قلت: وقد أوضح هذا الشريف وحققه في حاشيته، وحاصل ما ذكره: أن العالم كالخاتم والطابع، فإنهما مع اشتقاقهما من الختم والطبع اسمان لم يختم به ويطبع، فكذلك العالم مع اشتقاقه من العلم اسم لذوي العلم، أي: يطلق على كل جنس منهم لا على فرد، فيقال: عالم الملك، وعالم الإنس مثلاً، ولا يقال: عالم زيد، وقيل: إنه يطلق على كل جنس مما يعلم به الخالق فيقال: عالم الأفلاك، ونحوها.
قال: فهو اسم للقدر المشترك بين أجناس ذوي العلم وأجناس ما يعلم به الخالق، على معنى أنه كما يطلق على كل جنس منها فيقال: عالم النبات، عالم الإنس مثلاً، فإنه يطلق على مجموعها كما في قولنا: العالم بجميع أجزائه محدث وليس اسماً للمجموع، من حيث هو مجموع وإلا لاستحال جمعه إذ لا تعدد في شيء من المجموعين، ثم استدل على أن الزمخشري أراد هذا بأنه سأل عن فائدة الجمع لا عن صحته، ولو قصد أنه اسم للمجموع لسأل عن صحة الجمع وبأنه أسند الشمول في الجواب إلى الجمع، فلو كان العالم اسماً للمجموع لما كان للجمع مدخل في الشمول.
قال: وحاصل جوابه أنه لو أفرد لربما توهم أن القصد إلى استغراق أفراد جنس واحد أو إلى الحقيقة فدل على تعدد الأجناس بالجمع، وعلى استغراق أفرادها بالتعريف، وهذا معنى ما ذكره ابن المنير.
فإن قيل: العالم لا يطلق على الفرد الواحد من الجنس كزيد، فإذا عرف امتنع استغراقه لإفراد جنس واحد، فإن اللفظ المفرد لا يستغرق إلا أفراداً يطلق على كل واحد منها، وكذا إذا جمع وعرف لم يتناول إلا الأجناس التي يطلق عليها دون أفرادها.

قيل: لما كان العالم يطلق على الجنس بأسره نزل منزلة الجمع حتى قيل: إنه جمع لا واحد له من لفظه كما مر، وقد مر أن الجمع يستغرق آحاد مفرده وإن لم يصدق عليها كما في: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران:134 ] أي: كل محسن، فكذلك العالم يشمل أفراد الجنس وإن لم ينطلق عليها كأنها آحاد مفرده المقدر، وعلى هذا فالعالمون بمنزلة جمع الجمع، فكأن الأقاويل تتناول آحاد الأقوال، كذلك لفظ العالمين يتناول كل واحد من آحاد الأجناس التي لا تحصى، على أن عدم إطلاق اسم العالم على آحاد الجنس إنما هو بحسب الغلبة والاصطلاح، وأما باعتبار الأصل فقال أبو السعود: لا ريب في صحة الإطلاق قطعاً لتحقق المصداق حتماً، فإنه كما يستدل على الله سبحانه بمجموع ما سواه، وبكل جنس من أجناسه يستدل عليه تعالى بكل جزء من أجزاء ذلك المجموع، وبكل فرد من أفراد تلك الأجناس لتحقق الحاجة إلى المؤثر الواجب لذاته في الكل.
وبهذا تم الكلام على ما اختلف فيه أهل الإسلام، مما يتعلق بتحقيق العالم بحسب ما يقتضيه الحال والمقام، وقد تركنا بعض ما ينسب إلى أفراد منهم، إما لعدم الدليل عليه، أو لأنه راجع في التحقيق إلى ما قد حكيناه.
وأما الملاحدة ومن قال بمثل قولهم من الفلاسفة والباطنية وأشباههم فقال السيد حميدان رحمه الله: إنهم يزعمون أن العوالم كثيرة منها عالم العقول التي يزعمون أنها قبل الزمان والمكان، ومنهم من يعبر عن تلك العقول بأنهم الملائكة الروحانيون المقربون، ومنها عالم الأفلاك والأملاك، ومنهم من يعبر عنها بأنها الملائكة الكروبيون، ومنها عالم الطبائع الأربع التي يسمونها العناصر، والأمهات، والإستقصاءات، والأركان، ومنها عالم الكون والفساد وهو الأرض وما فيها مما يحدث ويفنى، ويزيد وينقص، ويحيى ويموت.

