ومما يدل على قبح تعظيم من لا يستحق التعظيم أن قبح السجود للأصنام إنما قبح لكونه تعظيم من لا يستحقه، وبهذا تعرف الفرق بين التكليف، وبين ما أوردوه في المثال من تكليف السيد عبده نقل الحجارة، وذلك أن التكليف تعريض على التعظيم الذي لا يجوز الابتداء به، وما في المثال من المنافع التي منعها السيد عبده إلا مع تحمل تلك المشقة ليس فيه ذلك التعريض، وإنما هو مجرد مشقة خالصة، فقبحت؛ لأنا قد بينا في المرتبة الأولى أن مثل هذا مما يحسن الابتداء به، وأن تحميل المشقة في مثله عبث، بل ظلم فتأمل، وأما ما ذكروه من التفضل على الأطفال ونحوهم فهو من المرتبة الثانية، أعني أنه على جهة العوض لا على جهة التعظيم، ولا تبلغ مبلغ الثواب في القدر، ونعني بالغرض أنه عوض على ما نالهم من الألم، ونقص العقل في المجنون، ولو لم يكن عوضهم إلا على مقاسات ألم الموت، وقد مر أن وجه حسن إنزال الألم بهم اللطف والاعتبار لغيرهم، فتأمل يظهر لك عدم ورود هذا المثال على مسألة التحسين والتقبيح.
والجواب عن المثال الرابع أنه قد تقدم أن ابتداء الخلق تفضل، والمتفضل بأمر لا يجب عليه دوامه، وكذلك هو متفضل على الأطفال بتبقية أبيهم إلى وقت موته، ولا يجب عليه دوام ذلك التفضل، وإلا خرج عن كونه تفضلاً، وليس كذلك الواحد منا، فإنه لا تفضل له على أبيهم ولا عليهم، ولا له في قتله حق فكان ظلماً، وأيضاً قد مر حسن التكليف، أو وجوبه، وقبح الإهمال، وقد ثبت أن الله وعد المكلفين بالجنة إن أطاعوا، وتوعدهم بالنار إن عصوا فلا بد من انقطاع التكليف بالموت والفناء؛ إذ لو اتصل الجزاء بالتكليف لكان المكلف ملجأ، والإلجاء ينافي التكليف.
والجواب عن المثال الخامس من وجهين:
أحدهما: أن هذا المثال قد أوردوا معناه في مسألة تكليف من علم الله أنه يكفر ويموت عليه، وأنكروا أن يكون ذلك نعمة وإحساناً، وسيأتي الكلام مستوفى في بيان حسن هذا التكليف، ومنه يؤخذ جواب هذا المثال.
الثاني: أنه مباين للتكليف؛ لأن الواحد منا إنما قبح منه ذلك؛ لأن تخليته بين عبيده وإمائه مجردة عن الصارف عن القبيح من الوعد بالنعيم الدائم، والوعيد بالعقاب الشديد، فكأنه جمع بينهم ليفعلوا القبيح وقواهم عليه، وأما الباري تعالى فقد نهى وأمر، ورغب وزجر، ووعد وتوعد، وجعل من الترغيب الداعي إلى الطاعة، والترهيب الصارف عن المعصية، بحيث يكون ذلك الترغيب والترهيب صارفاً عن القبيح مساوياً للداعي إليه، ولو أنه تعالى منعهم من التمكين من المعصية على وجه لا يدخل فعلها تحت إمكانهم، لكانوا ملجئين، والالجاء ينافي التكليف؛ إذ من شرط التكليف التمكين من الفعل وضده، فإن قيل: لا نسلم أن الترغيب والترهيب الذي ذكرتم يدفع القبح، فإنا لو قدرنا في المثال المذكور أنه جمع بينهم، وقوى دواعي فعل القبيح، ووعد من تركه بالإثابة، ومن ارتكبه بالعقاب فإنه يقبح منه، وهذا شأن فعل الله بخلقه، وتكليفه لهم مع أنه لم يقبح منه.
قيل: إنما قبح ذلك منا؛ لأنا لا نعلم قدر المشقة التي تلحقهم بمغالبة الشهوة حتى نعلم أنما أعطيناهم على الترك يكون قائماً مقام تلك المشقة؛ إذ لا سبيل لنا إلى ذلك، وإذا لم نعرف قدر الجزاء ومقابله فلا يؤمن أن نظلم المغالب جزاءه، فلم يحسن منا التخلية المذكورة ونحوها، بخلاف الباري تعالى فإنه لا يخفى عليه شيء، ولو قدرنا علم أحدنا كعلمه تعالى، وكان لنا من المنافع ما لا يحسن الابتداء به لم يقبح منا، كما لم يقبح منه تعالى لأنه تعريض على منافع لا تنال إلا بذلك، فكان إحساناً، فتأمل.
