كذلك.
قالوا: قد جاز حوادث لا آخر لها وهو حركات أهل الجنة في اللذة وأهل النار في العذاب، فليجز حوادث لا أول لها.
والجواب: إن كونها لا آخر لها لا يخرجها عن الحدوث، بخلاف كونها لا أول لها فهو يخرجها عنه، على أن أبا الهذيل قد كان التزم امتناع حوادث لا آخر لها.

وروي عن النظام وغيره وقالوا: تنتهي حركات أهل الجنة إلى سكون دائم يلتذون به، وحركات أهل النار إلى سكون يتألمون به، وقد روي عن أبي الهذيل الرجوع.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : ومما يجاب به عن هذه الشبهة أنا لم نرد بقولنا حوادث أهل الآخرة لا تتناهى وجود ما لا يتناهى، فذلك مما لا نجيزه، وإنما أردنا أن محدثيها يجددونها شيئاً بعد شيء.
تنبيه [في الأكوان وحقيقتها]
قد عرفت مما تقدم أن دليل الدعاوي مؤسس على الأكوان، لأنها التي لا يخلو الجسم عنها بحال، وبين المتكلمين في تحقيقها خلاف، فبعضهم يجعلها معاني موجبة كما أشرنا إلى ذلك في تقسيم الأعراض، وبعضهم يجعلها أحوالاً أي صفات للجسم بالفاعل وتحقيق الكلام عليها وبيان ما يترتب على الخلاف فيها يستدعي ذكر أبحاث.
البحث الأول: في حقيقة الكون
وهو في اللغة: الثبوت سواء كان بعد انتفاء أم لا كما يقال: كان الله ولا شيء، وفي الاصطلاح له معنيان:
أحدهما: بمعنى الصلاح، وهذا تستعمله الفلاسفة ولهذا يقولون عالم الكون والفساد، لما كان العالم يصلح تارة ويفسد أخرى، ومعنى صلاحه ثبوت تركيبه على وفق الغرض والداعي، وفساده خروجه عن ذلك التركيب.
والثاني: يستعمله المتكلمون إما مضافاً كقولهم: قد علمنا كون المتحيز في جهة يريدون به حصوله فيها، وهذا بمعنى الكائنية، وإما مفرداً كقولهم: الجوهر مضمن بالكون أو نحو ذلك، وهذا هو الذي اختلف المتكلمون في مسماه، فقال الإمام يحيى، وأبو الحسين وابن الملاحمي، ورواه السيد حميدان عن أئمة العترة": المراد به الصفة التي الجسم عليها وهي حصوله في الجهة أو نحو ذلك، وهؤلاء يسمون نفاة المعاني؛ لأنهم يجعلون الأعراض كلها الأكوان وغيرها صفات للجسم بالفاعل.

قال (ابن حابس): وبه قال ابن الخطيب الرازي وكثير من الأشاعرة والمجبرة، قال ابن زيد: وهو مذهب القاسم والهادي عليهما السَّلام ، ومعنى ذلك أن الحركة والسكون ونحوهما هي التي يعبر بها عن كونه متحركاً وساكناً ومجتمعاً ومفترقاً، وهذه الصفات إنما تثبت بالفاعل عندهم.
وقال السيد (مانكديم) والإمام (المهدي) و(القرشي) وغيرهم من أصحابنا: بل هو اسم لمعنى موجب لحصول الجسم في جهة وهذا قول البهاشمة وغيرهم.
قال (القرشي): ذهب الجمهور من أهل العدل وأهل الجبر إلى إثبات المعاني، وأن هذه الصفات موجبة عنها.
البحث الثاني: في أنواع الكون وحقائق تلك الأنواع

فأما أنواعه فهي خمسة: حركة وسكون واجتماع وافتراق وكون مطلق، وأما حقائق هذه الأنواع فالأئمة " ومن وافقهم يقولون: الحركة هي نفس الكائنة وهي نفس حصول الجسم في جهة عقيب كونه في أخرى، والسكون لبث المتحيز في الجهة وقتين، ذكر هذا الحد للسكون أبو الحسين، وهكذا سائرها، فإنهم يحذفون لفظ معنى الذي يثبته مخالفهم في حدود هذه الأنواع، وأما مخالفوهم فيثبتونه على خلاف بينهم في التفاصيل وبعض الحدود، والمقصود هنا بيان حدودها باعتبار كونها معاني، فنقول: الحركة هي المعنىالموجب حصول المتحيز في جهة عقيب كونه في أخرى بلا فصل، واحترزوا بقولهم بلا فصل عن الجوهر إذا أعدمه الله في جهة ثم أوجده في أخرى فلا يكون الكون الذي في الجهة الأخرى حركة للفصل بين كونه في الجهتين، وكذلك إذا كان الجوهر في جهة ثم انتقل إلى أخرى ولبث فيها وقتين، فإن الكون في الوقت الثاني لا يسمى حركة لتخلل الوقت الأول بين كونه في الجهتين، والسكون المعنى الموجب للبث المتحيز في جهة وقتين فصاعداً، والاجتماع المعنيان الموجبان حصول المتحيز في جهتين متقاربتين على جهة المماسة والافتراق المعنيان الموجبان حصول المتحيزين في جهتين على جهة البعد والمباينة، والكون المطلق هو المعنى الموجب كون الجوهر الفرد في جهة عند ابتداء حدوثه، والكائنية حصول الجسم في جهة ما، والكائن المتحيز الحاصل في جهة ما، زاد الإمام عز الدين عليه السلام على وجه الاستقلال ليخرج العرض فإنه عند المتقدمين في جهة، وقد عرف مما ذكرنا أن الاجتماع كونان، وكذلك الافتراق وهو الذي يذكر الأصحاب في كتبهم.

67 / 329
ع
En
A+
A-