قلت: أما ما تضمن من أقوالهم هذه إثبات قديم مع الله تعالى فلا شك في بطلانه، وأما إطلاق العالم على الملائكة والعناصر والأرض وما فيها ونحو ذلك مما علم به الصانع فلم يختص به هؤلاء، بل قد مر أنه قول بعض أئمة الدين.
تنبيه
قد استفيد مما تقدم أن الظاهر في العالمين المذكور في الآية، أن المراد به ما سوى الله تعالى من الموجودات، فتأمل ما حكيناه عن أهل اللغة وغيرهم.
فإن قيل: أليس إضافة الرب إليه تمنع من تناوله لغير ذي الروح، إن قلنا: إنه مشتق من التربية، قيل: لا لما مر أن الرب قد يستعمل لغة بمعنى المصلح، ولا شك أنه لا شيء مما أحدق به نظام الإمكان والوجود من العلويات والسفليات، والحيوان والجمادات، إلا وهو بحيث لو فرض انقطاع التربية عنه إناء واحد لما استقر به القرار، ولا انتظم في سلك الهلاك والبوار.
وقد ذكر العلماء رحمهم الله: من وجوه التربية لأصناف العالم ما يرشدك إلى القطع بشمول الربوبية لكل صنف ولكل جزء من أجزاء العالم، وإذا أردت الوقوف على شيء من ذلك فعليك بتفسير الرازي، وكتاب الجواهر لبعض علماء العصر الحاضر.

المسألة السابعة عشرة المتعلقة بقول الله تعال‍ى: {الحمد لله رب العالمين}

أنواع العلم

أنواع العالم
قد اختلف في ذلك، فمنهم من قسمه إلى جسم وعرض فقط، ومنهم من زاد الجوهر الفرد، وهم بعض المعتزلة ومن تبعهم من الأئمة وغيرهم من الزيدية، وهؤلاء يقولون: العالم إما أن يكون متحيزاً أو صفة للمتحيز، والمتحيز إما أن يقبل القسمة أو لا.
الثاني: الجوهر الفرد، والأول إما أن يقبلها من جهة الطول فهو الخط، أو من جهة الطول والعرض فهو السطح، أو من جهة الطول والعرض والعمق فهو الجسم، وأما ما كان من صفة للمتحيز فهو العرض.
فهذه ثلاثة أقسام، ولنفرد لكل واحد منها فصلاً نأتي فيه بما لا ينبغي جهله مما يتعلق به.
الفصل الأول: في الجسم، والثاني: في الجوهر، والثالث: في العرض، وقد أثبت الرازي قسماً رابعاً لا يكون متحيزاً ولا صفة لمتحيز وهي الأرواح، ومقصوده بها الأجسام اللطيفة كالملائكة، والجن، والشياطين، وسيأتي إبطال كون هذه خارجة عن الأقسام السابقة عند الكلام على ماهية هذه الأجناس، والظاهر أنه إنما أورده على جهة الحكاية عن حكماء الفلاسفة، لأنه قسم هذا القسم إلى سفلي كالجن والشياطين، وإلى علوي، ثم قسم العلوي إلى ما لا يتعلق بالأجسام كالأرواح المطهرة، يعني الملائكة، وإلى ما يتعلق بها وهي الأرواح الفلكية، وهذا لا يقول به مسلم إن أراد بالأرواح الفلكية الأرواح المتعلقة بالنجوم على، رأي من يزعم أنها حية ناطقة عالمة قادرة، وسيأتي توضيح بطلانه، وقد أشار القرشي إلى أن الفلاسفة يثبتون قسماً ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز، وقد شرح ذلك الإمام عز الدين عليه السلام ووضحه فقال: إنهم قسموا الأشياء إلى حال لا يقوم بنفسه وهي الأعراض، وإلى قائم بنفسه تحله الأعراض وهي الأجسام، وإلى قائم بنفسه يؤثر في الأجسام وهي النفوس، وإلى قائم بنفسه يؤثر في النفوس وهي العقول، وإلى قائم بنفسه يؤثر في العقول وهي العلة الأولى، فأثبتوا قسمين زائدين على الأجسام والأعراض والعلة التي هي عندهم الإله.