واعلم أن هذا المثال وما شابهه إنما بني على ما يفيده ظاهر أحوالنا وأفعالنا من أنا لا نعرض الغير على المنفعة إلا لإرادة وقوع الانتفاع، وأَنا إذا علمنا أنه لا يقع الانتفاع يعد ذلك الفعل عبثاً لخلوه عن الغرض؛ لأن المتعارف بيننا والمشهور أن الغرض وقوع الانتفاع لا التمكين منه، ولا شك أن التعريض والحال هذه يقبح لعدم الغرض، لكنا نقول: المعلوم أن أحدنا قد يعرض الغير على النفع لهذا الغرض، ولمجرد التمكين من النفع لكونه إحساناً، وهذا وجه صحيح للحسن، وأنا آتيك بمثال يمكن إجراء هذين الوجهين فيه، ويعلم بهما حسنه، وذلك أن الرجل الكريم قد يكرم الوافد إليه، وهو يريد وقوع الانتفاع منه بما أكرمه به، ويعلم أنه يقع الانتفاع، فهذا لا شك في حسنه، وقد يكرمه مع علمه بأنه لا ينتفع لغنائه، وعدم الداعي إلى الانتفاع، وإنما أراد عرض الطعام عليه مثلاً وتمكينه منه، والإحسان إليه بإظهار إكرامه، وهذا لا ينكر أحد حسنه، وهو مشاهد معلوم، وقد يكرمه لمجرد الإحسان، وحسن إظهار الإكرام مع علمه بأنه لا يقبل، ولا ينتفع، بل ربما فعل بذلك الطعام أفعال السفهاء، وربما ضر نفسه به كأن يلطم وجهه، أو نحو ذلك، ومع ذلك أن هذا المكرم يعلم بما يفعله الوافد بسبب الإكرام من السفاهة، وضر نفسه، لكنه لم يقصد ذلك، وإنما قصد أن يفعل ما يفعله المتكرمون من الإحسان لحسن الكرم، فإنه إذا قيل له: لم فعلت مع علمك بما يفعله هذا الوافد، فقال: قصدت فعل الإحسان، والتكرم، ولا حرج علي فيما فعل بنفسه مع كمال عقله، ومعرفته للحسن، والقبح، ففعلي حسن لسلامته من وجوه القبح، وإنما القبيح فعله لقبلنا ذلك منه.
فإن قيل له: إنك عرضته لمضرة لولا إحسانك لم تحصل مع علمك بذلك، فقال: بل عرضته لمنفعة، ومكنته من الاحتراز عن الضرر الذي فعله بنفسه غاية التمكين، وانظروا لفعلي، والحال هذه فإنكم لا تجدونه إلا حسناً؛ إذ لا ينكر حسن التكرم والإحسان، لا سيما مع تمكنه من الاحتراز عن الضرر، فإنا نقبل ذلك منه، والحاصل أن إكرامه مع تمكنه من الاحتراز عن الضرر يصير المنفعة كالخالصة؛ لأن الضرر الذي يمكن دفعه، ولا يتعذر بوجه يصير في منزلة عدم الضرر، وإنما أتي من سوء اختياره، وبقي الإحسان إحساناً على وجهه.
وعلى الجملة فإنه لا يجوز القول بقبح ما ظاهره الإحسان إلا إذا عري عن الغرض، أو قصد به حصول القبيح، فأما إذا عري عن هذين الوجهين فإنه لا وجه يقتضي قبحه، ولكنه قد يخفى وجه الحسن مع عدم التأمل كما بينا، فتأمل ترشد.
وبما حررنا في جواب هذه الأمثلة تنجلي الشبهة الأولى.
وأما قولهم بعد إيراد الأمثلة: فلو كان القبح يرجع إلى ذات الفعل... إلخ فجوابه: أنا قد بينا بالأدلة القاطعة أن القبح يرجع إلى ذات الفعل، وأوضحنا الفرق بين أفعال الله، وأفعالنا التي أوردوها في هذه الأمثلة، وقررنا وجه حسن أفعال الباري، وقبح ما زعموا أنه نظير لها من أفعالنا بما يعلم معه أن اختلافها في الحسن، والقبح ليس بالنظر إلى الفاعلين، وإنما هو لاختلاف الوجوه التي وقعت عليها، فصح قولنا إن القبح يقبح لوجه يقع عليه من أي فاعل كان، والحمد لله رب العالمين.
