الأولى: ما تقدم في الاستعاذة من أن الحمد ليس إلا على مقدمات الإيمان، ويدل عليه قوله تعالى : { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِْيمَانِ}[الحجرات:17 ]وقول علي عليه السلام : (نحمده على ما وفق له من الطاعة وذاد عنه من المعصية). رواه في النهج، فجعل الحمد على المقدمات لا على فعل الطاعة وترك المعصية، وهاهنا حكاية في ذلك، وقد تقدمت الإشارة إليها، لكنا نأتي بها هنا على وجهها، فقد تضمنت جواباً مقنعاً، وهي ما روي عن أبي معن ثمامة بن أشرس رحمه الله أنه دخل إلى أبي الفضل جعفر بن حرب الهمداني رحمه الله ورجل من المخالفين يكلم بعض أصحاب جعفر، ويقول: إذا كنت تحمد الله على إيمانك فما أنكرت أن يكون إيمانك فعله؛ لأنك إذا حمدته على غير فعله كنت كاذباً في حمدك إياه، وشكرك عنه.
فقال المجيب: أنا إنما أحمده على إيماني على ما رزقنيه من ألطافه، ومعونته بما لولاه لما وصلت إلى الإيمان، فقال السائل: فيجب أن يكون حمدك إياه على تلك الأسباب لا على الإيمان، فقال ثمامة: أما تعرف جوابي في هذه المسألة وغيرها من أمثالها، فقال: لا، فقال ثمامة: فإني أقول إنما أشكر الله تعالى على ما وصلت به إلى الإيمان، فأما نفس الإيمان فإن الله تعالى يشكرني عليه، ويحمدني من أجله، قال تعالى: {فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً}[الإسراء:19]، وقال تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ}[آل عمران:115] فأنا في الحقيقة أحمده على تمكيني منه، وإعانتي عليه، وإيصالي إليه بالقدرة والتأييد.
قال: فتبسم أبو الفضل وقال: لما شنعت المسألة سهلت.
قال بعض المحققين: وأقول إن قول الخصم محال أن يشكر الغير على ما ليس بفعله، إن كان ذلك محالاً فالمحال إنما يفعله الله تعالى لأنه فاعل الشكر بزعمهم كما أنه فاعل الإيمان، وبعد: فعلى مذهبهم ما يفعله الله تعالى أمحل من ذلك؛ لأنه يشكر نفسه على ما ينعم به على العبد، ثم يثيب العبد ويعاقبه على فعل نفسه، ويثيبه على ذلك الشكر الذي يفعله، وعلى الإيمان الذي هو يحدثه، فجميع ذلك بزعمهم فعله وخلقه.
قلت: المراد بشكر الله تعالى للعبيد المدح والجزاء، لا الشكر الذي يكون مكافأة على النعم؛ إذ لا نعمة للعبد على ربه تعالى، وقد مر أن الشكر من الله تعالى الثناء الجميل، والجزاء الجليل عند أهل اللغة.
الجهة الثانية: ما رواه الإمام عز الدين عليه السلام عن قاضي القضاة، وابن الملاحمي، والفقيه حميد، وغيرهم من المتكلمين، وهو الذي يقتضيه كلام المجيب السابق، وهو أنا نحمد الله على الإيمان نفسه وإن كان من فعلنا؛ لأنه في الحكم كأنه من جهته تعالى من حيث أنه أقدرنا عليه، ومكننا منه، وأعلمنا به، ولطف لنا فيه، فصار الحال فيه كالحال فيمن يكسب مالاً في جاه غيره لاختصاصه به، فإنه يحمد صاحب الجاه على ذلك وإن لم يكن وصول ذلك المال إليه منه، وكذلك الحكم فيمن أحسن إلى غيره بماله فاتجر فيه وربح، وتوصل إلى ملاذ ومسار، فإنه يحمد ذلك المحسن على هذه الأمور المتفرعة على إحسانه وإن لم تكن منه لما كانت في الحكم كأنها من جهته.