قلت: وهذه الأشياء غير محدثة عندهم، وقد مر أنهم يطلقون على العقول ونحوها لفظ عالم، فيقولون: عالم العقول، فدل على أنهم قد أثبتوا في العالم قسماً ليس بالمتحيز ولا صفة له، فيصح حملنا لكلام الرازي على الحكاية عنهم والله أعلم.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول:
الفصل الأول في الجسم
والكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: الأول: في حقيقته، الثاني: في تماثل الأجسام، الثالث: في كونه غير مقدور للعباد.
الموضع الأول: في حقيقته
قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام : الجسم سمي جسماً لطوله وعرضه وعمقه، والعرب تسمي ما زاد في الطول والعرض والعمق جسيماً، فيقولون: فرسي جسيم، وأجسم من فرس فلان، أي: أنه بالغ في ما له سمي جسماً، وهو هذه الثلاثة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}[البقرة:247]، وقول الشاعر:
وقد علم الحي من عامر .... بأن لنا ذروة الأجسم
ثم ذكر أن علامات الجسم أن يكون طويلاً، عريضاً، عميقاً، محدوداً بالجهات الست التي هي فوق، وتحت، وقدام، وخلف ويمين وشمال.
قال عليه السلام : فما كان بهذه الصفات فهو جسم، وما لم يكن بهذه الصفات فهو عرض، ولا واسطة،وهذا هو ظاهر مذهب القدماء من آل محمد"، كما تفيده حكاية السيد حميدان، والشرفي عن أئمة العترة".
قال (الشرفي): اعلم أن مذهب أئمة العترة"، أن جميع ما يشاهد من العالم لا يخلو من أن يكون محلاً لغيره، أو حالاً في غيره، فالمحل هو الجسم، والحال هو العرض، والعرض صفة، والجسم موصوف.
قلت: والمراد من أئمة العترة" قدماؤهم، إذ خلاف بعض المتأخرين معلوم.
واعلم أنه يقرب من قول الأئمة في حقيقة الجسم، قول الكرامية أنه ما يقوم بذاته، وهو قول النظام والصالحي.

قال في (المعراج): فالجوهر الواحد عندهم جسم، وقال الإمام المهدي، وبعض المعتزلة: الجوهر ما يصح تحيزه عند وجوده ويستحيل تجزؤه، فإن انظم إليه جوهر آخر، أو جواهر في سمت الناظر فخط تشبيهاً بالخط في أصل اللغة، وهو في أصلها أن يفعل مثل صورة الألف من دون ضم متحيز إلى متحيز له جرم ناشز على ما وضع عليه، نحو: أن يخط في التراب أو بالمداد، لا أن يضم حجراً على حجر أو نحوه حتى يصير بصورة الألف، فإنه لا يسمى خطاً.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وهذا معلوم عن أهل اللغة بالنقل المتواتر، ولا فرق بين أن يكون في سمت الناظر، أو عن يمينه، أو شماله، أو عرضاً فإنه في كل ذلك يسمى خطاً، يعني عند أهل اللغة، والخط في عرف اللغة: الخط بالقلم على الوجه المخصوص المتعارف.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : قيل ولا يحتاج أن يقال في سمت الناظر بل يكون طولاً، وإن لم يكن في سمته وهو الأولى، وإلا لزم إذا لم يكن في سمته أن يخرج عن كونه طولاً، فإذا تحول عن مكانه فسامته أن يصير طولاً، ولأنه يلزم أن يخرج ذلك الإئتلاف عن كونه طولاً، وعرضاً، وعمقاً، فماذا يكون فإنه لا قسم زائد.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : فإن اجتمعت أربعة جواهر مربعة، فالمتكلمون يسمونه سطحاً، تشبيهاً بالسطح اللغوي، وهو سقف المنزل، لأن الأغلب تربيعه وأنه طبقة رقيقة فشبهوا به لتربيعه ورقته ما لا عمق فيه، قالوا: فإن ارتحل هذه الأربعة المربعة مثلها، صارت الثمانية جسماً لغة واصطلاحاً، وقد عرفت مما سبق أن تسميتهم لما ذكر بالخط والسطح مجرد اصطلاح، وقد ذكر ذلك الإمام المهدي عليه السلام .
واعلم أن هذه الثمانية هي أقل ما يسمى جسماً عند الإمام المهدي، وأكثر البصرية.
وقال (أبو الهذيل): بل أقله ستة جواهر متراحلة.
وقال (أبو القاسم البلخي): بل أقله أربعة أحدها فوق أحد الثلاثة، ليكون عمقاً.

