أحدها: أن يقال لو أوجد العالم لغرض لكان ذلك الغرض إما قديم، أو محدث، والأول باطل، وإلا لزم قدم العالم لوجوب حصول الفعل لأجل الغرض، والثاني: باطل أيضاً، وإلا احتاج الغرض إلى غرض فيتسلسل ويدور، وأجيب بأنه أوجده لما يعلمه في الأزل من أنه إذا أوجده انتفع بإحسانه، وليس الداعي موجباً، فيلزم قدم العالم، هذا معنى جواب الإمام المهدي عليه السلام وهو يقتضي التزام قدم الغرض، بل قد صرح به في جوابه، فإنه قال قلنا أوجده لغرض أزلي، وهو علمه بأنه إذا أوجده...إلخ ما ذكرنا، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه يقتضي إثبات الغرض قديماً، ولا قديم مع الله تعالى، والأولى في الجواب ما ذكره النجري، وهو أن الغرض محدث وهو انتفاعهم، ويدفع التسلسل والدور أن الانتفاع من فعلهم، وإنما الذي من فعل الله هو خلق العين المنتفع بها.
الوجه الثاني: قال الرازي: الغرض في فعل الله إما أن يكون له في انتفاع ذلك الغير غرض يعود عليه فيلزم صحة الحاجة عليه تعالى، وهو محال، أو لا غرض فيه يعود عليه لزم كون وجود الفعل بالنظر إليه تعالى وعدمه على سواء، وإذا كان وجوده وعدمه على سواء فلا معنى لكونه غرضاً مرجحاً للإيجاد، بل يستحيل كونه غرضاً.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : ويمكن الجواب بأن حاصل دليلك هذا إنكار أن يكون النفع العائد إلى الغير غرضاً، وهو نفس المتنازع فيه، فإنا نقول إنه غرض صحيح، وإنه يعلم بالعقل حسن إرشاد الضال عن الطريق، وإطعام جائع قد أشرف على الهلاك، وإن فرضنا عدم حصول نفع في ذلك يعود إلى المرشد والمطعم بأن لا يخطر بباله ثناء ولا ثواب، أو بأن يكون ممن يجهل ذلك.
وقال (النجري) في جواب هذا الوجه: وقولهم لا بد أن يعود الغرض على الفاعل قلنا: هو عائد عليه من حيث كونه غرضاً باعثاً لا من حيث كونه نفعاً، وليس يلزم أن يعود عليه من كل وجه.
واعلم أن الإمام المهدي عليه السلام قد أورد هذا الوجه، وقال: إنه شبهة واقعة يدق المسلك إلى التخلص منها إلا بتوفيق الله وهدايته، ثم أجاب عنه، وحاصل جوابه أنا نختلف نحن والمجبرة في الإحسان المجرد عن كل غرض يعود إلى فاعله سوى كونه إحساناً، هل يكفي في البعث على الفعل أم لا، فعندنا أنه يكفي، وعندهم لا يكفي؛ لأنه مع استواء العدم والوجود فيما يعود إلى الفاعل من النفع يستحيل أن يكون باعثاً له على الإيجاد.
قال عليه السلام : وهذه قاعدة عظيمة ينبغي إمعان النظر فيها، وإمعان النظر فيها لا يكون بالمقدمات والنتائج، بل بمراجعة النفس، ونحن إذا راجعنا أنفسنا، وعلمنا أن العقل يستحسن إرشاد الضال، وإطعام الجائع وإن انتفى العلم بالثواب والعقاب، وكان المرشد لا يرجو مدحاً ولا نفعاً بأن يكون إحسانه إلى أخرس، أو أعمى، أو بهيمة لا مالك لها، وأن يكون الإحسان في مكان خال عن الناس حتى لا يرجو ذلك من الغير، فمن راجع نفسه في هذه الأمور فإنه يحصل له العلم الضروري بأن فعل ذلك عنده أرجح من تركه، وأن مجرد الأولوية انتفاع ذلك الغير، وإذا ثبت هذا في الشاهد ثبت مثله في الغائب، فإن قيل: إنما كان ذلك باعثاً على الإحسان؛ لأن المحسن يتصور أنه لو فعل به مثل ذلك لالتذ به وانتفع، فيصير لهذا التصور ملتذاً بالفعل فيكون باعثاً، ونظير ذلك أن العاشق يلتذ بتصور معشوقه ومواصلته حتى ربما حرك شهوته، فلولا هذا التصور في الشاهد لما رجح فعل الإحسان، قيل: إنا نراجع النفس مراجعة أخرى.