قلت: وعلى هذا تجوز نسبة الإيمان إلى الله تعالى على جهة المجاز العقلي. والله أعلم.
الوجه الثالث: أن ظاهر قوله الحمد لله يدل على اختصاصه تعالى بالحمد، ولا يكون كذلك إلا إذا كانت كل النعم من الله والإيمان أفضل النعم، فوجب أن تكون من الله تعالى.
والجواب: أنا قد حققنا فيما مضى عدم اختصاصه تعالى بالحمد، مع أن الرازي لا يقول بأن الجنس المعرف للعموم، لكن عادته أنه يورد على خصومه ما ليس بصحيح عنده، وحينئذٍ يبطل هذا الوجه، ثم إنا لا نسلم أن الإيمان نعمة؛ لأنه من فعل العبد، ولا يجوز أن ينعم به على الله تعالى ولا على نفسه لما مر، فوجب أن لا يكون نعمة فلا يشكر عليه، سلمنا أنه نعمة فنقول: هي من الله، وإنما كان نعمة منه تعالى لأنه أقدر عليه، وهدى إليه، فكان في الحكم كأنه من جهته كما مر، فشكر وحمد عليه من هذا الوجه.
المسألة العاشرة [استدلال المجبرة بالحمد لله]
قالت (المجبرة): قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يدل على أنه لا يجب على الله تعالى واجب، وأنه لا يفعل التفضل، وقد قرر الرازي احتجاجهم بهذه الآية في تفسيره، أما دلالتها على أنه لا يجب على الله واجب فلأن الآية قد دلت على استحقاقه للحمد، فلو كان يجب عليه واجب لما كان مستحقاً للحمد؛ لأن من أدى ما يجب عليه فلا يستحق عليه حمداً كمن عليه دين فقضاه فإنه لا يستوجب بذلك حمداً، ووجه آخر وهو أنه إما أن يكون الحمد والمدح ثابتاً له لذاته، أو لا لذاته، إن كان الأول امتنع أن توجب له الأفعال استحقاق المدح؛ لأن ما ثبت لذاته امتنع ثبوته لغيره، وإذا لم يوجب له الفعل مدحاً فلا يوجب له ذماً؛ لأن ما ثبت لذاته لا يرتفع بغيره، وإذا كان كذلك لم يتقرر في حقه تعالى وجوب شيء عليه، وإن كان الثاني لزم أن يكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك محال، وما أدى إليه يكون محالاً، وأما دلالتها على أنه لا يفعل التفضل، فلأنه عند الخصم يستفيد بذلك مزيد حمد؛ لأنه لو لم يصدر منه ذلك الفعل لما حصل له ذلك الحمد، وإذا كان كذلك كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك يمنع من كونه تعالى مستحقاً للحمد والمدح.
والجواب: أن مذهبهم في نفي الوجوب عليه تعالى مؤسس على شفا جرف هار، وهو نفي الحسن والقبح العقلي، وذلك أنهم لما نفوهما أجازوا على الله تعالى أن يكلف بلا تمكين للمكلف ولا لطف، بل يكلفه ما لا يطاق، وأجازوا عليه تعذيب الأولياء، وإثابة الأشقياء، وإخلاف الوعد والوعيد، وغير ذلك من القبائح، ولا يقبح منه شيء عندهم لانتفاء علة القبح وهي كونه منهياً أو مملوكاً، فإذا عرفت بطلان الأصل الذي بنوا عليه عرفت ما رتبوه على ذلك الأصل في هذه المسألة وغيرها، ولذلك قلنا: إن معرفة الحسن والقبح أصل مسائل العدل والوعد والوعيد فتنبه، وقد جمعنا لك في كتابنا هذا من أدلة أصحابنا على ثبوتهما ما لم يجتمع في غيره، وإذا ثبت أن هذه المسألة مبنية على ذلك الأصل الفاسد، فيكفينا ما تقدم من إبطاله عن الجواب هنا، لكنا لا نترك ذلك لما فيه من زيادة التوضيح، ودفع هذه الشبهة على وجه صريح، فنقول:
أولاً: مهما بقيتم على نفي الحسن والقبح العقلي، فلا يصح لكم الاستدلال بالقرآن ونحوه من السمعيات لأنه يجوز من الله الكذب على مقتضى علتكم إذا جاز منه ذلك، فما يؤمنكم أن يكون كاذباً في إخباره في استحقاقه تعالى للحمد، وإذا جاز أن لا يكون مستحقاً للحمد، فلا تدل الآية على ما ذكرتم -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-.