وقالت (الأشعرية): بل أقله اثنان إذ الجسم هو المؤلف وقد حصل التأليف باثنين.
احتج الأولون بأن الجسم في اللغة ما اجتمع فيه الطول، والعرض، والعمق، فالطول الخط، والعرض السطح، ويسمى صفيحة تشبيهاً بصفيحة السيف للرقة، والعرض والعمق وائتلاف الجوهرين أو الجواهر من أعلى إلى أسفل مع حصول الصفيحة.
قالوا: ومجموع هذه الثلاثة إنما يحصل بالثمانية إذا ركبت على الهيئة التي ذكرنا، ليكون اثنان طولاً، واثنان عرضاً، وأربعة عمقاً، ومن ثم إن العرب يقولون: هذا أجسم من هذا لما زاد في ذلك.
واعلم أن هذه الدلالة مبنية على ثلاثة أصول، الأول: أن الجسم يتألف من جواهر لا من غيرها، وهو مذهب الأكثر، وخالف ضرار بن عمرو، والنجار فقالا: بل هو مركب من أعراض ألفت فصارت جسماً يحتمل الأعراض، وإنما يتركب من الأعراض التي لا تخلو الأجسام منها، كالألوان، والطعوم، ونحوها.
قال (ابن متويه): وكأنهم خصوا بذلك الأعراض الباقية عندهم، وقد أجيب بوجهين:
أحدهما: أن هذه الأعراض متضادة، فكيف يتركب منها ما هو متماثل.
الثاني: أَنكم إن أردتم باجتماعها تجاورها لزم تحيزها إذ لا يعقل التجاور إلا في متحيز، فيبطل كونها أعراضاً، وإن أردتم حلولها في محل واحد، لزم تحيزها أيضاً وإلا لما تعاظم بها ذلك المحل، لأن التعاظم فرع التحيز، وإن أردتم حلول بعضها في بعض فأبعد، إذ لا يحل المعنى في المعنى.

الأصل الثاني: أن ما تركب من دون الثمانية فأهل اللغة لا يسمونه جسماً، فالذي يدل على ذلك أنهم وضعوا لفظ الطول، والعرض، والعمق، لمعان غير المعنى الذي وضعوا له لفظ الجسم، فيقولون: جسم طويل، جسم غليظ، وهو معنى العمق، والصفة غير الموصوف، أو جار به مجرى الغير، ألا ترى أن الكرم غير المتصف به في قولنا: زيد كريم، ولو اتحد المعنى لكان معنى قولنا: زيد كريم، وجسم طويل، معنى قولنا: زيد زيد وجسم جسمن والمعلوم خلافه فإنه يدل على معنى زائد على معنى الموصوف، ولما علمنا أن الطويل في لسانهم عبارة عن التحيز الممتد في سمت الناظر امتداداً زائداً على غيره، لم يكن بد من تمييز أقله إذ لا حد لأكثره، فنظرنا فوجدناه ما إذا نقص في تركيبه بطل امتداده في الجهة وخرج عن كونه طويلاً إذ تقديره بفوق ذلك، تحكم صرف لا يدل عليه عقل ولا سمع، وكذلك نقول في العرض، وهو الإمتداد عن يمين الناظر وشماله فأقله ما إذا نقص منه بطل ذلك الإمتداد لما مر، وكذلك العمق، وهو الإمتداد إلى أعلى جهة فأقله ما إذا نقص بطل ذلك الإمتداد والوجه واحد، ولا حد لأكثرهما كالطول.
الأصل الثالث: في كون ذلك يبطل أقوال المخالفين، فأما قول أبي الهذيل فلأنه قد أخل بالعرض؛ لأنه لم يثبته إلا من أحد الجانبي،ن وما هذا حاله لا يسمى عريضاً في اللغة.
وأما (أبو القاسم): فلأنه أخل بالعمق إذ لا يسمى عميقاً إلا ما كان عمقه من جميع جهاته، وإنما بطل قولهما بما ذكر لأنهما يوافقان في أنه لا يسمى جسماً إلا ما جمع الثلاثة الأوصاف.
وأما (الأشعرية): فيبطل قولهم بما مر من أن العرب لا تسمي جسماً إلا ما ذكرنا، والمسألة لغوية وبأنه يلزمهم أن يستوي لفظ جسم، وطويل. ونحوه لوجود التأليف، فلا يصح الوصف بها والمعلوم خلافه.

63 / 329
ع
En
A+
A-