والجواب: أن يقال لا نسلم أن الطاعات شكر لما سيأتي سلمنا فذلك لا يمنع الوجوب عليه تعالى؛ لأنهم مكلفون بشكره، ولا قدرة لهم على القيام بما كلفوا إلا بالتميكن ونحوه، وإلا كان تكليفاً بما لا يطاق، وإذا كان لابد من التمكين وأنه لو كلفهم مع عدمه لقبح فهو معنة الوجوب، وغاية الأمر أنه يمنع وجوب الثواب والبعث على الله تعالى؛ لأنهم قد استوحوا ما هو في مقابلة طاعاتهم وهو مالك النعم، فيكون الثواب والبعث لأجله تفضل محضاً، ولقائل أن يقول: إنا وإن سلمنا أن الثواب تفضل وأنه لا يجب عليه من حيث أنه جزاء على العمل فإنا نقول إنه وجب عليه؛ لأنه قد أخبرنا ووعدنا به وهو أصدق القائلين ولا يخلف الميعاد، فلو أخل بفعله والحال هذه القبح منه وهو معنى الوجوب، وعلى الجملة إنه لم يظهر لكون الشكر يمنع وجوب الجزاء عليه، وجه بل الظاهر أنه سبب في الوجوب، وذلك أن الله تعالى قد وعد الشاكرين بالزيادة في النعمة، وما وعد به فلا يجوز تخلفه لقبح الخلف، وما قبح الإخلال به فهو واجب، فعلى هذا يكون الشكر سبباً في الوجوب على الله تعالى، ودليلاً عليه لا مانعاً له.
وفي كلام علي عليه السلام ما يدل على ما قلنا، وهو قوله عليه السلام : في الحمد حمداً يكون لحقه قضاءً... إلى قوله: ولحسن مزيده موجباً، فجعل الشكر على وجوب الزيادة.
وأما الأدلة السمعية التي تفيد الوجوب فسيأتي الكلام عليها في مواضعها.
ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام : لا يجري لأحدٍ إلا جرى عليه، ولا تجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحدٍ أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه بحانه فعل حقه على العباد أن تطيعوه وجعل جزاؤهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله، رواه في النهج، وكلامه عليه السلام يدل على أن كون الطاعات شكراً لا يمنع وجوب الجزء الذي قد أخبر به ووعد به، فإن قيل كلامه عليه السلام ليس صريحاً في الوجوب بل فيه ما يقتضي عدم الوجوب وهو قوله: وجعل جزاهم عليه مضاعفة الثواب.
قيل: قد أجاب عن هذا العلامة ابن أبي الحديد رحمه الله، وحاصل ما قاله: إن معناه ليس أخذ من الموجودين بمرتفع عن أن يجري عليه الحق، ولو كان أحد كذلك لكان أحقهم بذلك الباري تعالى؛ لأنه السيد المالك، لكنه سبحانه يستحق عليه أمور فهو في هذا الحكم كأحدنا يستحق ويستحق عليه، وإنما حذف أمير المؤمنين تأدباً من إطلاق الوجوب علىاستحقاق عليه تعالى، ولا يقال: فما بال المتكلمين لا يتأدبون بادبه؛ لأنا نقول هم أرباب صناعة وعلم يحتاج إلى ألفاظ واصطلاح لابد من استعماله للإفهام والجدل بينهم، وأمير المؤمنين لا يحتاج إلى ذلك هنا؛ لأنه لم يرد تعليم هذا العلم، وإنما أراد بيان ما يجب له على رعيته وما يجب لهم عليه، فصح أنه على القول بالوجوب.
قلت: ويؤيده أن الكلام مسوق لبيان الواجب لأمير المؤمنين وعليه، وأنه لما وجب له عليهم واجب وجب لهم عليه واجب، وأن هذه قضية معلومة وهي أنه لا يجب لأحدٍ حق إلا ويجب عليه عليه مقابلة حتى الباري تعالى، ودلالة السياق تبين المجملات وتدفع الاحتمالات، وأما قوله وجعل جزاؤه...إلخ فلا يدل على عدم وجوب الثواب.