وثانياً: إن القائلين بأنه يجب على الله واجب حصروا ما يجب عليه في ثمانية أمور، وهي التمكين، واللطف، والإثابة، والعوض، وقبول التوبة، والانتصاف للمظلومين، والبعثة للمستحقين، والبيان للمخاطبين، وهذه الثمانية نعم عظيمة، وإذا كانت نعماً فلا شك في وجوب الشكر عليها والحمد رأس الشكر، هذا وسنبين لك كونها نعماً عند الكلام على ذكر النعمة وحدودها.
وثالثاً: إن وصفها بالوجوب لا يمنع وجوب الشكر والمدح عليها، ألا ترى أن الوالد يستحق الشكر على ولده في تربيته وإن كانت واجبة عليه، ولأن الوجوب لا يخرج الفعل عن كونه نعمة إذا كان منفعة حسنة قصد بها وجه الإحسان، هذا إذا قصد بالحمد الشكر.
وأما إذا قصد به المدح كما يفهم من كلامه، فقد ثبت أن المدح يكون على الأفعال الحسنة الاختيارية، والرازي يوافق في أنه يمدح على الاختيار إذا كان حسناً، وكونها واجبة لا يخرجها عن الحسن ولا عن الاختيار، فوجب أن لا يكون القول بوجوبها عليه يؤدي إلى عدم استحقاقه للمدح.
والحاصل أن استحقاق المدح على الفعل ليس لكونه واجباً ولا لعدم وجوبه، بل لأمر آخر وهو حسنه، فإذا كان حسناً استحق فاعله المدح، سواء كان واجباً أم لا، على أن بعضهم قد حد الواجب بأنه ما يمدح فاعله ويذم تاركه، فجعلوا المدح خاصة للواجب يعرف بها، فكيف نجعله دليلاً على عدم الوجوب.
وأما الوجه الآخر وهو قوله: إما أن يكون مستحقاً للمدح لذاته إلى آخره، فجوابه: أنا قد أوضحنا فيما مر أن المدح لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية، ولا يلزم ما ذكره من أنه يكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، لأنا نقول معنى الأكملية أنه لو لم يفعل الواجب لم يكن ممدوحاً على فعله، ونحن نلتزم ذلك ولا نقص يرجع إلى ذاته، وصفاته الذاتية فلا مجال، مع أن الحمد كسائر العبادات والأذكار في أنه إنما يؤتي بها لتحقيق نسبة العبودية لا لكونه تعالى مستكملاً، ولا مجازى بها.
نعم يجوز أن يقال الحمد ثابت له لذاته على معنى الرضا على ما اخترناه فيما مر، ويؤيده قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}[البقرة:165] ونحوها، وذلك لا يمنع من كون الأفعال توجب له استحقاق المدح؛ لأن الثابت للذات غير الثابت للفعل.
والجواب عن قولهم: إنه لو فعل التفضل لكان ناقصاً... إلخ كالجواب عن الوجه الآخر، وهو أن معنى الأكملية أنه لو لم يوجد التفضل لم يكن متفضلاً فلا يستحق عليه حمداً، ونحن نلتزمه، ولا محذور كما مر.
