وأما (الكرامية): فيبطل قولهم دخول أفعل التفضيل فيقال: هذا أجسم من هذا، ولو كان كما قالوا: لم يصح وصفه بالتزايد؛ لأن معنى جسميته ترجع إلى النفي، لأن معنى قولهم قائم بذاته أنه لا يفتقر إلى محل، والنفي لا يتزايد فلا يدخله التفضيل، والمعلوم أن العرب تستعمله فيه، والمسألة لغوية لا مجال للعقل فيها.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذه الأسامي أعني السطح ونحوه مجرد اصطلاح لا دليل عليها، وقد أقروا بذلك.
الثاني: أنهم جعلوا أول أصل من أدلتهم أن الجسم يتألف من جواهر، ونحن لا نسلم ثبوت الجواهر بالمعنى الذي ذكروه كما سيأتي، ودعواهم أن أهل اللغة لا يسمون جسماً إلا ما اجتمع من الجواهر التي ذكروها على اختلافهم، فمبني على ثبوت الجوهر، ونحن لا نثبته لا عقلاً ولا لغة.
وأما قولهم إن الطويل ونحوه موضوعة لمعان غير المعنى الذي وضع له الجسم إلى آخر ما ذكروه في الأصل الثاني، فجوابه: أن هذا التقرير صادر عن غير تأمل، ولا نظر صحيح في معنى الصفة عند علماء العربية، مع إقرارهم بأن المسألة لغوية، وأنت إذا تأملت علمت أن ذكر الطويل، والعريض، والعميق أسماء موضوعة للاحتراز بها عما قابلها، ومقابل الطول العرض والقصر، وقد ذكر علماء العربية أن فائدة الوصف إما التخصيص في النكرات، أو التوضيح في المعارف، فإذا قال القائل هذا جسم طويل أفادك تقليل الاشتراك في لفظ جسم؛ لأنه مشتركٌ اشتراكاً معنوياً بين الطويل وضده، فإذا وصفته تعين أحد المعنيين وكذلك البواقي، وبهذا تعرف أن لفظ جسم، ولفظ طويل ليس معناهما واحد من كل وجه إلا في المعارف؛ لأنه لم يقصد فيها إلا زيادة التوضيح، فعلى هذا إذا قيل جسم كان مشتركاً بين ما يشغل الحيز، فإن امتد قيل: جسم طويل، وإن لم قيل قصير أو عريض، فصح أن الجسم في اللغة ما يشغل الحيز، ولفظه مشترك اشتراكاً معنوياً، فإن قيل: كلامك هذا يدل على أنه لا يشترط في الجسم أن يكون طويلاً عريضاً عميقاً.

قيل: بل لا بد فيه من الطول والعرض إلا أنا لا نقول إنه لا يكون طويلاً عريضاً إلا بما ذكرتم، بل يكون طوله وعرضه في كل شيء بحسبه، فكل ما شغل الحيز فهو طويل عريض، وأما العمق فإذا أريد به السمك وهو الارتفاع فكذلك، وإن أريد به معناه اللغوي وهو قعر البير، والفج، والوادي كما في المختار فلا معنى له هنا. والله أعلم.
وأما قولهم: إنه لو كان اسماً للقائم بذاته لما دخله التفضيل... إلى آخر ما ذكروه.
فجوابه: أنهم بنوا ذلك على دعواهم أنه راجع إلى النفي، ونحن لا نسلم ذلك، بل هو راجع إلى الإثبات، وهو أنه يقال لما زاد في طوله وعرضه وعمقه هذا أجسم من هذا كما مر، والمعتبر في مثل هذا ما صح عن أهل اللغة، فعليك ببسائطها.
الموضع الثاني: في ثماثل الأجسام.
وفي ذلك خلاف، فقال جمهور البهاشمة: هي كلها متماثلة، وقال أبو القاسم: بل فيها مختلف، وقال النظام: كلها مختلفة.
احتج الأولون: بأن التماثل في اصطلاح المتكلمين سد أحد الذاتين مسد الآخر فيما يجب لها، ويجوز، ويستحيل عليها، فمتى كان الذاتان كذلك وصفوهما بالتماثل وإن اختلفتا في العوارض كالسواد، والبياض، والطول والقصر ونحوها، قالوا والتماثل بهذا المعنى حاصل في الأجسام مقتضى عن صفة الذات، فقصروا التماثل على الأمور المقتضاة عن الصفة الذاتية عندهم، قالوا وهذه الأمور، أعني ما يجب للذات ويجوز ويستحيل أحكام واجبة للذات في العدم والوجود، ولا يصح حصولها بفاعل ولا علة، وأبطلوا كونها بالفاعل بكونها ثابتة للذاوات في العدم، والفاعل لا يؤثر في المعدوم إلا الإيجاد، وبأنها لو ثبتت بالفاعل لزم إمكان جعل العرض جوهراً وذلك محال، وأبطلوا كونها بالعلة بأن التماثل والاختلاف حاصل في العلة الموجبة لهما؛ لأنها إما مماثلة لغيرها، أو مخالفة فتحتاج إلى علة فيتسلسل.
قلت: وما ذكره في نفي كونها بالفاعل مبني على أمور غير مسلمة لهم، وسيأتي الكلام عليها.

