الفصل الأول[في بيان حدوث الأعراض]
اتفق الموحدون من المسلمين وغيرهم على حدوث الأعراض، وقال بعض الفلاسفة: بل هي قديمة، والحجة لنا على حدوثها الضرورة فإن المعلوم أن الأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق متضادة، فمتى وجدت الحركة عدم السكون والعكس، وهكذا في سائر الأعراض فإنا نعلم حدوثها بعد أن لم تكن كاللون والصوت والحرارة والبرودة وغير ذلك، وإذا ثبت عدمها ثم وجودها علم ضرورة أنها محدثة؛ إذ لا معنى للمحدث إلا ذلك، ومن الناس من قال: إن حدوثها استدلالي، واستدل على ذلك بأنه يجوز عليها العدم، والقديم لا يجوز عليه العدم، أما أنه يجوز عليها العدم فلأنه قد ثبت أن المجتمع إذا افترق بطل اجتماعه، وأن المحترك إذا سكن بطلت حركته.
قال (القرشي): وقد ادعى كثير من الناس أن العلم بجواز العدم عليها ضروري.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : والأكثر على أنه يعلم دلالة، ولا يتأتي على كلام مثبتي المعاني إلا أنه يعلم دلالة؛ إذ ذواتها معلومة بالاستدلال فلا يعلم الفرع ضرورة.

قلت: وأراد بالمعاني الذوات الموجبة وهو المعنى الخاص للمعاني كما مر، ونحن نأتي بالاستدلال على طريقتهم فنقول: الدليل على أنها تعدم أنه متى سكن الجسم عدمت الحركة والعكس، وإنما قلنا إن ذلك عدم لأنه لا يخلو إما أن يكون باقياً في الجسم مع وجود ضده، أو منتقلاً عنه إلى محل أو إلى غير محل، أو معدوماً لا يصح أن يكون باقياً، وإلا لأوجب صفة الكائنية لذلك الجسم فيكون متحركاً ساكناً في حالة واحدة وهو محال، بيان ذلك أن المعنى إنما يوجب الصفة لما هو عليه في ذاته وهو صفته المقتضاة، فيلزم أن يوجبها في كل أوقات وجوده؛ إذ لا اختصاص لذلك بوقت دون وقت، ولا يصح أن يكون منتقلاً لأنه إن أريد بالانتقال ما هو المعقول من تفريغ جهة وشغل أخرى، فهو إنما يثبت في المتحيزات، وإن أريد به أنها تحل غير محلها الأول لم يصح؛ لأن حلول العرض في المحل المعين كيفية في وجوده وكيفية الوجود لا تفارقه، وإن أريد أنها تنتقل إلى غير محل فهو واضح البطلان؛ إذ يستحيل مصيره غير حال بعد أن قد كان حالاً لأن حلوله لما هو عليه في ذاته وهو حاصل في كل وقت، فلا يصح أن يكون حالاً في وقت دون وقت، وأيضاً انتقال العرض سواء كان إلى محل أو إلى غير محل لا يخلو إما أن يكون مع الوجوب، أو مع الجواز، والأول باطل وإلا لزم أن ينتقل أبداً فلا يزال منتقلاً، وأن لا يختص بمحل دون محل فيلزم أن لا يشاهد جسم قاراً في جهة أصلاً، والثاني أيضاً باطل وإلا لكان منتقلاً لمعنى.
قال (القرشي): ولا يجوز أن يكون بالمعنى؛ لأن المعنى لا يختص المعنى، ولأن الكلام في ذلك المعنى كالكلام في هذا، ولأنه ليس بأن يوجب حلوله في محل أولى من غيره، وأراد بقوله إن الكلام في ذلك المعنى... إلخ أنه يكون الكلام في انتقال ذلك المعنى كالكلام في انتقال هذا، فيلزم التسلسل أو التحكم، وإذا بطل أن يكون باقياً وأن يكون منتقلاً تعين أن يكون معدوماً عند حصول ضده، وفي ذلك ثبوت حدوثه.