واعلم أن الذي يظهر أنهم لم يقولوا إنه لو فعل التفضل للزم أن لا يستحق الحمد إلا ليتم لهم دعواهم أن الله غير متفضل بإلحاد المكلفين، وإنما خلقهم للجنة والنار، وليتم للرازي في قوله: إن الله يفعل الفعل لا لغرض، وهاهنا دقيقة، وهي أن أصحابنا قالوا: إن الثواب والعقاب يستحقان بما يستحق به المدح والذم، فجاء الرازي بهذه الشبهة ليدفع بها كلام الأصحاب، وذلك أنه قد دس في هذه الدسية أن الوجوب يستلزم استحقاق المدح على الفعل الواجب، وإذا لم يستحق المدح عليه فلا يستحق ذماً على تركه، ليتحصل من ذلك أن العباد لا يستحقون مدحاً على الواجب ولا ذماً على تركه، فلا يستحقون عليه ثواباً ولا عقاباً، بل لله أن يعاقب المطيع ويثيب العاصي، وهذا هو مذهبهم المبني على ذلك الأساس الفاسد، وقد عرفنا أن المدح والذم يستحقان على الفعل لحسنه ولقبحه من دون نظر إلى الوجوب أو عدمه، وأن الوجوب لا يمنع استحقاق المدح، بل يؤكده ويزيده قوة؛ لأن الوجوب كان لتناهي الفعل في الحسن الذي هو علة في المدح فتنبه لهذا فإنه مفيد.
ثم اعلم أن مقتضى كلامهم هذا إن أفعال الله كلها عبث أو ظلم وجور؛ لأنهم قد نفوا أن تكون واجبة، وأن تكون من باب التفضل الذي معناه الإحسان، فلم يبق إلا أن تكون جوراً أو عبثاً، فنعوذ بالله من حجة تخرج صاحبها عن الحجة.
واعلم أن مسألة اطلاق الوجوب على الله تعالى لم يختص بالخلاف فيها المجبرة، بل قد خالف فيها بعض العدلية، إلا أن خلاف المجبرة مبني على ما بيناه من نفي الحكم العقلي، وكونه لا يقبح من الله قبيح، وأما ا لعدلية فهم متفقون على أنه تعالى لا يخل بما تقتضيه الحكمة لقبح ذلك الإخلال، ثم إنهم اختلفوا هل يوصف ذلك الفعل الذي نقطع أنه لا يخل به بالوجوب أم لا؟
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : اتفقت المعتزلة على أن الإخلال بالواجب قبيح كفعل القبيح.
قال: وهي مبنية على التحسين والتقبيح العقليين.
قال: ثم اختلفوا هل يوصف الله سبحانه بأنه يجب عليه واجب أم لا؟
فقال أكثر المعتزلة: يوصف بذلك كما يوصف بأنه يقبح منه القبيح لو فعله، تعالى عن ذلك.
وقال أبو (القاسم البلخي): لا يوصف بأنه يجب عليه على الحتم، بل من جهة الجود فقط.
قال عليه السلام : وأما المجبرة فأحالوا وجوب واجب عليه كما قالوا لا يقبح منه قبيح.
وقال الإمام (يحيى) عليه السلام : اتفقت العدلية من الزيدية والمعتزلة على القول بوجوب اللطف والعوض والثواب على الله تعالى، وغير ذلك من الأمور الواجبة عليه تعالى، من أجل التكليف، فأما ما يتعلق بالتكليف كالأفعال المبتدأة فلا يوصف بكونه واجباً، وإنما يوصف بكونه نعمة وإحساناً، وتفضلاً كأصل التكليف نفسه.
قال: وذهب محققوا الأشعرية كالجويني والغزالي وصاحب (النهاية) إلى أنه لا يجب على الله واجب أصلاً، لا ابتداءً ولا لأجل سبب آخر.
قال (الشرفي): وفي إطلاق الرواية عن ا لعدلية كافة نظر لما.............لكم عنهم، وحكى العنسي وغيره عنهم أنه لا يجب على الله شيء.