احتج أبو القاسم بأن التماثل لغة، سد إحدى الذاتين مسد الأخرى في جميع الصفات الذاتية والعارضة الملازمة إلا الزمان والمكان فإن التغاير فيهما لا يقتضي الاختلاف، ولا شك في أن في الأجسام مختلفاً بهذا المعنى، كالأسود والأبيض وغيرهما.
قيل: والخلاف على هذا مرتفع؛ لأن الأولين لا ينكرون المعنى اللغوي، وأبو القاسم لا ينكر المعنى الاصطلاحي، وأما النظام فلا حجة له إذ لم يصب المعنى اللغوي ولا الاصطلاحي، ولا أتى بما يدفعهما؛ إذ لا وجه يقتضي في المماثلة المساواة من كل وجه حتى في الزمان والمكان حتى يتم له دعوى اختلافها كلها لعدم اتفاق المساواة من كل وجه.
الموضع الثالث: في كونها غير مقدورة للعباد، ولا خلاف في ذلك إلا للمفوضة والباطنية، لنا ما سيأتي من أن قدرة العبد لا تتعلق بالجسم، ولا حجة لهم إلا أن الغارس إذا سقى الشجرة أثمرت، ويبطله أن ثمرها لو كان من فعله لوقف في وقته وجودته على اختياره، والمعلوم خلافه.
الفصل الثاني في الجوهر الفرد
الجوهر في اللغة: أصل الشيء يقال: جوهر هذا الثوب جيد أي أصله من القطن، وفي العرف: أحجار مخصوصة لها صفاء ونور، وفي اصطلاح المتكلمين هو المتحيز الذي لا يمكن تجزؤه، وقد اختلف في ثبوته، وقد عرفت ما رواه الشرفي من إجماع العترة المتضمن لنفيه، وأثبته المعتزلة ولم أقف على خلاف بينهم في إثباته، وتبعهم على ذلك الإمام المهدي عليه السلام وغيره من أصحابنا، وظاهر كلام الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام أنه لم يثبته إلا بعض المعتزلة، وقد أبطل أئمتنا" دعوى المعتزلة لثبوت الجوهر من وجوه:

أحدها: أنه لا يعقل، وبيان ذلك أنهم قالوا: الشيء إذا كان له أربع جهات فهو جسم، وإن كان له ثلاثاً فهو سطح، وإن كان له جهتان فهو خط، وإن كان له جهة واحدة فهو الجوهر الفرد، ونحن نقول هذه الجهة لا بد أن تكون أحد هذه الأربع الجهات، وما ثبت له أحدها ثبت له باقيها، فما ثبت له فوق ثبت له تحت، وما ثبت له تحت ثبت له قدام، وما ثبت له قدام ثبت له خلف، ولا يعقل شيء يكون له فوق مثلاً ولا يكون له تحت ولا قدام ولا خلف.
قلت: في هذا الإيراد نظر فإنهم لا ينفون ثبوت الجهات له، وإنما اختلفوا في كونها راجعة إليه أو إلى غيره.
فقال (أبو علي) و(أبو القاسم البلخي) و(القاضي): هي راجعة إلى غيره، على معنى أنه لا يحكم بأن له جهة حتى ينضم إليه غيره لتكون جهة يساره أو يمينه مثلاً طرف ذلك المنضم إليه وهو غيره، فلم يعقل له جهة إلا بذلك الغير، فصح أن ثبوتها له كان بذلك المنضم، وإنما قالو بهذا فراراً من صحة تجزئه، وذلك أنهم قالوا: إنه لو فرض ثبوت الجهات له في نفسه استلزم تجزؤه؛ لأن اليمين غير الشمال، وكذلك سائرها.
وقال (أبو هاشم): هي راجعة إليه في نفسه ولم يقل: ليس له إلا جهة واحدة، بل أثبت له ست جهات كما في رياض الأفهام، وكذلك أبو علي ومن معه فإنهم يثبتون له ست جهات، لكنهم يقولون هي راجعة إلى غيره، وإنما تتصور لنا بالانضمام إلى غيره فانظر(دامغ الأوهام) ولم أقف على القول بأنه ليس له إلا جهة واحدة لأحد من العلماء، فتنبه.

