قال (ابن لقمان): وذلك لأن العقل لم يقض بقبح إيلامها قضية مبتوتة، بل مشروطة بأن لا يكون لها في إيلامها نفع يزيد على الألم، فإذا أذن الشارع بإيلامها علمنا أن قد حصل شرط حسن إيلامها، وانتفى وجه قبحه، أعني كونه عارياً عن نفع لها. والله أعلم.
هذا وأما المجبرة فقد عرفت كلامهم في وجه حسن أفعالنا، وأما أفعال الله تعالى فاختلفوا، فقالت الأشعرية: إنما تحسن منه تعالى لانتفاء النهي عنه ممن إليه الأمر، وقال بعض المجبرة: بل لكونه رباً، وكلهم بنوا على أصلهم السابق، وهو أن وجه قبح أفعالنا النهي، أو كوننا مملوكين وهما منتفيان في حقه تعالى، وقد عرفت بطلان ذلك.
واعلم أن الإمام المهدي عليه السلام لم يحك إلا كلام الأشعرية هنا، وهو بناء على ما مرله من أن قول الجهمية من تمام قول الأشعرية، وقد أجاب أصحابنا عن قولهم بأنه يلزم منه حسن الكذب، وبعثة الكذابين لحصول موجب الحسن فيهما، وهو انتفاء النهي، وكونه مملوكاً، وإذا جوزنا فعله جوزنا في النبي أن يكون كاذباً فيما أخبر به، وفي القرآن أن يكون كذباً فلا نثق بما تضمنه من وعد، ووعيد، وتحليل، وتحريم وغير ذلك، ويجوز أنه يريد بالوعد والتحليل عكسهما، وفي تجويز ذلك الانسلاخ من الدين.
قالوا: هو مالك للعالم، وللمالك أن يتصرف في ملكه كيف شاء، قلنا: لا نسلم أن العقل يستحسن أن المالمك يفعل في ملكه ما لا غرض فيه، بل ربما كان ظلماً كذبح عبده، أو عبثاً كإتلاف ماله لا لغرض وهما قبيحان.

واعلم أن الإمام القاسم عليه السلام حكى في الأساس عن المجبرة جميعاً أن الله يفعل الكذب ونحوه من القبائح لانتفاء علة القبح عندهم، وأجاب بأنه تعالى لا يفعل ذلك لكونه صفة نقص في حق غيره، فكيف في حقه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ثم ألزمهم أن لا يوثق بخبره، وذلك تكذيب لقوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيه ِ}[السجدة:2 ]{لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِل ُ}[فصلت:42 ] ومن سب الله تعالى، أو كذبه، أو رد آية من كتابه كفر إجماعاً، وفي إطلاقه عليه السلام الرواية عنهم بأن الله يفعله نظر، فإنهم إنما يقولون إنه يجوز فعل القبيح لانتفاء العلة، لكنه لا يفعل الكذب، ولا يظهر المعجز على يد الكاذب؛ لأن حكمته تمنع من ذلك، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحكمة إنما تمنع من فعل القبيح وهو حسن من الله عندكم، فجوزوا عليه الكذب، وبعثة الكذاب في تجويزهما ما ألزمناكم من إبطال الشرائع.
الثاني: أن نقول بم عرفتم أن الحكمة تمنع من وقوع الكذب؟ فإن قالوا: بالشاهد، قلنا: لا فعل للشاهد عندكم حتى تعرفون به ذلك، وإن قالوا بالعقل، قلنا: أنتم الآن في إبطال حكمه، وإن قالوا بالسمع، قلنا: هذا دور محض؛ لأنا لا نعلم أن الحكمة تمنع من الكذب ونحوه من الله إلا بالسمع، والسمع لا يعلم خلوه من ذلك إلا بأن الحكمة تمنع منه، فإن قالوا: لنا حجة أخرى تمنع تجويز الكذب عليه تعالى، فلا يلزمنا ما ألزمتمونا من إبطال الشرائع، وهي أنه صادق لذاته، فلا يدخل الكذب في مقدوره، ولا يلزمنا جواز بعثة الكذابين؛ لأن المعجز وضع ليدل على الصدق فتستحيل دلالته على صدق الكذاب، ولو قدر على إظهاره على الكذاب لزم قدرته على تعجيز نفسه؛ إذ لا طريق إلى تعريفنا بالصادق إلا المعجز، فلو قدر على إظهاره على الكذاب لكان عاجزاً عن تصديق الصادق، وقدرته على تعجيز نفسه محال، فصح أنه تعالى لا يجوز عليه الكذب، فبطل الإلزام.