فإن قيل: إنما يكون جواز العدم عليه دليلاً على حدوثه إذا ثبت بالدليل أن القديم لا يعدم.
قيل: لنا على ذلك أدلة:
أحدها: أن القديم قديم لذاته، والموصوف بالصفة الذاتية لا يجوز خروجه عنها بحال، والذي يدل على أنه قديم لذاته أنه لا يجوز أن يكون قديماً بالفاعل؛ لأن من حق الفاعل أن يتقدم على فعله، وما تقدمه غيره لا يكون قديماً، ولا يجوز أن يكون قديماً لمعنى؛ لأن ذلك المعنى إما معدوماً فلا تأثير للمعدوم، وإما موجوداً فلا يخلو إما أن يكون قديماً أو محدثاً، الأول باطل لأنه ليس كونه قديماً لهذا المعنى بأولى من العكس، وهذا يؤدي إلى أن لا تتميز العلة عن المعلول، وعدم تميز العلة دليل على فسادها، وأيضاً ذلك المعنى إذا شارك القديم فيما لأجله احتاج إلى معنى، وهو القدم وجب احتياجه إلى معنى فيتسلسل، والثاني أيضاً باطل لأن العلة لا تتراخى عن المعلول.
الدليل الثاني: أن جواز العدم ينافي وجوب الوجود ويقتضي تساويهما في الجواز، وإذا كان كذلك فلا يكون الوجود أولى من العدم إلا لمخصص من فاعل أو علة، وكلاهما باطل لما مر.

الدليل الثالث: أن القديم باق لأنه قد وجد أكثر من وقت، والباقي لا ينتفي إلا بضد أو ما يجري مجرى الضد؛ لأنه إذا انتفى مع جواز بقائه فلا بد من أمر، ولا اختيار للفاعل في ذلك لأن أحدنا إذا أوجد كوناً ثم أراد انتفاءه ودعاه الداعي إلى ذلك فإنه لا يقع انتفاؤه إلا بفعل ضده، والباقي لا ضد له لأنه لو كان له ضد لكانت صفته بالعكس من صفة القديم، فيجب إذا كان القديم موجوداً لذاته أن يكون ضده معدوماً لذاته، وفي ذلك بطلان تأثيره على أنه يستحيل كونه معدوماً لذاته؛ لأن المعدوم ليس له بكونه معدوماً حال فضلاً عن أن يكون معدوماً لذاته أو لغيره، وفي هذا بطلان الضد من أصله، وكذلك ليس للباقي ما يجري مجرى الضد؛ لأن ذلك يقتضي أن يحتاج القديم في وجوده إلى شيء ولذلك الشيء ضد، فيقال فيه: إنه جار مجرى الضد له، والمعلوم أن القديم لا يحتاج في وجوده إلى شيء؛ لأن ذلك يقدح في قدمه كما مر في إبطال تقدم الفاعل والعلة عليه.
فإن قيل: ومن أين لكم أن خروج الموصوف عن صفته الذاتية لا يجوز؟
قيل: لأن بصفته الذاتية يكون ذاتاً، ويدخل في صحة كونه معلوماً، وخروجه عن كونه ذاتاً محال؛ ولأن الصفة الذاتية ثابتة لا لأمر، وما ثبت لا لأمر لا يصح اختصاص حصوله بوقت دون وقت إذ التخصيص من غير المخصص محال، فيجب ثبوتها واستمرارها في جميع الأوقات، وقد قيل إن هذا أقوى ما يستدل به هنا، وما لم يرجع إليه من الأدلة فهو منظور فيه، وللقدح فيه مجال.
واعلم أنه قد استدل على حدوث الأعراض بأدلة غير ما تقدم مذكورة في شرح الأصول وغيره منها: أن الأعراض مشتملة على المختلف والمتماثل والتضاد، ولو كانت قديمة لتماثلت كلها لما مر أن القدم صفة ذاتية، والاشتراك في الصفة الذاتية يوجب التماثل، والمعلوم أنها غير متماثلة، فتعين أنها محدثة إذ لا يجوز في المتماثل أن يكون بعضه محدثاً وبعضه قديماً؛ لأن الطريق في الجميع واحدة فلو جاز في بعضها جاز في كلها.