قال الشارح: لأنه جعل المتفضل به مضاعفة الثواب لا أصل الثواب.
قال: وليس ذلك بمستنكر عندنا.
فإن قيل: كيف يتفضل بمضاعفة الثواب وعندكم أنه لا يصح الابتداء بالثواب.
قيل: قد أجاب ابن أبي الحديد بأن المراد بالمضاعفة هنا زيادة غير مستحقة من النعم واللذة الجسمانية خاصة في الجنة، فسمى تلك اللذة الجسمانية ثواباً؛ لأنها جزء من الثواب، فأما اللذة العقلية فلا يجوزو مضاعفتها.
قلت: ولعله أراد اللذة العقلية اللذة الحاصلة بالتعظيم والتبجيل.
قلت: وقد صرح أمير المؤمنين عليه السلام بالوجوب على الله تعالى في قوله: أوصيكم بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة علىالله حقكم، رواه في النهج.
قال الشارح: هذا تصريح بمذهب المعتزلة في العدل، وأن من الأشياء ما يجب على الله تعالى من باب الحكمة.
وأقول: يدفع قوله: إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يصرح بالوجوب في الكلام السابق تأدباً، والظاهر أنه مما تركه لتعبيره بما يؤدي معناه إذ لا يشترط في الدلالة علىالقول بالوجوب الإتيان بمادة مخصوصة. والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة [معنى الرب]
الرب في اللغة: السيد، والمالك، والثابت، والمعبود، والمصلح.
قال (أبو حيان): وزاد بعضهم بمعنى الصاحب، وبعضهم بمعنىالخالق، ولا يطلق على غير الله تعالى إلا مقيداً كرب الدار، ورب الدابة، فلا يقال: زيد الرب أو رب خلافاً لأبي القاسم البلخي فيما رواه عنه في الأساس فقال: يجوز إطلاقه على غير الباري تعالى، وإن لم يتقيد بالإضافة؛ لأنه عنده صفة فعل مأخوذ من التربية كما سيأتي له فهو اسم لكل مرب، فكما لا يختص تعالى بقادر ومالك ونحوهما من الاسماء المشتقة كذلك لا يختص برب.
وأجيب: بأنا لا نسلم أخذه من التربية لما سيأتي، وبأن السامع لا يحمله عند الإطلاق على غير الله تعالى، فدل على أنه مختص به تعالى.
قلت: وفي الرواية هذه عن أبي القاسم نظر، فإني لم أقف عليها في القلائد وشرحها، ولا في غيرها من الكتب المعتبرة، بل فيها ما يدل على أنه يمنع من إطلاقه مع عدم التقييد، وذلك أنه لما قال: إنه مأخوذ من التربية ألزموه بأنه لو كان كذلك لما اختص به الباري مع الإطلاق، فلو كان يقول بعدم الاختصاص لما كان لإلزامه بمذهبه فائدة، وقد استشكل الشرفي هذه الرواية عنه فقال: ينظر هل صرح أبو القاسم بذلك، أو أخذ له من قوله في رب أنها صفة فعل مأخوذة من التربية؛ لأنه لا يمتنع اختصاصها بالله سبحانه مع الإطلاق إما بالغلبة، وكثرة الاستعمال، أو بتربية مخصوصة لا يقدر عليها إلا الله تعالى وإن كانت صفة فعل. والله أعلم.
قلت: والظاهر أن قوله لا يمتنع... إلخ علة في عدم صحة المأخذ، فكأنه قال: فإن كان إنما أخذ له هذا القول من قوله إنه صفة فعل، فهو مأخذ ضعيف؛ لأنه لا يمتنع.. إلخ يعني أن قوله إنها صفة فعل لا يمنع اختصاص الباري تعالى بها مع الإطلاق لأحد الأمرين المذكورين عند أبي القاسم. والله أعلم.
