إطلاق صفات الفعل على الله تعالى في الأزل بالقوة، كما حكاه ابن أبي الحديد عن المتكلمين، وقرره الإمام محمد الفوطي عليه السلام إلا أنه شرط التعريف كما مر، وظاهر كلام الإمام القاسم بن محمد والمتكلمين عدم اشتراطه. والله أعلم.
قلت: ظاهر ما في الأساس وشرحه والغاية وشرحها أنه لا نزاع في جواز اشتقاق اسم الفاعل باعتبار ما سيوجد، وإنما الخلاف هل يكون ذلك حقيقة أم لا، وسيأتي الكلام في ذلك، وغرضنا هنا تحقيق جواز إطلاق صفات الفعل على الباري تعالى في الأزل باعتبار القدرة عليها، والتمكن منها إما حقيقة كما حققه الإمام محمد بن القاسم عليه السلام ، وإما مجازاً، فقد ورد بها السمع ولم يقيد إطلاقها باعتبار أنه قد فعل أو أنه فاعل الآن، بل قرنها بصفات الذات، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ}[الإخلاص:2 ]فقرن الصمد بالأحد وهو تعالى متصف بالوحدانية في الأزل، فكذلك الصمد، والقرينة عقلية، ولو قيل: إنه متصف بالوحدانية أزلاً دون الصمدية لكان في الكلام إلغاز، وتلبيس لا يجوز من الباري تعالى فعله.
إذا عرفت هذا وتبين لك الفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال على الجملة فنقول: قد اختلف في رب هل هو صفة ذات أم صفة فعل؟ فقال الإمام المهدي عليه السلام : قال أصحابنا: الرب صفة ذات أي مالك يقال: رب الدار أي مالكها، وإذا كان بمعنى المالك والمالك بمعنى القادر فهو صفة ذات.
قال (النجري): وحينئذٍ فتكون الربوبية ثابتة في الأزل؛ إذ المرجع بها إلى القادرية وليست بصفة فعل.
وقال الإمام القاسم بن محمد عليه السلام : هو صفة ذات، لكن لا بمعنى قادر، بل باعتبار كون المربوب له تعالى وهو حقيقة عنده عليه السلام لما مر، وقال المرتضى، وأبو القاسم، البلخي واختاره الشرفي: بل هو صفة فعل، وهو ظاهر كلام الرازي وأبي السعود.
احتج الأولون بأنه قد ثبت أنه بمعنى مالك، ومالك سيأتي أنه بمعنى قادر، والدليل على أنه بمعنى مالك أنه لا يسمى به على الإطلاق إلا الله تعالى، فيقال: قال الرب، ولا يقال لمالك العبد هذا الرب اتفاقاً، ولو كان مشتقاً من التربية لجاز إطلاقه في غيره تعالى؛ لأن التربية تعم صحة الوصف بها كل من ربا غيره، وأيضاً لو كان مشتقاً منها لكان وصف الوالد بأنه رب الولد أولى من وصفه بأنه رب العبد، والمعلوم خلافه، فصح أنه ليس بمشتق من التربية، وإنما هو بمعنى مالك، ورد بأنا لا نسلم أن مالكاً بمعنى قادر لما سيأتي.
احتج الإمام القاسم أما على أنه ليس بمعنى قادر، فلما سيأتي في مالك، وأما على أنه ليس بصفة فعل فلثبوته لمن لم يفعل التربية يقال: فلان رب الدار إذا كان مالكًا لها وإن لم يفعل فيها فعلاً، فصح أنه صفة ذات باعتبار كون المربوب له تعالى فقط لا لغيره، قال: وهو حقيقة قبل وجود المربوب، وهو بناء على أصله في أن خالق ما سيكون حقيقة، وسيأتي الخلاف في ذلك.
احتج المرتضى عليه السلام ومن معه بأن التربية لا تكون إلا بعد وجود المربى، فكانت هذه الصفة متجددة له تعالى، بعد أن لم تكن، والذي يتجدد إنما هو صفات الأفعال لا صفات الذات، ويدل على تجددها أنك تقول: ربيت الصبي إذا قمت بجميع منافعه وتحملت مؤنته، ومنه قول صفوان يوم هوازن: لأن يربني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يربني رجل من هوازن، أي يصير لي رباً بمعنى مربياً، فلما كان الباري تعالى يربي خلقه وينشئه وصف بذلك.
وأجاب الشرفي عما ذكره الإمام القاسم بن محمد عليه السلام من قولهم: فلان رب الدار وإن لم يصنعها بأنه لا بد له من عمل في الدار قليل أو كثير إما بالشراء، أو الغنيمة، أو نحو ذلك.