قلنا: أما قولكم إنه صادق لذاته، فمبني على أن كلامه ذاتي أزلي كسائر صفاته تعالى، وسنبطله، ثم إنه يلزم أن يكون كاذباً لذاته، وأما قولكم إنه يلزم تعجيز نفسه إذ لا طريق إلى معرفة الصادق غير المعجز، فباطل لأنه يمكنه أن يعرفنا صدقهم بغير المعجز، وهو خلق العلم الضروري، فإن قالوا: إذا أبطلتم هذه الحجة فإنا نعدل إلى طريقة أخرى تمنع من تجويز إظهار المعجز على الكاذب لا تستطيعون دفعها، قد حررها الإمامان: الجويني، والرازي، وهي أن المعجزة تفيد العلم الضروري بصدق مدعي النبوة، بدليل أن من قدح فيها من الأمم فإنه إنما يقدح فيها لاعتقاده أنها ليست من الله تعالى، وإنما هي من باب الحيل، والطلسمات؛ إذ لم ينقل أن أحداً سلم أنها من فعل الله، ثم نازع في دلالتها على الصدق، ويستحيل ممن قطع بأنها من الله أن يبقى شاكاً في صدق المدعي، وإذا ثبت أنها تفيد العلم الضروري، فتجويز إظهار الله لها على يد الكاذب لا يقدح في الضروي، بدليل أن من غمض عينيه لحظة، ثم فتحهما فإنه يعلم أن الله قادر على أن يقلب ما بين يديه ذهباً في تلك الحال، ثم كلما فتح عينيه يجعلها كما كانت، وهذا التجويز لا يزيل عمن غمض عينيه بأنه لا يوجد ذلك، وهكذا القول في جميع العاديات.
قالوا: فثبت أن تجويز انقلاب الأشياء عن مجاريها العادية لا يقدح في العلم الضروري ببقائها على مجاريها، وإذا صح ذلك بطل ما زعمتوه من أن عدم القول بالحسن والقبح العقلي يستلزم سد باب معرفة صدق الأنبياء، فالجواب أنه قد تقدم لنا في المقدمة بحث في إبطال الاستناد في هذا إلى العادة، فارجع إليه، ثم إنا نقول: إنا لم نعرف الله تعالى إلا دلالة لا ضرورة، فكيف نعلم قصده بأفعاله ضرورة، فإن من المستحيل أن نعرف أصل الشيء دلالة، وفرعه ضرورة.

إذا عرفت هذا فنقول: إن أردتم أنا نعلم عند ظهور المعجز أن الله قصد به التصديق، فذلك محال لما ذكرنا، وإن أردتم أنه خلق فينا علماً ضرورياً بصدق المدعي عند ظهور المعجز من دون نظر إلى قصد فاعله، لزم أن نعلم أنه صادق فيما جاء به، وأخبر به ضرورة، فيكون علمنا بالجنة والنار، والقيامة، ووجوب الصلاة ضرورياً، والمعلوم خلافه ضرورة، وأما قولهم إنه لم ينقل عن الأمم الماضية المنازعة بعد تسليم كونها من الله تعالى، فمجرد دعوى لا دليل عليها، ثم إن عدم نقل ما ينافي الشيء لا يفيد تواتر ثبوت ذلك الشيء بلا خلاف، وأما ما ذكروه فيمن غمض عينيه، فإنما لم يقدح في الضروري لعدم الدليل على الانقلاب الذي جوزوه، وقد مر في المقدمة أنه يجب القطع بنفي ما لا دليل عليه في مثل هذا، فكيف يجعلونه من باب العاديات وأين المناسبة، فتأمل ترشد.
واعلم أن العلم بهذه المسألة من فروض الأعيان؛ إذ لا يكمل العلم بالعدل إلا بها؛ إذ لو جوزنا أن حسن المحسنات لا لوقوعها على وجه، بل لانتفاء النهي لزم تجويز ما قدمناه، وهو يقدح في العدل بلا شك.