فنقول: لو قدرنا ذهول الخاطر عن هذا التصور عند الفعل، فإنا نعلم ضرورة أن فعل الإرشاد ونحوه أرجح من تركه، ولا مرجح له إلاكونه إحساناً مجرداً، ومن نازع في ذلك، وأنكر رجحانه عند هذا التقدير حكمنا عليه بالعناد، وعلى رويته بالفساد، فثبت ما قلنا.
الوجه الثالث: قال: لو فعل لغرض لم يخل إما أن يمكن حصوله بغير الفعل فيكون الفعل غنياً عن الغرض أولى، كان حصول الغرض مشروطاً بالفعل، وذلك باطل؛ لأن أكثر الأغراض لا تحصل إلا بعد انقضاء الأفعال التي تفعل لأجلها، وحصول الغرض بعد عدم الفعل يمنع كونه شرطاً.
وأجيب بأنا لا نسلم أن تأخر الغرض عن الفعل يمنع كونه شرطاً؛ إذ لا يمتنع ترتب حصول الغرض على أمر معدوم حال حصول الغرض، ألا ترى أن الغرض بالرمي الإصابة، وحال الإصابة قد عدمت الوسائط وهي الاعتمادات مع كونها شرطاً في الإصابة.
واعلم أن ظاهر كلام الرازي أن الفعل لا يقع إلا لمرجح شاهداً وغائباً، وهو يوافق أن قادرية القديم تعالى غير موجبة للفعل، وعلى هذا فلا يصح أن يختار الفعل في وقت دون وقت إلا لمرجح غير المؤثر في الإيجاد وهو القادرية، وذلك المرجح هو الذي أردناه بالغرض، فصح أنه لا يفعل إلا لغرض عندنا وعنده، فكيف يحكم باستحالته عليه تعالى، اللهم إلا أن يخرج عن هذا المذهب في هذا الموضع كما خرج عنه حيث ألجأته الضرورة بشبهة الفلاسفة في قدم العالم إلى الخروج عنه، فالتزم صحة وقوع الفعل لا لمرجح، وهذا دأبه بينما تراه يقرر أدلة بعض المسائل، ويهذبها، ويقويها، ويبطل ما خالفها، فإذا أعيته شبهة للفلاسفة أو غيرهم أبطل ما قرر، وصحح ما أبطل، شأن من لم يجعل نظره لمجرد معرفة الحق.
فائدة [العلم بعلل فعل الله]
قال الإمام (المهدي) عليه السلام : العلم بهذه المسألة -أعني مسألة أن الله لا يفعل إلا لغرض- من فروض الأعيان؛ إذ هي من تتمة العلم بعدله، وحكمته.
البحث الثاني: في بيان حسن التكليف، وتحقيق وجه الحكمة، والغرض به
إما حسنه فلأنه فعل الله تعالى، وقد تقدم أنه لا يفعل القبيح، وأما وجه الحكمة فهو كونه تعريضاً للمكلف إلى درجات لا تنال إلا به، ومعنى كون الله تعالى عرضنا لذلك هو أنه أعلمنا ما نستحق به الثواب فعلاً وتركاً، ومكننا من ذلك، وأزاح عللنا لنستحق الثواب، ومما يدل على أنه وجه الحكمة ما ذكرنا هو أن الله تعالى إذا خلقنا وأحيانا، وأقدرنا، وأكمل عقولنا، وخلق فينا شهوة القبيح، والنفرة عن الحسن، فلا بد من أن يكون له فيه غرض لما مر من أنه لا يفعل إلا لغرض، وذلك الغرض إما أن يريد به الإغراء بالقبيح، وهو باطل لأنه قبيح والله لا يفعل القبيح، وإما أن يريد به التكليف إذ لا غيرهما، فإذا تعين أن المراد به التكليف فلا يجوز عود الانتفاع به إلى الباري لغنائه، ولا أن يريد به الإضرار بنا لقبحه، فتعين أن المراد به نفعنا، وهو ما ذكرنا من الدرجات التي لا تنال إلا به، فصح أن الله متفضل علينا بالتكليف، وأنه حسن.