نعم قال (القرطبي) في (الصحاح): إن الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك.
قال الحارث بن حلزة:
وهو الرب والشهيد على يـ ـوم الخيارين والبلاء بلاء
ثم قال: إن رب إذا دخلت عليه الألف واللام اختص الله تعالى به؛ لأنها للعهد، وإن حذفتا صار مشتركاً بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد وزيد رب الدار، وكلامه يقتضي جواز الإطلاق مع عدم التعريف مطلقاً ولا يدفعه تمثيله بالمضاف، وفيما حكاه عن الحارث دليل على أن تخصيصه بالله مع التعريف شرعي فقط. والله أعلم.
وفي (تفسير الخازن): أنه لا يقال الرب للمخلوق معرفاً، بل يقال: رب الشيء مضافاً، فإن قيل: ظاهر حديث الصحيحين يمنع من استعماله في غير الله تعالى، ولو مقيداً، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا يقل أحدكم أطعم ربك وضئ ربك ولا يقل أحدكم ربي، وليقل سيدي ومولاي)).
قيل: هذا الحديث مخالف لكتاب الله، فقد أخبر الله عن يوسف أنه قال: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ}[يوسف:23]، وقال: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً}[يوسف:41]، وقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ}[يوسف:50].
وبهذا يظهر لك أنه لا اعتبار بتصحيح أهل الحديث، وما قيل: من أنه محمول على التنزيه فلا وجه له مع ورود القرآن بجوازه.
هذا ولا يخفى أن اشتراط التقييد بالإضافة إنما هو في المفرد، فأما الجمع فيجوز إطلاقه من غير قيد؛ إذ لا يستعمل في الباري تعالى، قال الله تعال: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[يوسف:39].
المسألة الثانية عشرة [هل اسم الرب من صفات الذات أم الفعل]
اختلفوا في هذا الاسم الشريف هل هو من صفات الذات أم من صفات الفعل، ولنقدم قبل ذلك الكلام على الفرق بين صفة الذات، وصفة الفعل على الجملة، ليكون أصلاً يرجع إليه عند اللبس فنقول:
اعلم أن صفات الله تعالى تنقسم إلى ما يرجع إلى ذاته، وإلى ما يرجع إلى فعله، فالصفات الراجعة إلى ذاته هي ما يستحق الوصف بها أزلاً وأبداً، ولا يجوز خروجه عنها في حال من الأحوال، وهي منقسمة إلى أقسام، وهي أن منها ما يرجع إلى القادرية كالجبار، والقهار، والعزيز ونحوها، ومنها ما يرجع إلى العالمية كالحفيظ، والرقيب ونحوهما، ومنها ما يرجع إلى الحيية كالغني، والسميع، والبصير على قول، ومنها ما يرجع إلى الوجود وهو القديم ونحوه، وقد تقدم الكلام على ما يستحقه من الاسماء الراجعة إلى الوجود في قوله بسم الله، وضابط الصفات الذاتية أنه لا يصح نفيها، ولا يدخلها التضاد، فلا يقال: عالم وغير عالم، وأما الصفات الراجعة إلى الفعل، فقال المرتضى، والإمام أحمد بن سليمان: هي ما يدخلها التضاد بأن يصح إثباتها ونفيها نحو خالق ورازق، فإنك تقول: يخلق ولا يخلق، ويرزق ولا يرزق.
وقال الإمام (المهدي) عليه السلام : بل منها ما لا يصح وصفه بنقيضه كالأمانة والذمة والعهد، وهذه ألفاظ مترادفة لمعنى واحد، وهو الوفاء وعدم الخيانة، فذمة الله وعهده مثل أمانته وهو وفاؤه وصدقه، ومنها ما يجوز عليه نقيضه، وهو الكرم والإحسان فإن عقاب أهل النار ليس بكرم ولا إحسان، ومنها ما يرجع إلى الترك كالغفور ونحوه.