وأجاب الأولون عن هذه الحجة بما مر من أنه لو كان مشتقاً من التربية لجاز إطلاقه في غير الباري تعالى، وأما كلام صفوان، فقال الإمام المهدي عليه السلام : هو بمعنى التربية حقاً، لكن لا يلزم منه أن يكون الرب مشتقاً منها وإن اتفقت الحروف.
وقال (النجري): بل هو بمعنى مالك أي لا يكون لي مالكاً وسيداً كما يقال رب الدار، قالوا: فبطل قول من يقول إنه مأخوذ من التربية، وصح أنه بمعنى مالك، فإن قيل لهم: أن يبطلوا كون الرب بمعنى مالك بما أبطلتم به كونه من التربية فيقولون لو كان بمعنى مالك لصح إطلاقه على غير الله تعالى كما يصح في مالك لأن الملك يعم.
قيل: قد أجيب بأنه المالك المدبر، ومنه رب العالمين، أي المتولي لتدبير أمورهم، فلذلك لم يطلق على غيره تعالى، وقد ذكر بعضهم أنه ليس بمعنى مالك على الإطلاق، بل الربوبية ملك كامل لا يشبهه ملك في الشاهد، فلذا اختص به الباري تعالى.
قلت: قد ذكر الفقيه حميد في العمدة أن مالكاً وملكاً كرب في عدم جواز إطلاقهما على غيره واشتراط التقييد، قال: إلا أن الحال فيه أظهر، فعلى هذا لا سؤال. روى هذا عنه الإمام عز الدين عليه السلام في المعراج.
فائدة
استعمال الرب على مذهب أبي القاسم أنه من التربية بالنظر إلى الحيوانات حقيقة، لأنها تحتاج إلى مؤنة، وتنتفع، وإلى الجماد مجاز، أشار إلى هذا في الدرر.
المسألة الثالثة عشرة [في وجوه تربية الله للعالمين]
في بعض وجوه تربية الله تعالى للعالمين على القول بأن الرب مأخوذ منها، ومعنى التربية تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً.
اعلم أن من تفكر في وجوه تربية الله تعالى لخلقه علم علماً قطعياً لا شك فيه ولا شبهة أن هذا التدبير العظيم، والتربية اللطيفة لا تكون إلا لقادر عالم رحيم كريم مخالف لجميع أجناس المخلوقات، لأن كل من دبر تدبيراً، أو ربى تربية فإنه لا يقدر على أكثر أنواع التدبير والتربية، فلو كان مدبر العالم، ومربيه من جنس المدبرين والمربين لم يقدر على أكثر هذا التدبير، انظر إلى تدبير خلق الحيوان من أول ما يقع نطفة في رحم أمه كيف صارت تلك النطفة علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم كسيت العظام لحماً، واتصلت بها رباطات وغيرها إلى غير ذلك من تركيب قوة السمع والبصر، وغيرهما مما لو اشتغل إنسان بالتفكر في نفسه لذهل وتحير من هذا الإحكام والتدبير، وقد نبه الله على ذلك في سورة (المؤمنون)، وفي قوله: {يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}[الإنفطار:6].
وفي كلام علي عليه السلام : (عجباً لهذا الإنسان كيف يأكل بعظم، وينظر بشحم) أو كما قال، وله عليه السلام من التنبيه على ما قلنا كلام كثير في نهج البلاغة يدل به على عظيم القدرة، ولطف التدبير، ككلامه في إمساك السموات بغير عمد، وكلامه في خلق النحلة والنملة وغير ذلك، وسيمر بك شيء من ذلك إن شاء الله.
المسألة الرابعة عشرة [اسم الله الأعظم]
قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر سورة آل عمران، وسورة إبراهيم، وغيرهما ولما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة، والافتقار في كل حال، ولذا ورد في أحاديث الدعاء في صلاة الليل كحديث: ((من أذنب ذنباً فذكره فأفزعه فقام في جوف الليل...))، وفيه: ((ثم وضع جبهته على الأرض ثم قال: رب إني ظلمت نفسي ...)) الخبر.
وفي (أمالي المرشد بالله) عليه السلام عن الفضل بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صلاة الليل مثنى مثنى تتشهد في كل ركعتين ثم تضرع وتخشع وتمسكن وتقنع بيديك ترفعهما إلى ربك تقول: يا رب يارب فمن لم يفعل ذلك فهي خداج)).