قلت: الحق أن العدلية مختلفون إلا أن القول بالوجوب للأكثر، ولم أقف على خلاف لأحد من المتقدمين في نفي الوجوب من أصله إلا ما مر عن أبي القاسم، وإنما الخلاف فيما هو الواجب فبعضهم أوجب الثمانية المتقدمة وبعضهم لم يوجب إلا بعضها، وسيأتي ذكر الخلاف يما اختلفوا فيه في موضعه، وكذلك الحجة على وجوب كل واحدٍ منها سيأتي في موضعه، ولا نذكر في هذا الموضع إلا الحجة على صحة إطلاق الوجوب على الله في الجملة فقط، وممن قال بنفي إطلاق الوجوب على الله من المتأخرين: الإمام القاسم بن محمد عليه السلام وأتباعه.
قال في (الأساس): وما يفعله الله قطعياً يعني من غير شك في فعله؛ لأنه قد أخبرنا به وقضت به حكمة العدل، وهي الثمانية المتقدمة، فلا يقال إنه واجب علينا.
احتج القائلون بصحة إطلاق الواجب عليه تعالى بأن ا لواجب إنما يبين عما ليس بواجب بأنه ليس للقادر عليه الإخلال به، فإذا حصلت هذه الحقيقة في حق الباري تعالى وجب إجراء العبادة المفيدة عليه تعالى إذ لا مانع.
احتج المانعون أنه قد ثبت أنه لا يجوز أن يجري عليه من الألفاظ ما يوهم الخطأ، وإطلاق الوجوب يوهم ذلك؛ لأنه يوهم التكليف له تعالى ذلك الواجب؛ لأن الجوب فيه تحميل المشقة، ولقائل أن يقول: ما أردتم بأنه يوهم هل من حيث الوضع أم من حيث العرف العام؟ أم من حيث العرف الخاص؟ إن كان الأول فلا إيهام؛ لأن الذي يصح من المعاني اللغوية للواجب هنا الثابت، والثابت لا يعتبر في كونه ثابتاُ مشقة ولا عدمها، فيقال لما ليس للقادر الإخلال به أنه ثابت، أي لا يجوز تركه ولا إيهام في ذلك، وإن كان ا لثاني فلا اعتبار بعرف العامة وإلا لزم منع إطلاق الصفات الذاتية كعالم وقادر لإيهامها بالنظر إليهم، ويلزم قبح الخطاب بالمشابه لذلك، نحو: يد الله ووجهه، على أنه قد ذكر الموفق بالله عليه السلام ما يفيد أنه لا يجب الاحتراز مما فيه إيهام لبعض دون بعض، إلا عند حضور ذلك الذي يحصل له الوهم، وذلك أنه قال فيما يجوز إطلاقه وما لا يجوز ما لفظه: فأما إذا صح أحمد ا لمعنيين دون الآخر كقولنا: إنه تعالى يضل ويقضي بالمعاصي فإنه لم يوهم جاز إجراؤه عليه تعالى، وإن كان فيه إيهام لبعض الحاضرين فلا يجوز، ألا ترى أنه تعالى يضل الكفار يوم القيامة عن طريق الجنة، ويقضي بالمعاصي، بمعنى أنه يخبر عن كونها وحصولها، ذكره في (الإحاطة) فهذا نص في أنه لا يجب الاحتراز مطلقاً، بل حالة الإيهام فعائد ما هنا أنه يجب الاحتراز عن إطلاق الوجب على الله تعالى، عند حضور من يتوهم التكليف إن لم يمكن التعريفق، وإن كان الثالث وهو أنه يوهم من حيث العرف الخاص وهو عرف العلماء فلا إيهام من هذه الحيثية قطعاً، وكيف يقال أنهم يتوهمون ومعهم القرائن القطعية التي لا يبقا معها مسلك ليتوهم.
قالوا: سلمنا لكم أن إطلاق الوجوب لا يوهم فلا نسلم أن هذه الأمور واجبةٍ؛ لأن الطاعات شكر لله تعالى على نعمه، وسيأتي الدليل على ذلك، وإذا كانت شكراً فالثواب تفضل.