وقد تنبه لما في هذا الوجه من الوهم في تفسير مقاصد القائلين بالجوهر السيد العلامة المحقق أحمد بن محمد لقمان رحمه الله، فإنه قال بعد أن حكى الوجه الذي ذكرناه في الرد لكلام المعتزلة ما حاصله أنهم إنما يريدون بقولهم إن له جهة واحدة أن تلك الجهة باعتبار ما يكون فيه من الجسم؛ لأنه عندهم جزء من الجسم لطيف لا ينقسم، فدل على أنه ليس في جهتين من الفراغ، وإلا لقبل القسمة، وكان في جهة واحدة لئلا يكون عدماً محضاً، وأما أن له أربع جهات منفصلة عنه ممتازة عنه على حد امتيازها من الجسم، فذلك مما لا ينكر، فظهر لك أن معنى قولهم غير شاغل للحيز من ثلاث جهات أنه إذا كان في جهة فوق مثلاً كان في جهة تحت ويمنة ويسرة فراغاً؛ إذ لا جزء معه فيها، وإلا لقبل القسمة إليه، والمعروف خلاف ذلك، قال: وكون في الأجسام ما لا يقبل القسمة لا ينكره العقل، وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد، فتأمل. والله أعلم.
قلت: وقوله إن له أربع جهات تبع فيه إثباتها في قول الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الأساس إنهم أثبتوا ما لا يعقل، وهو قولهم بالجوهر غير مانع للحيز من ثلاث جهات دون الرابعة، وقد عرفت مما سبق أنهم يثبتون له ست جهات، وإنما اختلفوا هل ثبوها له لنفسه أو بانضمامه إلى غيره، مع أنهم لم يحدوه بأنه ما يشغل الحيز من جهة واحدة فقط، وإنما حدوه بما مر.
الوجه الثاني: من الوجوه التي يبطل بها ثبوت الجوهر أنه لم يرد به عقل ولا سمع، بل القول به بدعة في الدين، ولا طريق إليه إلا التوهم لأقل ما يمكن أن ينقسم إليه الجسم؛ إذ العقل يقصر عن إدراك أجسام الملائكة وغيرهم من الخلق فضلاً عن إدراك جزء لا يقبل القسمة.
قلت: هذا الوجه مبني على أنه لا دليل عليه، وللخصم أن يقول: أما من السمع فمسلم أنه لا دليل عليه، ونحن نسلم أنا لا ندركه بالمشاهدة للطافته، لكنا لا نسلم أن العقل لا يدركه، بل هو يدركه كما ذكره ابن لقمان.

الوجه الثالث: أن أقوالهم متناقضة فإنهم يقولون: الجوهر أقل الجسم وليس بجسم، وقالوا: إنه يحله العرض وليس بجسم، ونحن لا نعلم الجسم جسماً إلا بجواز حلول العرض فيه، ويجوز أن يقال: كل شيء يحله العرض فهو جسم، ولأنه يستحيل ثبوت طويل لا عرض ولا عمق له وإن قل، ومن المناقضة قولهم: إنه يشغل الحيز وليس بجسم؛ لأن كل شيء يشغل جهة فقد أحاطت بجوانبه الجهة، وما كان له جوانب فهو جسم.
قلت: لهم أن يقولوا: لا مناقضة في كلامنا، أما قولكم إنا قلنا: الجوهر أقل الجسم، فغلط علينا وإنما أقل الجسم عندنا ثمانية جواهر، أو ستة، أو أربعة على حسب الخلاف السابق.
وأما قولكم: إنا ناقضنا بقولنا إنه يحله العرض وليس بجسم، فلا مناقضة إلا لو ثبت أن كل ما حله العرض فهو جسم، ولم يثبت ذلك، وإنما الثابت أن كل ما حله العرض فهو متحيز، فإن قبل القسمة فهو جسم، وإلا فهو جوهر، وإنما ألزمتمونا بمذهبكم وما استندتم إليه من أنا لا نعلم الجسم جسماً إلا بحلول العرض فغلط، فإن الذي يتوقف على حلول العرض حدوث الجسم لا كونه جسماً، وإن كان العرض صفة لازمة للجسم، لكنا نعلمه جسماً على تقدير عدم علمنا بالعرض.
وأما قولكم: إنه يجوز أن يقال: كل شيء يحله العرض... إلخ فدعوى، وأما قولكم إنه يستحيل ثبوت طويل لا عرض له ولا عمق، فإنما توهمتم ذلك من عدم معرفتكم لقصدنا بهذه الأوصاف، فارجع إلى الفصل الأول.
وأما قولكم إنا ناقضنا بقولنا إنه يشغل الحيز وليس بجسم، فإنما ناقضنا لو التزمنا مذهبكم في نفيه.
وعلى الجملة إن هذه المناقضات إنما هي مبنية على دعاوي تدعونها، ونحن لا نسلمها لكم، ومن العجب أنكم تحكون مذهبكم مجرداً عن الدليل، ثم تقولون إنا قد ناقضنا حيث خالفناه، وفي الاحتجاج بمجرد المذهب ما لا يخفى عند أهل النظر. والله الموفق.
الفصل الثالث في الأعراض