المسألة الخامسة عشرة [معنى العالمين]
{الْعَالَمِينَ}جمع عالم، وقد تقدم الكلام على أقسام (أل)وذكرنا ثمة أنهم اختلفوا هل هي حقيقة في الاستغراق أم في غيره، وحققنا اختلاف العلماء في اسم الجنس المعرف باللام مع عدم القرينة المعينة لأحد الأقسام هل يحمل على العموم أم لا، وكما اختلفوا في المفرد فقد اختلفوا في الجمع المعرف باللام المذكورة كالمؤمنين والعالمي،ن وكذلك الجمع المعرف بالإضافة نحو: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}[النساء:11 ]ومثله اسم الجمع كالناس، والقوم، والنساء، فقال الجمهور: هي للعموم ما لم يتحقق عهد أو نحوه، واحتجوا بوجوه:
أحدها: التبادر عند الإطلاق فإن المتبادر من الآية الكريمة ونحوها العموم، فإنه تعالى رب العالمين كلهم ومالكهم، وكذلك من قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}[النساء:11]، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}[البقرة:21 ]وأيضاً فإن الصحابة فهموا العموم من حديث: ((الأئمة من قريش)) لما احتج به أبو بكر على الأنصار؛ إذ لو لم يكن للعموم لم تقم الحجة على الأنصار بكون بعض الأئمة من قريش، ومن تتبع استدلال العلماء بعموم الآيات والأخبار علم أنهم لم يستندوا في عمومها إلا إلى ما فهموه من الصيغة، لا إلى أمر آخر.
الوجه الثاني: صحة الاستثناء كما في المفرد.
الوجه الثالث: صحة التأكيد بأجمعين، فلولا أنه للعموم لما صح ذلك؛ إذ فائدة التأكيد فائدة المؤكد.
الوجه الرابع: أن الجمع ونحوه إذا عرف بلام العهد شمل المعهودين لفقد المخصص، فيجب مثله في تعريف الجنس لهذه العلة مثال لام العهد قول القائل بعد أن ذكر رجالاً مخصوصين، ووصفهم بأوصاف حسنة: أكرم الرجال، فإنه ينصرف إلى المتقدم ذكرهم جميعاً إلا لمانع، وقال أبو هاشم: بل هو للجنس الصادق ببعض الأفراد من الجماعات كما في تزوجت النساء، وملكت العبيد، لما مر له في المفرد من أنه المتيقن ما لم تقم قرينة على العموم كما في هذه الآية: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ...} [النساء:11 ]الآية، والجواب: يؤخذ مما مر.
وقال الجويني: هو للعموم ما لم يحتمل العهد؛ لأنه مع احتماله يكون متردداً بينه وبين العموم فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة، وأجيب بمنع التردد، بل المتبادر العموم كما مر.
فرع
قال الأكثر من القائلين بالعموم الجمع المعرف باللام أو الإضافة، وكذلك اسم الجمع المعرف كالمفرد في شمول الآحاد، وعليه أئمة التفسير في نحو: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }[المائدة:93] فإن المراد كل فرد، وكذا: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}[الأحزاب:35]، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ}[آل عمران:108 ]وغيرها ولصحة استثناء المفرد بلا خلاف في نحو: جاءني العلماء إلا زيداً مع امتناع جاءني كل جماعة من العلماء إلا زيداً على الاستثناء المتصل.
قال في (شرح الجمع): وقد تقدم قرينة على إرداة الجموع نحو رجال البلد يحملون الشجرة أي مجموعهم.
المسألة السادسة عشرة [في تعريف العالم]
في العالم ما هو والخلاف فيه بين أهل الإسلام والملاحدة، فأما أهل الإسلام فاختلفوا هل هو اسم لكل موجود سوى الله تعالى، أم لصنف من الأصناف؟ فقال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام ، والإمام عز الدين عليه السلام : العالم اسم لكل موجود سوى الله، وهذا مروي عن ابن عباس، وقتادة، واختاره أبو حيان في النهر، والقرطبي، وأبو السعود وغيرهم، واحتجوا بأنه مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده.
قال (الخليل): العلم بفتح الفاء والعين والعلامة والمعلم ما دل على الشيء، والعالم دال على خالقه.
وقال (الجوهري): العالم الخلق، قلت وفيما ذكرناه عن أهل اللغة رد على الإمام المهدي عليه السلام حيث خص إطلاق العالم على السماوات والأرض، وما بينهما من الحيوانات والجمادات بالاصطلاح دون اللغة، وقال ابن جرير: هو اسم لأصناف الأمم كل صنف منها عالم، وأهل كل قرن وزمان من أصنافها عالم قرنه وزمانه، واستشهد بقول العجاج:
فخندف هامة هذا العالم .... فجعلهم عالم الزمان خندف
ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:165] أي من الناس فجعل الصنف عالم.