البحث الثالث: في بيان حسن تكليف من لا يقبل
وهو الذي تضمنه المثال، وبيان الفرق بين تكليف الله لمن يعلم منه عدم القبول، وبين ما ذكره في المثال أن الواحد منا إذا أمر عبده بأمر، وهو يعلم أنه يعصيه ويستخف به، فإنه يقبح منه، أما بيان حسن التكليف ممن يعلم منه عدم القبول فلأن الوجه الذي حسن لأجله تكليف من يقبل حاصل في هذا، وهو التعريض على الخير، ولا فرق بين المكلفين إلا أن المؤمن أحسن الاختيار، والعاصي أساء الاختيار لنفسه، وسيأتي لهذه المسألة تحقيق يستوفي جميع أدلتها، والجواب عما يرد عليها، وأما بيان الفرق بين تكليف من علم أنه لا يؤمن، وبين ما ذكره في المثال، فنقول: إذا ثبت حسن هذا التكليف، وتقرر أنه يقبح من الله ما يقبح من غيره، وأنه لا يفعل القبيح لعلمه وغناه، وأنه لا يفعل إلا لغرض وحكمة مع ظهور وجه في تكليف من يقبل ومن لا يقبل ظهر الفرق، وبطل قولهم في المثال أن الله يفعل أفعالاً لو وقعت من أحدنا لقبحت، بل نقول: لو قدرنا وقوعها من أحدنا على الوجه الذي وقعت من الله تعالى عليه لحسنت، وأما ما ذكروه من قياس فعل الحكيم في الشاهد على فعل الله تعالى الذي ذكروه في هذا المثال، فهو قياس فاسد لوجود الفارق، وهو أن الحكيم ينتفع بالطاعة والثناء؛ لأنه يحصل له لذة وسرور بهما، ويتضرر بالمعصية والشتم؛ لأنه يلحقه غم بسببهما، والمعلوم أن العقلاء يذمون من دفع ماله فيما يعود عليه وباله، وليس كذلك الباري تعالى، إذ لا يجوز عليه النفع والضرر، ولا اللذة والألم، واعلم أن في كلامهم أنه لو كان يقبح من الله ما يقبح من العباد لقبح منه التكليف، ولكان الإهمال أحسن.
وجوابه: أنا قد بينا فيما مضى أن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، وأوضحنا وجه الحكمة في التكليف بما يحصل به القطع بحسنه، وأيضاً لا نسلم حسن الإهمال فضلاً عن كونه أحسن، بل نقول بقبحه؛ لأنه إذا خلقهم لا لنفعهم ولا لنفعه، ولا لنفع غيرهم كان خلقهم عبثاً كما قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً }[المؤمنون:115 ]وقد بطل أن يكون خلقهم لنفعه بما مر، ولم يقم دليل على أنه خلقهم لنفع غيرهم، فتعين أنه خلقهم لنفعهم، فمن فاته النفع فمن نفسه أتي، وقد أجاب بمعنى هذا القاسم بن إبراهيم عليه السلام على الملحد، فقال: وأما قولك لم امتحن امتحانات عطب أكثرهم عندها؟ فإنا نقول في ذلك ولا قوة إلا بالله: إن الله سبحانه إنما امتحانه وأمره ونهيه داعية له إلى الحكمة، فالمأمور من قبل نفسه عطب؛ لأنه لم يأتمر بما أمره الله به سبحانه، ولا انتهى عما نهي عنه، ولو كان انتهى عما نهي عنه، وركب ما أمر به لكان يؤديه ذلك إلى الفوز العظيم، فهو من قبل نفسه عطب لا من قبل الله عز وجل، مثال ذلك فيما نعرفه أن حكيماً من حكمائنا لو أعطى عبيداً له دراهم، وقال لهم: اتجروا فإن ربحتم ولم تفسدوا فأنا معطيكم ما يكفيكم، وإن لم تفعلوا عاقبتكم فأطاعه منهم قوم، وعصاه آخرون لم ترجع اللائمة عليه بعصيانهم إياه، ولكنها لاحقة بهم حين عصوه، ولم يخرج دعاء سيدهم إياهم، وعطيتهم من الحكمة؛ إذ لم يدعهم به إلا إلى الإحسان، فلما كان ذلك كذلك كان الله حكيماً بأمره ونهيه.