فإن قيل: ومن أين لكم أن الاشتراك في صفة ذاتية يوجب الاشتراك في سائر الصفات؟ قيل: لأنه لو لم يجب لما امتنع أن يشترك ذاتان في صفة ذاتية ويفترقان في أخرى ذاتية، فتكونان من حيث الاشتراك متماثلتين ومن حيث الافتراق مختلفتين، وذلك يوجب لو قدر طرو ضد عليهما أن تكونا منفيتين من وجه وغير منفيتين من وجه آخر، وذلك محال.
ومنها: أن الصفات الصادرة عن المعاني متجددة، فيجب في المؤثر فيها والموجب لها أن يكون متجدداً وهو معنى الحدوث، وهذا يخص الأعراض الموجبة لمحالها حالاً أو حكماً.
ومنها: أنها محتاجة في وجودها إلى محال محدثة، وما احتاج في وجوده إلى المحدث بحيث لا يوجد من دونه وجب أن يكون محدثاً، وهذا مبني على أن العلم بحدوث الأجسام لا يحتاج إلى العلم بحدوث الأعراض إلى غير ذلك من الأدلة، وفيما ذكرناه كفاية.
وإذا تقرر لك بما تقدم كون الأعراض كلها غير قديمة وجب أن تكون محدثة لأنه لا واسطة، وبيان ذلك أنا نقول هذه الأعراض إما أن يكون لوجودها أول أو لا، إن لم يكن لوجودها أول فهي قديمة، وإن كان له أول فهي محدثة، وهذه قسمةٌ صحيحةٌ دائرةٌ بين نفي وإثبات، فلا يجوز دخول متوسط بينها كما تقول هذا العدد إما أن يكون أقل من هذا العدد، أو أكثر، أو مساوياً، فإن قيل: فما تقول فيما ذهبت إليه المطرفية من أن الأكوان وغيرها لا توصف بأنها محدثة وإن وجدت بعد أن لم تكن.
قالوا: لأنها لا فاعل لها، وإنما حدثت بالفطرة التي فطرت الأجسام عليها، قالوا: ولكنها تسمى حادثة وحدوثاً.
قيل: قد عرفناك فيما تقدم أنها غير قديمة، فلم يبق إلا أنها محدثة؛ إذ لا واسطة كما مر، وكل قول يؤدي إلى إثبات ما لا يعقل ثبوته وجب القطع ببطلانه، مع أنهم قد أبطلوا قولهم، وناقضوه بتسليمهم حصولها بعد أن لم تكن إذ لا معنى للحدوث إلا ذلك، وكذلك وصفهم لها بأنها حادثة غير محدثة إذ معناهما واحد.

الفصل الثاني في حدوث الأجسام
والكلام فيه يكون في ثلاثة مواضع، الأول: في ذكر الخلاف، الثاني: في إقامة البرهان على حدوثها، الثالث: في شبه المخالف وإبطالها.
الموضع الأول: في ذكر الخلاف في حدوث الأجسام
فالذي عليه أهل الإسلام وغيرهم من سائر الملل من اليهود والنصارى وغيرهم ممن أثبت الصانع المختار والفلاسفة الأبرقلس القطع بحدوثها، والخلاف في ذلك للدهرية -بفتح الدال- فإنهم يقولون بقدم الأجسام كلها، وأما تراكيبها فلا خلاف في حدوث أكثرها، وممن قال بقدم الأجسام ابن الراوندي، وظاهر كلام القرشي أن من لم يثبت الصانع المختار من الفلاسفة وغيرهم يخالفون في حدوثها، قال: فإنهم اتفقوا جميعاً على أنها حاصلة في الأزل، وهذا هو معنى القدم وإن أطلقوا لفظ الحدوث بمعنى أنها حصلت من غيرها.
الموضع الثاني : في حجج أهل الإسلام ومن وافقهم
اعلم أن حدوث كثير من الأجسام معلوم بالضرورة كأصناف الحيوان، والأشجار، والسحاب، والأمطار، وغير ذلك مما لا ينكره إلا من ينكر ظلمة الليل وضوء النهار، وتحقيق ذلك أن معنى الحدوث وجود الشيء عقيب عدمه كما مر، ونحن نعلم ضرورة أن هذه الأشياء تكون معدومة ثم تحدث وتوجد، وإذا ثبت حدوث هذه الأشياء فلنا أن نلحق بها ما لا نشاهد حدوثه من الأجسام كالسماء والأرض ونحوهما؛ لأن الأجسام كلها متماثلة كما مر، فما ثبت لبعضها ثبت للكل وهذه طريق قطعية.
واعلم أن الطرق الموصلة إلى القطع بحدوث الأجسام كثيرة، ونحن نذكر منها ما به يتحصل العلم بالحدوث فنقول:
أحدها: الضرورة إما في البعض كما مر وإلحاق الباقي بالجامع المتقدم، وإما في الكل، وذلك أنه لا خلاف أن الأجسام تسمى صنعاً، والصنع ضرورة لا يكون إلا من صانع؛ لأنه فعل والفعل لا يكون إلا من فاعل، وما احتاج إلى الفاعل فهو محدث لتقدم فاعله عليه ضرورة، وهذه الطريقة كما تجري في الأجسام تجري في الأعراض.