وقال جرير بن الخطفي:
تنصفه البرية وهو سام .... ويضحى العالمون له عيالا
ويدل عليه أيضاً قول زيد بن علي عليه السلام لله تعالى أربعة عشر ألف عالم، الجن والإنس منها عالم واحد، فجعل كل صنف عالم، ومثله قول أبي العالية: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم، خلقهم لعبادته.
قلت: وهذا له حكم الرفع، وقد روى روايات مختلفة عن السلف يتحصل منها الدلالة على أن كل صنف عالم، وقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن جريج: العالمون الجن والإنس لقوله تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً}[الفرقان:1]، ولم يكن نذيراً للبهائم، وهذا مروي عن ابن عباس.
وقيل: هم المكلفون، واختاره أبو حيان في البحر لقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}[الروم:22 ]والقراءة بكسر اللام توضح ذلك، ويؤيده قول الفراء، وأبي عبيدة، وهما من أئمة اللغة، العالم عبارة عمن يعقل وهم الجن، والإنس، والملائكة، والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم لأن هذا الجمع إنما هو لمن يعقل خاصة.
وقيل: إنه اسم لأولي العلم، وتناوله لما سواهم بطريق الإستتباع.
وقيل: أريد به الناس فقط لقوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ}[الشعراء:165 ]أي: من الناس ولاشتمال كل واحد منهم على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض الدالة على الصانع، ولذلك أمر بالنظر في الأنفس، كما أمر بالنظر في الآفاق.
قلت: الآية لا تدل إلا على أن كل صنف عالم، واشتمال كل واحد على ما ذكر إنما يدل على جواز تسميته عالماً مبالغة.
وقال الإمام المهدي عليه السلام : الصحيح أن المراد به كل ذي روح لأن لفظ الرب في قوله تعالى: {رب العالمين} يدل عليه، لأن الرب مشتق من التربية.
قلت: هذا يخالف ما تقدم عنه عليه السلام مما ظاهره أنه ليس من التربية.
قال عليه السلام : وقد يطلق على أهل كل زمان عالم وعالمين، ومنه قوله تعال: {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}[آل عمران:42]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((أنت سيدة نساء العالمين)) فقالت: تلك مريم بنت عمران فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إنما هي سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء العالمين)).
قال عليه السلام : وقد يطلق عالم على جماعة من الناس يقال: جاءني عالم من الناس ونحو ذلك.
قلت: وقد روي من أخباره عليه السلام عن ابن عباس، ففي تفسير القرطبي عنه أنه كل ذي روح دب على وجه الأرض.
وقال السيد (حميدان) رحمه الله: إذا أريد به جملة من يعقل وما لا يعقل فهو السموات والأرض وما بينهما، وإن أريد به من يعقل فالعالمون هم الملائكة والجن والإنس وواحدهم عالم، ويقال لأهل كل عصر عالم.
قلت: والظاهر مما تقدم من الأدلة والشواهد أن العالم قد يطلق ويراد به ما سوى الله تعالى، وهذا هو الذي يريده المتكلمون في الكلام على العالم، وقد يطلق ويراد به جنس أو صنف من أجناس المصنوعات، كما يقال: عالم الإنس، عالم الملائكة، عالم الأفلاك، عالم العناصر، عالم النباتات، إلى غير ذلك، وكل واحد منها يقال له: عالم لأنه مما يستدل به على الصانع المختار، أو لأنه ممن يعقل ويعلم كالمكلفين.
قال (الطبري): والعالمون جمع عالم، والعالم جمع لا واحد له من لفظه كالجيش ونحوه.
وقيل: ليس العالمون جمع عالم لاختصاصه بمن يعقل، والعالم عام فيه وفي غيره، والجمع لايكون أخص من مفرده فهو أسم جمع له، ومحل ذلك كتب النحو فإن قيل: لم جمع قيل: قال الزمخشري: ليشمل كل جنس مما سمي به، قيل: وفيه نظر لما مر من أن استغراق المفرد أشمل، ذكر معنى هذا ابن المنير قال: والتحقيق في هذا وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس ثم يعرف تعريف الجنس أنه يفيد أمرين:
أحدهما: أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة، والآخر أنه مستغرق لجميع ما تحته منها، لكن المفيد لاختلاف الأنواع الجمع والمفيد لاستغراق جميعها التعريف، ألا ترى أنه إذا جمع مجرداً من التعريف دل على اختلاف الأنواع، ثم إذا عرف أفاد استغراق غير موقوف على الجمعية، إذ هذا حكم المفرد، ثم ذكر أن العالم جمع ليفيد اختلاف الأنواع المندرجة تحته من الجن والإنس والملائكة، وعرف ليفيد عموم الربوبية لله تعالى في كل أنواعه.