والكلام فيها يكون في أربعة مواضع، الأول: في إثباتها، الثاني: في ماهيتها، الثالث: في أجناسها، الرابع: في ذكر ما لا ينبغي جهله من تقاسيمها.
الموضع الأول: في إثباتها
قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام : أما أهل البيت" فلا خلاف بينهم في العرض وثبوته، وأنه مدرك إلا الحركات.
وقال (القرشي): ذهب الجمهور من الناس إلى أن ثم أموراً زائدة على الجسم، وخالف في ذلك بعض الفلاسفة، والأصم، وحفص، وهشام بن الحكم، قال النجري: وهؤلاء المعروفون بنفاة الأعراض، ثم اختلف المثبتون لها في كون العلم بها ضرورياً أم استدلالياً، فقال القاسم بن إبراهيم عليه السلام : وحدث الحركة والزمان، وقرائنهما من الجسم، والصورة، والمكان مما لا ينكره إلا مكابر لعقله.
وقال (الشرفي): العلم بها ضروري؛ لأن كل عاقل يفرق بين المجتمع والمفترق، والمتحرك والساكن تفرقة ضرورية لا تندفع بشك ولا شبهة، قال: والمراد بالعرض الصفة اللازمة للجسم كالاحتراك، والسكون، والاجتماع، والافتراق ونحو ذلك لا الكون الذي هو المعنى الذي يزعمه بعض المعتزلة.

وقال الإمام (عز الدين) عليه السلام ما معناه: إن إبطال مذهب نفاة الأعراض لا يحتاج إلى بسط دلالة لضعفه، وقال الإمام المهدي عليه السلام : إن خلاف النافين لها إن كان في نفي أمر زائد على الجسم لا معنى، ولا صفة، ولا أمر اعتباري، وأنما ثم إلا مجرد الجسم، فقد خالفوا الضرورة قطعاً، فإن الجسم إذا كان ساكناً ثم احترك فإنا نعلم ضرورة التفرقة بين الحالين، فلو لم يكن ثم شيء سوى الجسم لم يفترق الحال، وإن خالفوا في كونه يسمى غير الجسم مع تسليم زيادته، فإن جعلوا له حكم الذات فخلافهم لفظي يعني مع أهل المعاني، وإن جعلوا له حكم الصفة فكقول أبي الحسين ومن معه، وإن أثبتوه أمراً اعتبارياً لا ثبوت له في الخارج، بل كالأمور المعقولة التي هي منفية في الخارج، فهذا مذهب مستقل، ولنا في الاحتجاج على إثباته أمراً له ثبوت في الخارج طريقان:
أحدهما: أن ندعي الضرورة كما مر في حركة الجسم بعد السكون.
الثاني: ما ذكره الرازي من أن الجسم إذا لم يكن متحركاً ثم احترك، فتبدل الحالين عليه مع بقائه معلوم بالحس، فالمتبدل غير المستمر الذي هو ذات الجسم وليس بنفي لأن المرجع به إن كان إلى نفي أمر ثبوتي كان الجسم علته، وفي ذلك غرضنا من أن في الجسم أمراً ثبوتياً زائداً عليه، وإن كان المرجع به إلى نفي أمر غير ثبوتي لم يصح؛ لأن ما لا ثبوت له لا يعقل نفيه، ثم إن نفي النفي إثبات فيلزم أن في الجسم أمراً ثبوتياً زائداً عليه، هذا حاصل ما ذكره الإمام عليه السلام .