الشبهة الثانية
أنه يحسن من الله تعالى تكليف من المعلوم من حاله أنه يؤمن، ويقبح من أحدنا طلب التكليف مع علمه بأنه لا يؤمن، والجواب: أنهما أمران متغايران، فالذي حسن منه تعالى هو التكليف، والذي قبح منا هو طلبه، ثم إن قبح الطلب لأنه يستجلب به الضرر على نفسه.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : ونظير هذه الشبهة قولهم إنه يحسن من الله عقاب العاصي وإرادة عقابه، ويقبح من العاصي أن ينزل بنفسه ذلك، أو يريده، والجواب كالجواب، وهو أنه قبح من الواحد منا لكون ذلك ضرراً، ولو أمكنه دفعه لوجب عليه، فكيف يحسن منه إرادته ولم يقبح من جهته تعالى؛ لأنه لا ضرر عليه فيه مع استحقاق العاصي.
الشبهة الثالثة
أنه يقبح من الله فعل الظن، ولا يقبح منا، والجواب:لم تكن العلة في قبحه منه تعالى كونه ظناً حتى يقبح منا، بل قبح منه لأنه يكون عبثاً؛ لأنه لا حكم للظن إلا إذا صدر عن أمارة ينظر فيها فاعل الظن، والنظر في الأمارة يستحيل منه تعالى؛ إذ من حق الناظر الشك والتجويز، وهو تعالى عالم لذاته، فلو فعل الظن لفعله لا عن أمارة، والظن الصادر لا عن أمارة قبيح؛ إذ لا فائدة فيه، ولا ثمرة تحته، سواء أوجده تعالى لنفسه، أو أوجده فينا، أما الأول فلأنه لا بد من التجويز في الظن، وقد بينا أنه لا يجوز على الله التجويز؛ إذ لا ينتفي عنه العلم بحال، فصح أنه لا يجوز على الله الظن لانتفاء الأمارة، وأنه لو أوجده لنفسه من دونها لكان عبثاً فيقبح.
وأما الثاني: وهو أنه يقبح إيجاده فينا، فلأنه إما أن يكون عن أمارة فقد مر أنه لا يجوز على الله التجويز، أو من دونها كان عبثاً.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : كيف يتصور احتجاجهم هذا وهم يقولون أنه لا يقبح من الله شيء لعدم نهيه، وأي دلالة في هذا على أن القبيح يقبح للنهي عنه، وهذا إشكال ظاهر.
قال عليه السلام : ولعلهم أتوا بهذه الشبهة توصلاً إلى بطلان قولنا، كأنهم قالوا: إذا كان القبيح يقبح لوجه يقع عليه، فلم قضيتم بقبح الظن من الله تعالى دوننا مع أن الوجه قد حصل في الموضعين؟
قلت: هذا هو الظاهر في هذه الشبهة وغيرها من الشبه والإلزامات، فإنهم إنما يوردونها على جهة الإلزام لنا، والنقض لعللنا.
هذا وأما شبههم السمعية، فمنها ما سيأتي في موضعه، ومنها قوله: الحمد لله، وقد مر وجه الاستدلال بها عندهم في صدر المسألة، والجواب من وجهين:
أحدهما: أنا قد بينا فيما مر أن هذا مقول على ألسنة العباد، وأقمنا الدليل على ذلك، ويدل عليه أيضاً حديث أبي ميسرة، وقد مر في البسملة وفيه: ((فلما خلا ناداه يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين...)) الخبر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، قال: قال جبريل لمحمد: ((قل يا محمد الحمد لله )) وإذا كان مقولاً على ألسنتهم فالأمر به لكونه شكراً، والشكر حق لله تعالى، فيحسن طلبه، وعلى هذا فلا حجة لهم في الآية.