المسألة الثامنة [دلالة الحمد على القدرة]
قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} يدل على أن الله تعالى قادر على فعل القبيح؛ لأنه قد دل على أنه محمود على الإطلاق، أي على الفعل والترك، والحمد على ترك القبيح إنما يصح إذا تركه لقبحه مع القدرة عليه؛ إذ لا يحمد العاجز على ترك القبيح إن لم يتركه إلا لعدم القدرة على فعله، وفي المسألة خلاف، فقال الجمهور: هو تعالى قادر على ما لو فعله لكان قبيحاً، ويصح أن يقع منه لولا العدل والحكمة، هكذا نسبه القرشي إلى الجمهور.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : أراد بالجمهور الزيدية، وأكثر المعتزلة منهم الشيخان، والقاضي، والبغدادية، وبالغت البغدادية في ذلك حتى قالوا: إن منكره كافر، وقال أبو الحسين، وابن الملاحمي، وأبو الهذيل: يقدر عليه، ويستحيل منه لفقد الداعي، وقال النظام، والجاحظ، وأبو علي الأسواري: لا يوصف بالقدرة عليه فلا يقال: إنه قادر عليه، وقالت المجبرة: لا يقدر عليه منفرداً، بل يوجده والعبد يكتسبه، هكذا أطلق الحكاية عن المجبرة القرشي وغيره، واستدرك عليه الإمام عز الدين عليه السلام فقال: إنه قد نسب هذا القول إلى النجارية فقط، وقال في العيون: عند الحشوية، والرافضة، والمجبرة إنه تعالى يقدر على القبيح، فنسبه إلى المجبرة على الإطلاق.
قال الإمام عليه السلام : وهذه الحكاية توافق مذهبهم؛ لأنهم يقولون إنه لا يقبح منه تعالى قبيح، ولا قبيح يمكن وقوعه من جهته تعالى، إلا النجارية فهم يذهبون إلى أن القبيح يقبح لعينه كالبغدادية.
قلت: أما الإمام المهدي عليه السلام فإنما جعل في المسألة قولين:
الأول: أنه قادر على فعل القبيح، وعزاه إلى أكثر المعتزلة، والثاني: أنه لا يوصف بذلك، وعزاه إلى النظام، والأسواري، والجاحظ، والمجبرة، ولم يفرق بين مذهب المجبرة والنظام ومن معه، ولم يتعرض في القلائد وشرحها لمذهب أبي الحسين ومن معه.

قال في الشرح: أما المجبرة فذلك موافق لأصولهم؛ إذ لا نهي في حقه تعالى، وأما النجارية فيحقق الخلاف معهم لأنهم يقولون إن القبيح يقبح لعينه، فحكمهم حكم من خالف من أصحابنا، وأما النظام ومن معه فخالفوا أصل أشياخهم؛ لأن الجهل ونحوه من جملة أجناس المقدورات، والباري تعالى قادر لذاته فلا يختص به جنس دون آخر، هذا معنى كلامه، ولا يخفى أن الذي تقتضيه أصول المجبرة أنهم إنما ينفون وقوعه من الباري على معنى أن ما فعله فليس بقبيح، فعلى هذا لا يصح نسبة القول بأنه لا يقدر على القبيح إليهم؛ لأنه يقدر عليه عندهم، ولا يقبح منه، وإنما الذي يصح نسبته إليهم هو القول بأنه لا يوصف بأنه فاعل القبيح؛ إذ لا قبيح منه حتى يقال: إنه فاعله، وهذا هو الذي تفيده عبارة صاحب العيون، وإما أنهم يقولون بعدم القدرة عليه، ففيه نظر لما عرفت، اللهم إلا أن يحمل ذلك على ما يفعله العباد من القبائح فقط كما يفيده ظاهر كلام القرشي.
واعلم أن النجري قد جعل الأكثر في رواية القلائد فريقين، فجمهورهم قالوا: إنما منعت منه الحكمة، وأبو الحسين ومن معه قالوا: بل لعدم الداعي، ولكن جواب المهدي بقوله: قلنا إنما منعت منه الحكمة يدل على أن المقصود بالأكثر من عدا أبي الحسين، أو أن كلام أبي الحسين راجع إلى هذا القول.
هذا ما أمكن تحريره في نقل الخلاف، وعليك بالتثبت في نقل الخلاف، فربما نسب إلى بعض العلماء ما يقتضي كفره وهو بريءٌ منه، فإذا عرفت هذا فلنأخذ في أدلة هذه الأقوال فنقول: احتج القائلون بأنه يقدر عليه لولا منع الحكمة بأدلة:
أحدها: أنه من جنس المقدورات، وقد ثبت أنه قادر لذاته فيقدر على جميع أجناس المقدورات؛ إذ لا اختصاص لذاته بمقدور دون مقدور، فيصح منه فعل القبيح من حيث القدرة، ويستحيل منه من حيث الحكمة، ولا تناقض لاختلاف الجهتين.

