واعلم أن القول بأن الأصل في مطلق الأفعال الحظر ليس قول البغدادية جميعاً، وإنما قاله بعضهم كما في (الجوهرة)، ولم يقولوا به إلا فيما لا يدرك العقل فيه جهة محسنة، ولا مقبحة، لا في مطلق الفعل، مع أنه لم يبن مذهبهم على هذا الأصل إلا الإمام القاسم عليه السلام في (الأساس) فيما اطلعت عليه، وأما غيره فاحتجوا لهم بالوجه الثاني، وهو أولى كما عرفت.
وأما أهل القول الثالث وهم الإخشيذية، فاحتجوا بأن الكذب إنما يكون كذباً بإرادة الإخبار عن الشيء، لا على ما هو به.
وأجيب بأنا لا نسلمه، بل يكون كذباً إذا لم يطابق سواء أراد أم لا، بل يكون كاذباً وإن اعتقد المطابقة وأراد الإخبار عنها، ولو سلمنا ذلك في الكذب فلا نسلمه في غيره من القبائح، فإن قيل: إن سائر القبائح كالكذب لا يؤثر فيها إلا الإرادة؛ إذ هي المؤثرة في وقوع الفعل على وجه دون وجه، والقبح فرع على وقوع الفعل على وجه مخصوص، فإذا لم يقع على ذلك الوجه إلا بالإرادة كانت هي المؤثرة في قبحه؛ لأن المؤثر في سبب الشيء هو المؤثر في ذلك الشيء.
فالجواب: أنا نعلم ضرورة أنه يقبح الظلم وإن لم يرد اتفاقاً، وذلك فيما لو سلب الله فاعله الإرادة، وكذلك فعل الساهي، والنائم فإنه قبيح عند من لم يعتبر القصد، مع أنه لم يرد.
قال القرشي: ومما يبطل قولهم إنه قد يعلم القبيح من لا يعلم الإرادة، بل من لا يثبتها، وأيضاً فإن الإرادة مما يقبح ويحسن، فتكون هذه الإرادة قبيحة؛ إذ إرادة القبيح قبيحة، فيجب أن تحتاج إلى إرادة، فيلزم التسلسل، أو التحكم لو اقتصر على البعض.
قال النجري: وأما ما قيل إنه يلزمهم الدور لأنه إنما قبحت الإرادة لقبح المراد، فإنما يلزمهم لو قالوا: قبح المراد لقبح الإرادة، وأما حيث قالوا: القبح الإرادة نفسها فلا دور.
واعلم أن الإمام المهدي عليه السلام قد ذكر أنه لا طائل تحت هذا الخلاف، وقال: إن التحقيق أنهم لا ينازعون في أن القبح متفرع على الوجه المخصوص، وعلى الإرادة؛ لأنه لا يقع على ذلك الوجه إلا بها، فالقبح مترتب عليهما، إلا أن الإخشيذية رجحوا التعليل بالإرادة، ونحن رجحنا التعليل بالوجه؛ لأن كون الفعل جامعاً لقيود الظلم مثلاً هو الذي يناسب التأثير في القبح لا مجرد كونه مراداً، ولأن التعليل بالإرادة غير مطرد ولا منعكس، أما الطرد فلأنها قد تثبت الإرادة ولا قبح، وذلك حيث يراد الحسن، وانتقاض طرد العلة يبطلها بالإجماع، وأما عدم عكسها فلثبوت القبح من دونها كما مر، فثبت أن العلة في القبح هو وقوعه على وجه لمناسبته للحكم، ولكونه مطرداً منعكساً.
وإلى هنا انتهى ما احتج به أهل العدل من الحجج العقلية القاضية بأنه يقبح من الله تعالى ما يقبح من غيره.
وأما أدلتهم السمعية فستأتي في مواضعها إن شاء الله.
فائدة [في ذكر الوجوه والاعتبارات التي يحصل بها الحكم]
قال المقبلي: الوجوه والاعتبارات التي يتحصل بها الحكم هو شيء مقدور، وضابطه ما حكم، وأدرك العقل عنده الحسن والقبح، ثم قد يزيد على تلك الوجوه المعينة وجه أو وجوه، فإذا اعتبر المجموع فتارة يتأكد الحكم الأول فقط مثل الزنا في المسجد في رمضان مثلاً، وقد يتصف المجموع بحكم مخالف لحكم المزيد عليه، والمزيد عليه باق على ما هو عليه، فإنه مع الزيادة مغاير له مع عدمها، فلا بعد ولا إحالة في اتصاف كل منهما بغير ما اتصف به الآخر، فإذا حكم العقل مثلاً بحسن الصدق وقبح الكذب، ثم فرضنا أنه جاء دليل شرعي بأن الكذب الذي فيه عصمة نبي واجب، والصدق الذي به هلاكه حرام لم ينقض علينا قاعدة الحسن والقبح، بل ولا هذه الصورة التي أدرك حكمها العقل؛ لأنه إنما أدرك حسن صدق غير مقيد بكونه يهلك به نبي، وقبح كذب غير مقيد بكونه ينجو به نبي.