الوجه الثاني: أنا وإن سلمنا أن الله مدح به نفسه، فهو لا يدل على أنه يحسن من الله ما يقبح من غيره؛ لأن نهينا عن تزكية نفوسنا بالتقوى؛ لكونها أمراً باطناً لا يعلمه على حقيقته إلا الله تعالى، فربما وارتكب المزكي لنفسه قبيحاً لا يعلمه، فيكون حكمه لنفسه بالطهارة من كل ذنب حكماً على خلاف الواقع، وقد مر ما يدل على أنه لا يخلو بشر عن معصية ما حتى الأنبياء، فالمزكي لنفسه على الإطلاق، والحال هذه لا يأمن من ارتكاب القبيح بنفس التزكية فقبحت مطلقة في حقنا، وأما الباري تعالى فيجوز منه إطلاق مدح نفسه، ومدح غيره؛ لأنه عالم لذاته لا يكون المدح منه إلا على ما في نفس الأمر، وقد مر أنه لا يفعل القبيح لعلمه وغناه، فثبت أن وجه حسن مدحه لنفسه لتعريه عن وجوه القبح، وأن وجه القبح في حقنا هو أنه لا يؤمن الإقدام على القبيح، وهو الحكم بالطهارة من كل ذنب مع تجويز خلافه، بل مع العلم بخلافه على الجملة، والإقدام على ما لا يؤمن قبحه قبيح، ويؤيد هذا أن مدح الإنسان نفسه على بعض الجزئيات التي يقطع بها لا يقبح، فقد مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه بالأمانة لما قال له المنافقون إعدل في القسمة، ومدح أمير المؤمنين عليه السلام نفسه في مواضع مذكورة في نهج البلاغة وغيره، ويكفيك حديث المناشدة، وكذلك الأئمة والعلماء.
وعلى الجملة أن مدح الإنسان نفسه ليس منهياً عنه على الإطلاق، بل لوقوعه على وجه، وسيأتي الكلام على ما يجوز منه، وما لا يجوز في موضعه إن شاء الله، فليس هذا موضع ذكره، وإنما غرضنا هنا رد الشبهة، فهذه شبهة أهل القول الأول من المجبرة.
القول الثاني للجهمية، والشبه التي استندوا إليها كشبه الأشاعرة، إلا أنهم يجعلون كوننا مملوكين مربوبين، موضع كوننا مأمورين منهيين، والجواب الجواب، ويزيده توضيحاً أنه يعلم القبح من لا يعلم كوننا مربوبين كالملاحدة، وأيضاً فإن حالنا مع الظلم ونحوه كحالنا مع العدل ونحوه، فيجب أن لا يحسن منا فعل البتة لاستمرار علة القبح.
واعلم أن أصحابنا يجعلون هذا قولاً مستقلاً منفرداً عن الأول، ويفردونه حكاية، واستدلالاً، ورداً.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : والأقرب أنه من تمام القول الأول، وليس مستقلاً؛ لأن الأولين لا يقولون بأن الفعل يقبح لمجرد النهي، بل مع صدوره من مالك رب، فكأنهم قالوا إنما قبح لكوننا منهيين مملوكين، فلا بد من مجموعهما، وإلا لزم قبح ما نهى عنه أحدنا وهم لا يقولون به، وكذلك أهل هذا القول لا يدعون أن القبح لمجرد كوننا مربوبين، بل مع النهي، فظهر أن هذا ليس قولاً مستقلاً.
قلت: فعلى ما ذكره عليه السلام ، فلا يلزمهم ما ألزمهم أصحابنا من أنه يلزم أن لا يحسن منا فعل؛ لأنهم يقولون في رد هذا الإلزام إذا لم ينه المالك فلا قبح، وظاهر إلزامهم بهذا أنهم لا يقيدون علتهم بالنهي، ولذا أطبق الأصحاب على إلزامهم به، فينظر في تأويل الإمام المهدي عليه السلام لكلامهم.
القول الثالث: ما ذكره الفلاسفة، وبعض المجبرة من أنه إنما قبح الفعل وحسن للاستحلاء والنفرة، ومستندهم ما مر من الشبهة في مسألة الحسن والقبح، وهي أن الحسن والقبح لميل النفس ونفرتها ونحو ذلك، وقد مر الجواب ثمة، وحاصله أنا نعلم قبح الظلم ونحوه وإن استحلته النفوس، ونعلم حسن العدل وإن نفرت عنه النفوس، وبهذا تم الكلام في المسألة، وبما قررنا يتبين لك أن الحق فيها ما ذهب إليه أئمة العدل، والحمد لله.
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : والعلم بهذه المسألة من فروض الأعيان؛ لأنه يبتني عليها العلم بعدل الله وحكمته.