الدليل الثاني: أنه قد ثبت أن الله تعالى قادر على أن يخلق فينا العلم الضروري، فيجب أن يكون قادراً أن يخلق بدله الجهل؛ لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد، والجهل قبيح.
الدليل الثالث: أن ما من فعل إلا وكما يصح أن يقع على وجه فيحسن يصح أن يقع على وجه آخر فيقبح، فإذا قدر القادر على إيقاعه على أحدهما قدر على إيقاعه على الآخر؛ لأن القدرة إنما تعلق بالإيجاد والإحداث دون وجوه الأفعال، وأيضاً لا تأثير لاختلاف وجود الأفعال في قدرة القادر، يبين ذلك أن أحدنا كما يقدر أن يقول: زيد في الدار وهو فيها يقدر على أن يقول ذلك وليس فيها، فكذلك الباري تعالى إذا قدر على الصدق وجب أن يقدر على الكذب؛ لأنهما شيء واحد لا يختلفان إلا بحسب اختلاف حال المخبر عنه، وذلك مما لا يوجب تغيير حال القدرة عليه، وهاهنا اعتراض ذكره أبو الحسين، وهو أن قدرة القادر لا تتعلق باختصاص الفعل بوقت معين، مع أنه إذا انقضى الوقت خرج الفعل عن تعلقه بالقادر، فكذلك لا تتعلق قدرة القادر بالقبح، ومع ذلك إذا اختص الفعل بوجه دون وجه خرج عن تعلقه بالقادر.
قال (القرشي): ويمكن الجواب بأن الوجه الذي لأجله خرج الفعل عن تعلقه بالقادر إذا انقضى وقته غير حاصل في الفعل إذا اختلف وجهه، وإذا لم يكن جامع بطلت المقايسة، على أنا إنما أوجبنا اختصاص الفعل بوقته في حق القادر بقدرة، ونحن فرضنا المسألة في القادر لذاته وهو تعالى كما يصح أن يوقع الفعل في وقته يصح أن يوقعه في غير وقته، لا سيما المبتدئ الباقي، فكذلك إذا صلح أن يوقعه على وجه صح أن يوقعه على وجه غيره، وإنما قال لا سيما المبتدئ الباقي لما في غيره من الإشكال، فإن المسبب وغير الباقي لو صح منه تعالى إيجاده في وقت غير الوقت الذي يختص به لزم ما مر من صحة انقلاب غير الباقي باقياً، ووجود مسببين في وقت واحد عن سبب واحد.

الدليل الرابع: لو لم يقدر على فعل القبيح للزم أن يكون أضعف القادرين منا أقوى من الله تعالى عن ذلك علواً كبيرا، فإن الطفل الذي لا يقدر على حمل رطلين أو نحوها يقدر على أن يدفع غيره في النار وهو على شفيرها، وهو غير مستحق لذلك، والباري غير قادر على ذلك لقبحه عند الخصم، وهذا إلزامي.
وأما الأدلة السمعية هنا فكثير منها قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وقد مر وجه الاستدلال بها، ومنها تمدحه بنفي الظلم ونحوه، ولا يتم التمدح بتركه إلا مع القدرة، وإلا لصح تمدحه بأنه لا يجمع بين الضدين، وليس هذا موضع استيفاء الكلام على الآيات لأنه سيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى، وهو أخص بها، وقد استبعد السيد مانكديم الاستدلال بالسمع هنا.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : لا وجه لاستبعاد ذلك، قلت: وقد مر لنا صحة الاستدلال بالسمع في كثير من مسائل العدل.
احتج أبو الحسين بأنه قد قام الدليل على اختصاص الفعل بوجه دون وجه، وهو استحالة الفعل من دون داع، والجواب أنا لا نسلم توقف الفعل على الداعي، وإنما يتوقف على القدرة وزوال المانع، ولذا يقع من الساهي والنائم، ولا داعي لهما، سلمنا فعدم الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا على استحالة الوقوع، كما أن ثبوت الداعي إنما يدل على استمرار الوقوع لا على وجوبه.
قال (القرشي): والأقرب أن خلاف أبي الحسين لفظي؛ لأنه إنما يقول باستحالة الوقوع من حيث الدواعي لا من حيث القدرة، والجمهور لا بد أن يقولوا بالاستحالة من حيث الحكمة لا من حيث القدرة؛ إذ لو جوزوا الوقوع مع العدل لم يبق دليل على أن الله لم يفعله.
قلت: ولهذا أدرجه الإمام المهدي عليه السلام في قول الأكثر. والله أعلم.
احتج النظام ومن معه بوجوه:
أحدها: أنه لو قدر على القبيح لوجب أن يوقعه، وأجيب بمنع الملازمة، فإن أحدنا يقدر على القيام ولا يفعله، والباري تعالى يقدر على إقامة القيامة الآن، ولا يفعله.