ثم قال: إن الرازي جعل ذلك استدلالاً، وليس كذلك، بل هو من باب إلحاق التفصيل بالجملة؛ لأن مقدمتيه ضروريتان، فالعلم الحاصل عنهما غير متولد عن النظر، بيانه أنا نعلم ضرورة أنه إذا احترك الجسم أنه حدث أمر لم يكن، ونعلم ضرورة أن ذلك الحادث ليس الجسم لأنه كان موجوداً ضرورة، فحصل من هذين العلمين العلم بأن ذلك الحادث زائد على الجسم، وهذا ليس بضروري، بل دعا العلمان الأولان إلى إيجاب اعتقاده فصار علماً لحصوله عقيبهما، فثبت أن إثبات العرض أمراً زائداً ثبوتياً إما ضرورياً، أو من باب إلحاق التفصيل بالجملة.
قلت: وقد استدل الذاهبون إلى أنه استدلالي بأدلة:
منها: أن الأجسام اتفقت في الجوهرية والتحيز والوجود، ثم افترقت في الحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق، فلا بد أن يكون ما افترقت فيه أمراً زائداً على ما اتفقت عليه، وإلا كانت متفقة مختلفة في أمر واحد وهو محال.
ومنها: أن الأجسام متماثلة، وحصولها في الجهات متضاد؛ إذ لا يمكن أن يكون الجسم الواحد في وقت واحد في جهتين، ولا يمكن صرف تلك الاستحالة إلا إلى التضاد، ولا شك أن المتضاد غير المتماثل.
ومنها: أنا إذا حركنا الجسم بعد سكونه علمنا ضرورة أنه قد حصل أمر لم يكن، ومحال أن يكون هو الجسم؛ لأنه غير مقدور لنا لما مر ولأن هذا الجسم الذي حركناه موجود قبل التحريك، وإيجاد ما هو موجود وحاصل محال، فلا بد أن يكون هذا الأمر الحاصل غير الجسم.
ومنها: اتفاق العقلاء على حسن أمر السيد عبده بمناولة الكوز، ونهيه عن ذلك، وعلقوا مدحه وذمه بالامتثال وعدمه، وكل ذلك إما أن يتعلق بنفس الكوز، وهو باطل لما مر، أو بأمر زائد وهو المطلوب.
ومنها ما ناظر به أبو الهذيل حفصاً.

قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام : ذكر الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى عليه السلام في كتاب النجاة أن أبا الهذيل ناظر حفصاً من أصحاب بشر بن المعتمر وقد نفى الحركات، فقال له أبو الهذيل: أخبرني كم حد الزاني؟ قال حفص: مائة جلدة، قال: قال أبو الهذيل: فكم حد القاذف؟ قال حفص: ثمانون، قال أبو الهذيل: فأخبرني هل الجلد هو الجلاد؟ قال حفص: لا، قال أبو الهذيل: فهل هو جنب المجلود؟ قال حفص: لا، قال: فهل هو السوط؟ قال: لا، قال أبو الهذيل: فأرني لا شيء زاد على لا شيء عشرين، قال: فانقطع حفص ولم يجد جواباً، وقد روى هذه المناظرة القرشي وذكر أنها مع الأصم، ولفظه أنه قال: كم يزيد حد الزاني على حد القاذف؟ قال: عشرون جلدة، قال: فهل هذه العشرون هي الجالد أم المجلود، أو السوط، أو الهواء، أو الأرض؟ قال: لا واحد من ذلك، قال: فما هي؟ قال: لا شيء، قال: فكأنك تقول: لا شيء يزيد على لا شيء بعشرين لا شيء فانقطع، ولعل المناظرة وقعت مع كل واحد منهما.
واعلم أن الذي يظهر أن من الأعراض ما يعلم ضرورة، ومنها ما يعلم دلالة كما ستعرفه عند الكلام على أجناسها، وقد نبه على هذا القرشي، فإنه قال: إن فيها ما يعلم ضرورة على الجملة نحو تصرفاتنا، وتصرفات ما نشاهده، وذلك لأنا نعلم قبح كثير منها، وحسن كثير بالضرورة، وإذا علمنا أحكامها بالضرورة، فكذلك هي؛ لأن أحكامها فرع عليها، وإنما يرجع الاستدلال إلى التفصيل.
هذا وأما النافون للأعراض فلم أقف لهم على حجة إلا قولهم إنه لا يعقل إلا الجسم الطويل العريض الشاغل للمكان، قالوا: ومحال أن يكون ليس بشاغل.
والجواب: مما مر من إنكار الأمور الزائدة على الجسم إنكار للضرورة، مع ما قررناه من الدلالة على إثباتها. والله أعلم.
الموضع الثاني: في ماهية العرض

64 / 329
ع
En
A+
A-