تنبيه
قد تقدم في أثناء المسألة ما يعلم به وجه حسن الحسن، لكنه غير مستوفى ولم يتحرر نقل الخلاف فيه، ولهذا حسن منا أن نأتي له ببحث خاص يتبين به وجهه، واختلاف الناس فيه، فنقول: قد دل قوله: الحمد الله على أن أفعال الله تعالى كلها حسنة؛ إذ لا يحمد فاعل القبيح، وقد مر أن الحمد لا يكون إلا على الحسن، ولا خلاف في أن أفعال الله تعالى كلها حسنة، وإنما اختلفوا في وجه حسنها، فقالت العدلية: يحسن الفعل منا ومن الله تعالى لوقوعه على وجه، ثم اختلفوا في تعيين الوجه، فقال أئمتنا"، وأبو عبد الله البصري وغيرهم: هو تعريه عن وجوه القبح؛ إذ لا واسطة بين القبيح والحسن، هذه حكاية الأساس عن من ذكر، والذي حكاه النجري عن أبي عبد الله البصري أنه إنما يحسن للتعري المذكور، ولحصول غرض فيه، قال: واختاره أكثر المتأخرين.
قلت: ورواه القرشي عن الجمهور، وأقره الإمام عز الدين عليه السلام ، وقال أبو علي، وأبو هاشم: بل وجهه كون فيه جلب نفع، أو دفع ضرر، إما للنفس، أو للغير.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : هذا هو الوجه عندهما فيما عرف فيه ذلك، وأما نحو الصدق الذي لا نفع فيه ولا دفع، فحسن عندهما لكونه صدقاً، وكذلك الأمر بالحسن والنهي عن القبيح، فحسن لكونه أمراً بالحسن، ونهي عن القبيح.
وحكى في (الأساس) عن البغدادية والمجبرة جميعاً أنه إنما يحسن منا لإباحة الشارع، أما البغدادية فلأن الأصل في الأفعال الحظر، وأما المجبرة فلأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فيحتمل رضاه فيحسن، ويحتمل عدمه فيقبح، ولذا توقفوا، وقد مر الجواب عليهم في المقدمة.
وأما البغدادية فلم يحك هذا عنهم إلا في الأساس، وقد عرفت مما مر أنه لا يقول إن الأصل في مطلق الأفعال الحظر إلا بعضهم، وأن ذلك ليس إلا فيما ليس له جهة محسنة، ولا مقبحة ظاهرة لا في مطلق الفعل.
قال (الشرفي): لأنهم لا يخالفون في أن ابتداء الإحسان، وصنائع المعروف حسنة بحكم العقل من غير نظر إلى إذن الشرع وإباحته.
قلت: وظاهر حكاية الإمام القاسم عليه السلام عنهم هنا، وفيما سبق أنهم يقولون بما حكاه عنهم مطلقاً وهو وهم، فتأمل.
نعم وأما في أفعال الله تعالى فهم موافقون في أن وجه حسنها تعريها عن وجوه القبح.
إذا عرفت هذا فاعلم أنه قد قيل: إن الخلاف بين الجمهور والشيخين لفظي.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : قيل وكلامهم جميعاً متقارب، مع اتفاقهم على أنه متى حصل وجه قبح مع وجه الحسن أن الحكم يكون له ويقبح، ولا يعتبر حصول وجه الحسن فيه.
قلت: وبما ذكره عليه السلام من الاتفاق يبطل ما اعترض به الجمهور على الشيخين من أنه يلزم حسن الكذب الذي فيه نفع أو دفع، وكذا إلزامهما كو ن الفعل حسناً قبيحاً عند اجتماع وجهي الحسن والقبح، كالكذب النافع.
قلت: ويؤيد القول بأن الخلاف لفظي أن الإمام المهدي عليه السلام أطلق القول بأنه يحسن الفعل منا ومن الله تعالى لوقوعه على وجه من كون فيه غرض صحيح مع تعريه عن وجوه القبح عن المعتزلة، ولم يذكر بينهم خلافاً.
قال عليه السلام : ومعنى حسنه أن له أن يفعله، كما أن معنى القبح أن ليس له أن يفعله، ثم احتج لهم بأنا نعلم بضرورة العقل حسن إرشاد الضال، وإنقاذ الغريق، والإحسان إلى الغير، والملحدة يعلمون ذلك، ومتى علمنا الإحسان علمنا حسنه، وإن جهلنا ما جهلنا، ومتى لا فلا، فكان ذلك هو المقتضي لحسنه؛ لأن وقوعه عليه وجوداً وعدماً يقتضي تأثيره فيه؛ لأن ذلك هو الطريق إلى العلل، والأسباب، والشروط.
قال (النجري): فإن قيل: ذبح البهائم قبيح عقلاً لأنه إضرار بها خالص، وقد صار حسناً شرعاً، ولم يتعر عن وجه القبح الأول.
فالجواب: أنه لما أذن الشارع بذبحها علمنا أنه قد تدرك لها بعوض في مقابلة هذا الضرر، فلم يكن خالصاً عن جلب نفع لها، فزال وجه القبح العقلي.