قال الملحد: إن الله يعلم ما هم صائرون إليه، ونحن لا نعلم ذلك.
قال (القاسم) عليه السلام : إن الجهل والعلم لا يحسن الحسن، ولا يقبح القبيح، وذلك أنه لو كان حسناً لأن الآمر به يعلم أنه يفعله لكان قبيحاً إذا كان الأمر منا بما يصير إليه المأمور جاهلاً، ولما لم يكن ذلك قبيحاً لجهل الآمر؛ لأنه أمر بالحسن، ودعا إلى الحسن، وإن كان جاهلاً بما يصير إليه المأمور، أو عالماً، وشيء آخر وهو أنه لو كان الامتحان قبيحاً إذا علم أنه يعصي لكان لا شيء أقبح من إعطاء العقل؛ لأنه إنما يعصي عند وجوده، ويستحق الذم والمدح به، فلما كان إعطاء العقل عند الأمم كلها موحدها وملحدها حسناً دل ذلك على أن الامتحان والخلق والأمر بالحسن كله حسن علم أنه يعصي أم يطيع.
وقال (المنصور بالله): لم يختلف أحد من العقلاء أن خلق الإنسان حياً سوياً عاقلاً من أكمل النعم، وما اختلف في ذلك مسلم يقر بالصانع، ولا كافر ناف له أن خلق العقل من أجل النعم، قال: وقد ثبت أن بعد كمال العقل لا بد من واجبات عقلية يجمع على وجوبها المسلم والكافر، كقبح الظلم، ورد الوديعة، وقضاء الدين، وشكر المنعم إلى غير ذلك، والواجبات الشرعية لطف فيها، واللطف يجب فعله لأن تركه ينقض غرض الآمر والناهي، وذلك لا يجوز فلا بد من التعبد، ويدفع عنه القبح التمكن، وما في مقابله من الزجر والترغيب. ذكره في الشافي.
قلت: وكلامه عليه السلام يقتضي وجوب التكليف المستلزم لما قلناه من قبح الإهمال، لكن الخصوم ما داموا على إنكارهم لحكم العقل فلا يرتدعون عن باطل، ولا ينقادون لحق؛ لأنهم وإن عرفتهم عقولهم الحق والباطل لا يعولون على ذلك التعريف لاعتقادهم عدم الفائدة فيه، وعدم وجوب الانقياد له.
نسأل الله أن يلهمنا الرشد، ويدلنا على ما أراده منا، وأن يجعل نظرنا لمعرفة الحق أين كان، وعند من كان. آمين.
والجواب عن المثال الثاني أنه غير وارد على مسألة التحسين والتقبيح، ولا على مسألة حسن التكليف لوجوه:
أحدها: أنهم قالوا: لو أن الواحد منا قال لآخر... إلخ وظاهره أن الآمر لم يكن له تعلق بالمأمور لا بملك ولا بنعمة، ولا شك في قبح هذه المعاقبة، لكن ليس التكليف من هذا الباب؛ لأن الله كلف عبيده، وهو مع ذلك محسن إليهم بصنوف الإحسان، وأراد بذلك التكليف نفعهم فكان إحساناً من جملة الإحسان، ولا شك في وجوب امتثال أمر المالك المنعم، ولأن الامتثال شكر للمنعم، وقد ثبت وجوب شكر المنعم، وأن تركه إساءة إلى المنعم، ومعاقبة المسيء حسنة عند العقلاء، فصح أن هذا المثال غير وارد.
الوجه الثاني: أنا لو فرضنا صورة المثال فيمن له تعلق بالآمر، فإنه يقبح من هذا الآمر العقاب؛ لأنه لم يتقدم نهي عن المخالفة، ولا توعد عليها، والتكليف لا يحسن إلا مع الزجر عنها، فلو فرضنا زجر السيد لعبيده لقلنا بحسن عقابه على المخالفة، وأن ذلك لا يقدح في حسن التكليف كما تقدم في كلام القاسم عليه السلام .