الثانية: طريقة القياس العقلي، وذلك أنا وجدنا الأجسام مركبة مؤلفة كالمبنيات من الدور وغيرها، والمعلوم ضرورة أنه لم يثبت التركيب والتأليف في المبنيات إلا لكونها محدثة مقدورة لقادر متقدم على تركيبها، فيجب في الأجسام أن تكون محدثة مثلها لمشاركتها لها في التركيب مع عدم الفارق، وقد أشار إلى هذه الطريقة أمير المؤمنين صلوات الله عليه حيث قال: (وهل يكون بناء من غير بانٍ أو جناية من غير جان). رواه في النهج.
وذكر العلامة ابن أبي الحديد أن هذه الطريقة تفيد الضرورة قال: وقد اعتمد عليها كثير من المتكلمين فقال: نعلم ضرورة أن البناء لا بد له من بان، ثم قال في قوله: والجناية لا بد لها من جان أنها كلمة ساقت إليها القرينة، والمراد عموم الفعلية لا خصوص الجناية، أي مستحيل أن يكون الفعل من غير فاعل.
قلت: وهذا يقوي قولنا في الطريق الأولى أنها ضرورية، أعني قولنا إن الفعل لا يكون إلا من فاعل.
الثالثة: طريقة إمكان الأجسام واختلاف الأعراض فيها، وقد نبه عليها أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: (فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه الأنهار، وكثرة هذه الجبال، وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات، والألسن المختلفات، فالويل لمن أنكر المقدر، وجحد المدبر). رواه في النهج.
وقد أوضح العلامة ابن أبي الحديد ما في كلامه عليه السلام من التنبيه على هذه الطريقة، فقال: إن كل جسم يقبل لأجل الجسمية المشتركة بينه وبين سائر الأجسام ما يقبله غيره من الأجسام، فإذا اختلف الأجسام في الأعراض فلا بد من مخصص خصص هذا الجسم بهذا العرض دون أن يكون لجسم آخر، ويكون لهذا الجسم عرض غير هذا؛ لأن الممكنات لا بد لها من مرجح يرجح أحد طرفيها على الآخر، قال: فهذا هو معنى قوله: فانظر إلى الشمس والقمر... إلى آخره.

أي أنه يمكن أن تكون هيئة الشمس وضوءها ومقدارها حاصلاً لجرم القمر، ويمكن أن يكون النبات الذي لا ساق له شجراً، والشجر ذو الساق نباتاً، ويمكن أن يكون الماء صلباً والحجر مائعاً، ويمكن أن يكون زمان الليل مضيئاً والنهار مظلماً، ويمكن أن لا تكون هذه البحار متفجرة بل تكون جبالاً، ويمكن أن لا تكون الجبال الكبيرة كبيرة، وأن لا تكون القلال طويلة، وكذلك القول في اللغات واختلافها.
قال: وإذا كان كل هذا ممكناً فاختصاص الجسم المخصوص بالصفات، والأعراض والصور المخصوصة لا يمكن أن يكون لمجرد الجسمية لتماثل الأجسام فيها فلا بد من أمر زائد، وذلك الأمر الزائد هو المعني بقولنا: صانع العالم.
قلت: وإذا كان لا بد من الأمر الزائد الذي هو الصانع، فلا بد من تقدم الفاعل على فعله ضرورة، وفي ذلك ثبوت حدوث الأجسام قطعاً.
الطريقة الرابعة: دليل الدعاوي.
واعلم أن هذا الدليل هو المعتمد عند كثير من أصحابنا في حدوث الأجسام، وأول من حرره أبو الهذيل، وقال أحمد بن محمد بن الحسن الرصاص: بل إبراهيم الخليل عليه السلام كما في آيات الأفول.
وقال المؤيد بالله عليه السلام : كان الصحابة والتابعون يستدلون بالتأليف فيقولون العالم مؤلف وكل مؤلف فله مؤلف، حتى جاء أبو الهذيل فحرر هذا الدليل، وسمي دليل الدعاوي لبنائه على أربعة أصول مع وجود المنازع في كل واحد منها، وحقيقة الدعوى هو الخبر الذي لا تعلم صحته ولا فساده إلا بدليل مع خصم منازع، والأصول الأربعة:
أحدها: أن في الجسم عرضاً غيره، والثاني: أن تلك الأعراض محدثة، والثالث: أن الجسم لم يخل من الأعراض ولم يتقدمها، والرابع: أن ملازمته إياها يستلزم حدوثه، فالأولان قد تقدم الكلام عليهما.