قلت: وكلامه عليه السلام لا يخالف كلام الإمامين لأن مرادهما بدخول التضاد من حيث الإمكان والعهد، ونحوه مما يقدر الله تعالى على نقيضه لما مر من أنه قادر على ما لو فعله لكان قبيحاً، وإنما منعت منه الحكمة، ومراد الإمام المهدي عليه السلام بقوله ما لا يصح وصفه بنقيضه أنه يمتنع منه وقوع نقيضه من حيث الحكمة لا من حيث القدرة، وما امتنع وقوعه منه فلا يصح وصفه به، وما كان من صفاته راجعاً إلى الفعل فلا يوصف به في الأزل.
قال الإمام عز الدين عليه السلام : اعلم أن الاسماء المشتقة من الأفعال لا يصح إجراؤها عليه في الأزل فلا يقال: هو خالق في الأزل ونحو ذلك، وقد أجازت النجارية وصفه تعالى بأنه جواد في الأزل قالوا: إذ لو لم يكن جواداً في الأزل لكان بخيلاً.
قال عليه السلام : وقولهم باطل لأن الجواد فاعل الجود، وهو تعالى غير فاعل في الأزل، ولو كان معنى الجواد نفي البخل لصح وصف الجمادات، وكثير من الحيوانات التي لا يتصور فيها البخل بالجود، وهو معلوم الاستحالة، وقد ذهبت الكرامية إلى أن صفات الله تعالى كلها أزلية سواء تعلقت بالفعل كخالق، ورازق، ومنعم ونحوها، أو لم تتعلق به، وهو مذهب كثير من فرق المجبرة. ذكره في المعراج.
قلت: ما تقدم من رواية ابن أبي الحديد عن المتكلمين في مباحث استحقاقه تعالى للحمد يقضي بأنه يصح القول باستحقاقه تعالى لهذه الصفات في الأزل بالقوة، وقد أشار إلى هذا الإمام محمد بن علي الفوط عليه السلام في كتابه(البدر المنير) إلا أنه شرط أن يكون ذلك معرفاً بالألف واللام، ونحن نأتي بكلامه عليه السلام على وجهه، فنقول: قال في الكتاب المذكور يقال: إن الله تعالى الخالق الأزلي، ولا يقال: خالق فيما لم يزل لإيهام اجتماع النقيضين من كون لفظ الخلق يقتضي حدوث المخلوق، وقولك خالق فيما لا يزل يقتضي التقدم من غير تحديد، فيؤدي إلى كون الشيء محدثاً قديماً، وذلك محال، ولأنه يوهم أن مع الله تعالى قديماً غيره، وذلك محال، وكذلك صفات الله تعالى التي اتصف بها لأجل أفعاله تعالى فهو يوصف بها أزلية، باعتبار إمكان ما اتصف تعالى بها لأجله من حدوث ما سيكون من أفعاله تعالى فيقال: لا يزال الخالق الباري، المصور، المحمود الرب، الغفار، الشكور، الصمد، أي المتمكن من فعل هذه الأشياء، ولا يزال متمكناً منها عالماً بكيفية فعلها، أو فعل ما يستحق تعالى منها لأجله كخلق ما يستحق عليه الشكر وإيجاده تعالى الحامد له تعالى من خلقه، ليس أنه تعالى لم يزل فاعلاً للأفعال التي اتصف بهذه الأفعال لأجلها؛ لأن كونها مفعولة يوجب أنها كانت معدومة، وكونها لم يزل متصف بها على جهة وجودها يوجب كونها قديمة، وأصل الكلام للهادي عليه السلام وله فيه بحث بسيط حاصله أن هذه الصفات لا يصح وصف الباري تعالى بها في الأزل مجردة من الألف واللام، فلا يقال: لم يزل محسناً لما في ذلك من إيهام قدم المحسن إليه، بل يقال: لم يزل المحسن التواب، ووجهه والله أعلم أن الألف واللام في هذه الصفات بمعنى الذي، وهو عبارة عن الذات المتصفة بهذه الصفات المتجددة، ولذا قالوا: إن معنى الضارب الذي ضرب أي الذي فعل الضرب وأحدثه، فكذلك إذا قيل: لم يزل المحسن فمعناه لم يزل