الثاني: قالوا اتصافه بالقدرة على القبيح نقص، قلنا: النقص وقوعه، وأما القدرة فصفة كمال ومدح؛ لأن التارك مع القدرة خير من التارك للعجز، ولهذا يصح التمدح، ثم إنه يلزم أن يكون الملائكة والأنبياء" على صفة نقص لاتصافهم بالقدرة على القبيح آنفاً.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : ولعلهم يلتزمون جواز هذا النقص عليهم كغيره من النقائص الجائزة عليهم من الجهل والحاجة، ويقولون ليس المنتزه من صفات النقص المختص بصفات الكمال إلا الواحد المتعال، قال عليه السلام : والتحقيق أن الأمر بالعكس مما قالوه فإنه تعالى لو لم يقدر على القبيح لقدح في كونه قادراً لذاته، من حيث أن القبائح داخلة في أجناس المقدورات، وإنما يقع النقص بفعل القبيح لا بالقدرة عليه؛ إذ لا يستحق بالقدرة عليه ذماً.
الثالث: لو صح القول بقدرته علىالقبيح، وإن استحال أن يكون عدلاً حكيماً للزم القول بأنه قادر على المستحيل لو لم يكن مستحيلاً.
والجواب: إن أردتم المعنى فملتزم فإنه لا بد من القول بأن المستحيل لولم يكن مستحيلاً لكان الله قادراً عليه، وإن أردتم التسمية فلا ملازمة؛ إذ لا يقال إنه قادر على ما لم تثبت القدرة عليه، بخلاف القبيح فإن القدرة عليه ثابتة، وإنما منعته الحكمة، وفقد الداعي إليه.
الوجه الرابع: أنه لو قدر على القبيح لجوزنا وقوعه منه، وتجويز وقوعه منه إما أن يدل على الجهل والحاجة، وهو محال لأنه يقدح في كونه عالماً غنياً لذاته، وإما أن لا يدل وهو محال لأن طرق الأدلة لا تختلف شاهداً وغائباً، وهذا الوجه أشف أدلتهم كما ترى.
والجواب: أن الجواز له معنيان:
أحدهما: نقيض الاستحالة، فيقال جائز، أي ليس بمستحيل وإن كان لا يقع قطعاً.

والثاني: التجويز أي يجوز وقوعه وعدمه، وإطلاق جواز القبيح من جهة الله تعالى إنما يجوز بالمعنى الأول، أي ليس بمستحيل فعله، وإن كنا نقطع أنه لا يقع، وعلى هذا فيقال: يصح أن يوقعه من جهة القدرة بمعنى أنه لو كان غير حكيم أو كان له داع إليه لوقع منه، ويستحيل وقوعه للحكمة عند الجمهور، ولفقد الداعي عند أبي الحسين، وأما قولهم لو قدَّرنا وقوعه فإما أن يدل، وإما أن لا يدل، فجوابه من ثلاث جهات:
أحدها: ما اختاره القرشي، وهو أن هذا التقدير لا يصح لأن الجهل والحاجة على الله تعالى مستحيلان، وتقدير وقوع الظلم يتبعه صحة وقوع الجهل والحاجة، وما أدى تقديره إلى تقدير المحال لم يصح تقديره، والضابط في مثل هذا أن تقدير الموجب المصحح وهو وقوع الظلم مع إحالة المصحح له وهو الجهل، والحاجة لا تجوز، ولولا هذا لصح تقدير ثبوت المعلول مع إحالة العلة، ولجاز صحة الفعل مع إحالة القادرية، وهذا يؤدي إلى كل جهالة.

58 / 329
ع
En
A+
A-