الوجه الثالث: أن هذا الآمر إنما عاقب المأمور لمجرد تفويته نفع نفسه، والعقاب على مثل هذ قبيح، وأما عقاب الله تعالى للعاصي فليس على هذا الوجه، بل لمخالفته لأمر المالك المنعم بترك الواجب، وارتكاب القبائح، والمعلوم عند العقلاء أن من خالف أمر المالك المنعم فترك ما أمر به، وارتكب ما نهى عنه مع أنه قد حذره عاقبة المخالفة، وقدم إليه بالوعيد، فإنه يستحق العقاب، وإذا كان العقاب مستحقاً فلا إشكال في حسن استيفاء المستحق، وأيضاً فإن العاصي لسيده المنعم عليه يستحق الذم، وسيأتي أن العقاب يستحق بما يستحق به الذم، ويسقط بما يسقطه.
وبعد: فإنا قد قدمنا عن المنصور بالله عليه السلام أن إكمال العقل حسن، وأن كماله يقتضي وجوب واجبات عقلية، وأن في الأفعال ما يقرب من هذه الواجبات، وأن هذه المقربات تجب لوجوب الواجبات العقلية، وثبت أن هذه الواجبات الشرعية لطف في العقلية، فوجب في حكمة الحكيم التعبد بها.
قلت: وبما قررنا ثبت الفرق بين المثال ومسألة التكليف، وما يترتب عليها، وثبت حسن التكليف، وحسن العقاب المرتب عليه عقلاً، بحيث لو فرضنا وقوع مثله من أحدنا على هذا الوجه لم يقبح منا، كما لم يقبح من الله تعالى، ولو اختل قيد مما نبهنا عليه لقبح من الله تعالى كما يقبح منا.
والجواب عن المثال الثالث: أنه قد تقدم أن الله إنما كلف عباده ليعرضهم على خير لا ينال إلا بالتكليف، وهو الثواب والثواب لا يجوز التفضل به؛ لتضمنه تعظيم من لا يستحق التعظيم وهو قبيح، وإنما قلنا: إن التفضل به متضمن لذلك؛ لأن حقيقة الثواب المنافع المستحقة على جهة الإجلال والتعظيم، وأما قبح تعظيم من لا يستحق التعظيم فهو معلوم، فإنه يقبح منا تعظيم الصبي، والمجنون، وأسافل الناس، والأجانب منهم كتعظيم الأنبياء والعلماء، والأئمة، والوالدين، والرؤساء، وأن من فعل ذلك فإنه يستهزأ به، ويسخر منه، وليس ذلك بمواضعة ولا غيرها؛ لأنا لو قدرنا ذلك فيمن لا يعرف مواضعة الناس، ولا عاداتهم، فإنه يعرف بعقله قبح تعظيم الأجنبي الذي لا يرجو نفعه، ولا يخشى ضره كتعظيم من ذكرنا ضرورة.
نعم والمجبرة يخالفون في هذه المسألة، ويحكمون بحسن التفضل بالثواب بناء على أصلهم الفاسد.
واعلم أن النعم على مراتب، فمنها ما يحسن التفضل به ابتداء، وذلك ما لا يكون على جهة التعظيم كخلق الحي، وخلق حياته، ورزقه، وعقله ونحو ذلك، وهذا لا يحسن توقفه على المشقة؛ لأنه لا غرض في المشقة سوى الانتفاع، وهو ممكن من دونها، ولا قبح يلزم من التفضل به، فعلى هذا تقبح المشقة لكونها عبثاً، ومنها ما يكون عوضاً على ما يصيب المرء من الآلام، والنقائص وغير ذلك، وهذه الآلام ونحوها لا بد وأن يكون فيها غرض يتعلق بالتكليف، وهو اللطف، والاعتبار له، أو لغيره من المكلفين، ويعوضه الله من المنافع بما لو خير بينها وبين الألم لاختار الألم لأجل تلك المنافع العظيمة، ويكون المقصود هو اللطف، والاعتبار، وأما العوض فعلى وجه التبعية، ولكنه يكون مستحقاً، ولا يجوز الإيلام بمجرد العوض؛ لأنه كان يمكن الابتداء بمثله، ومنها ما لا يحسن الابتداء به، وهو الثواب المستحق على فعل الطاعات، واجتناب المعاصي، وقد مر الكلام عليه قريباً.