الذي أحسن، أي الذي فعل الإحسان وأوجده، أي لم تزل الذات التي فعلت الإحسان، بخلاف ما لو قيل: لم يزل متفضلاً محسناً فإنه يوهم أنه على هذه الصفة في الأزل، وذلك يوهم قدم من وقع عليه الإحسان، إلا أنه عليه السلام ذكر أنه لا يقال: إنه كان غير تواب ونحوه لإيهامه الفضاضة وضد الإحسان، وكذلك يقال: لم يزل المحمود المشكور ولا تجرد من (أل) لما مر، ولا يقال: إنه كان غير محمود ولا مشكور لما فيه من إيهام الذم، وللإمام المهدي محمد بن القاسم الحوثي عليه السلام في هذا بحث مفيد لا بأس بإيراده، وذلك أنه سئل عن صفات الفعل كالمتفضل ونحوه، فقال السائل: إن قلنا إنه لم يزل متفضلاً لزم قدم المتفضل عليه، وإن قلنا إنه كان غير متفضل، فهذا لفظ يوجب الذم، والظاهر أن السؤال مأخوذ من البحث الذي ذكره الهادي عليه السلام .
قال عليه السلام : الجواب أن صفات الله انقسمت إلى قسمين: صفة الذات، وصفة الفعل، وانقسامها باعتبار معانيها، فإن صفة الذات هي الذات من غير اعتبار شيءٍ آخر، يعني أنه لم يكن هناك شيء زائد على ذاته تعالى، وإنما سمي بها من حيث وجوده وحياته وقدرته ونحو ذلك، وصفة الفعل ما ثبت له تعالى من الصفات باعتبار التعلق بشيء آخر كالخالق، والرازق، والصمد، والمتفضل، فإنها باعتبار المخلوق والمرزوق ونحوهما، ولا يمتنع اتصافه تعالى بها في الأزل حقيقة كما هو اختيار الإمام القاسم بن محمد عادت بركاته ومن معه على معنى أنها حاصلة بالقوة وإن لم تحصل بالفعل، وكلا الأمرين حقيقة كما هو المعروف من الوضع العربي في مثل اسم الفاعل فإنه بمعنى الحال، أو الماضي، أوالاستقبال من باب المشترك، فحينئذ فالقرينة إذا نصبت فإنما هي لتمييز أحد المعاني عما سواه، وإن لم تنصب حمل على الإطلاق، وإن كان قد اختار الجمهور في خالق ما سيكون أنه مجاز لعدم حصول المعنى المشتق منه ولافتقاره إلى القرينة، فقد أجيب عنه بأن حصول المعنى المشتق منه ليس بشرط في الوضع، بل من الجائز الوضع باعتبار معنى مستقبل كتسمية السيف صارماً أخذاً من الصرم وهو القطع وإن لم يكن قد حصل، وفي القرينة أنها نصبت للتمييز بين معاني المشترك لا أنها قرينة المجاز، وثمرة الخلاف في كون الوصف قبل وجود المتعلق حقيقة أو مجازاً أن من قال هو حقيقة لم يفتقر إلى السمع، ومن قال: هو مجاز افتقر إلى السمع؛ إذ لا يطلق على الله تعالى من الاسماء إلا ما كان حقيقة، أو ورد به إذن سمعي، والصحيح الأول، ومن هاهنا ارتفع إشكال ما يلزم من إيهام الذم، ويمكن التلفيق بين القولين بأنها إن كانت بالقوة فهي ثابتة في الأزل؛ لأنها بمعنى القدرة مثلاً وهي من صفات الذات، وإن كانت بمعنى الفعل فهي ثابتة بعد أن لم تكن، وقد استوفينا كلامه عليه السلام لما اشتمل عليه من الفوائد، وقد استفدنا منه أنه يقول بجواز