وأما الأصل الثالث: وهو أن الجسم لم يخل من الأعراض ولم يتقدمها فلا خلاف فيه بين الموحدين، ووافقهم كثير من الفلاسفة، وخالفهم أفلاطون وأتباعه فقالوا: لو كان الجسم خالياً من الأعراض فالجسم قديم والعرض محدث؛ لأن الجسم عندهم أصله جوهران بسيطان غير متحيزين لا عرض فيهما، أحدهما: يسمى هيولا، ويعنون به أصل الشيء المتنزل منه منزلة الطين من اللبن، ويقال له: مادة الجسم، والآخر يسمى صورة، ويعنون به ما يحصل من التركيب المتنزل منزلة التربيع.
قالوا: فلما حل أحدهما وهو الصورة في الآخر وهو الهيولا تحيزا أو تكاتفا وتركب منهما جميع الأجسام، فحلتهما الأعراض بعد ذلك.
والدليل لما يقوله الموحدون من وجوه:
أحدها: أن الجسم لو جاز خلوه من الأعراض فيما مضى لصح الآن؛ لأنه لم يتغير عليه الأمر والزمان، وهو مما لا تأثير له فيما يصح على الجسم أو يجب أو يستحيل، ألا ترى أنه لما صح عليه الاجتماع والافتراق الآن جاز أن يكون مجتمعاً أو مفترقاً في كل زمان، ولما استحال عليه أن يكون مجتمعاً ومفترقاً دفعة واحدة استحال في كل وقت وأوان، ولما وجب كونه على أحدهما الآن وجب في كل وقت، فثبت أنه لو جاز خلوه عنها في حال من الأحوال لجاز الآن، والمعلوم أنه يستحيل خلوه عنها الآن؛ إذ لو جاز ذلك لجاز تصديق من أخبر بوجود جسم ليس بمتحرك ولا ساكن، أو جسمين لا مجتمعين ولا مفترقين.
والمعلوم أن العقلاء يكذبون من أخبر بوجود ذلك، فإن قيل: هذا كله مبني على أن الجسم لا يوجد إلا متحيزاً، وأن تحيزه غير متجدد، والمخالف لا يسلمه، وعلى هذا فله أن يقول: إنه قد تغير عليه غير مرور الزمان وهو التحيز فإنه قد كان غير متحيز عنده فلم يصح حلول الأكوان فيه، وبعد تحيزه حلته كما هو مذهبه، فما الدليل على أن الجسم لا يوجد إلا متحيزاً حتى يصح ما بنيتم عليه؟

قيل: الدليل على ذلك أنه لا يجوز تحيزه لمعنى؛ لأنه لا يوجب تحيزه إلا إذا اختص به، ولا يختص به إلا إذا حله، ولا يحله إلا وهو متحيز، فلو لم يتحيز إلا لأجله لوقف كل واحد منهما على الآخر، وهو محال، ولا يصح أن يكون متحيزاً بالفاعل وإلا لصح أن يوجده غير متحيز؛ لأنه يتصرف بالاختيار، بل يصح منه أن يجعله سواداً بدلاً من التحيز، وأن يجمع بين كونه سواداً ومتحيزاً، وذلك يقتضي أنه لو طرأ عليه ضد أن ينفيه من وجه دون وجه.
الوجه الثاني: أن كل جسمين إما أن يكون بينهما بعد ومسافة أولى، إن كان الأول كانا مفترقين، وإن كان الثاني كانا مجتمعين، ولا يخلو جسم عن كونه مفارقاً لغيره أو مجتمعاً بغيره، والاجتماع والافتراق عرضان فصح أنه لا يخلو الجسم عن العرض.
الوجه الثالث: أنه لو خلا عن الاجتماع والافتراق ثم حدثا فيه لكان السابق أحدهما لا محالة، فإن قالوا: السابق الاجتماع، قلنا: كيف يجتمع ما لم يكن مفترقاً من قبل، وإن قالوا: السابق الافتراق، قلنا: كيف يفترق ما لم يكن مجتمعاً، فصح أنه لا يخلو من أحدهما، وأما ما زعمه المخالف من الهيولى والصورة فبطلانه واضح، ولا بأس بزيادة الإيضاح الذي يظهر به بطلان قولهم كظهور الإصباح، فنقول:
اعلم أن القوم قد ضربوا للهيولى والصورة مثلاً وهو الحديد وما يعمل منه من الآلات كالسيف والقيد وغيرهما مما هو مختلف الصورة والاسم، فقالوا: الهيولى هو الحديد لأنه أصل هذه الأشياء، والصورة هي هيئة ما يعمل منه كالسيف مثلاً وكانت كامنة في الهيولى قبل ظهورها.

66 / 329
ع
En
A+
A-