يحكى عن بعض أهل البوادي أنهم يبيتون الضيف مع أزاوجهم ومحارمهم، ويقولون: هم إكرام الناس للضيف، فهؤلاء ضموا إلى إكرام الضيف هذه الخسة، وسموا المجموع بإكرام الضيف، والذي يفعل ذلك إنما يسمى ديوثاً ونحوه، وإكرام الضيف إنما هو جزء فعلهم هذا، وهو إكرام الضيف فيما عدا هذه الخسة، ومع تناهي فعلهم هذا في القبح لا يخرج إكرام الضيف من كونه من أشرف الخصال، وأفضلها، ولا يكاد فعل يخلو عن مفسدة ولو مجرد المشقة، وفوات الدعة، ولا عن مصلحة ولو اللذة، وإطلاق عنان النفس فإنها ما منعت من شيء إلا اشتاقت إليه، ولكن يعتبر الأرجح، ويضمحل عنده المرجوح، وهذا يحتاج إلى معاودة التأمل، وعدم الاستعجال مع نقاوة غريزة، وذهن صاف سيال.
قال: فإن قلت هذا يخالف قولهم قبح الكذب لكونه كذباً، والظلم لكونه ظلماً، والعلة موجودة بتمامها مع كل عارض مقدر في الكذب؛ لأن حقيقته مقررة لا تزول إلا بزواله بخلاف الظن.
قلت: إنما حكمنا بقبح ما أدرك العقل قبحه بضرورته، وأما تصيدكم العلة، ثم إلحاق ما لم تدركه الضرورة العقلية، فلا يفيد اليقين لعدم القطع بعدم الفارق، وإنما غايته الظن الذي الأصل منعه ما لم يدل على الاستغناء به دليل، فدعه {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم ٌ}[الإسراء:36]، {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ }[النجم:شَيْئاً28] {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }[الحجرات:12 ]فما يؤمننا أن يكون هذا منه، وما لم تلجئنا الضرروة العقلية فلا علينا أن نكل أمره إلى خبر الشرع، ونذعن له بالطاعة والسمع، فكل ما لم تضطرنا إليه الضرورة العقيلة، فنحن فيه سمعية، يقال: وهذا أوسط الأمرين بين تفريط الأشاعرة، وإفراط المعتزلة.
قلت: وهو بحث نفيس، إلا أن ظاهر قوله إنه إنما يحكم بقبح ما أدرك العقل قبحه بضرورته إلى آخره يقتضي أن القبح يكون لا لعلة، وهو يناقض قوله فيما نقلناه عنه في تأويل كلام البغدادية من أن الفعل لا يقبح إلا لوقوعه على وجه مخصوص، ولو قرر كلامه هذا الباهر في عدم إدراك العقل قبح الكذب المتضمن لسلامة نبي بما ذكره الإمام المهدي عليه السلام من أن علة قبح الكذب الذي يعلم بضرورة العقل مركبة من إثبات، ونفي وأن ما عداه شرعي، لكان أولى ليسلم من إيهام المناقضة، ولا لوم عليه بموافقة إمام من أئمة الهدى.
الموضع الثالث: في شبه المخالف
وقد عرفت مما سبق أنهم متفقون على أنه لا يقبح من الله تعالى ما يقبح من غيره، ثم اختلفوا في علة ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول للأشعرية ومن وافقهم، وهو أن الفعل لا يقبح إلا لنهي الشارع والباري تعالى ليس بمنهي فلا يقبح منه ما يقبح من غيره، ولهم على ذلك شبه عقلية، وسمعية، أما العقلية فأحدها أنه قد وقع من الباري تعالى أفعالاً لو وقعت من الواحد منا لأنكرها العقلاء، ولحكموا بقبحها وسفه فاعلها، ومع ذلك فهي مستحسنة من الله تعالى، فصح أنه لا يقبح من الله ما يقبح من غيره، وأنها إنما قبحت منا للنهي، وضربوا لذلك أمثلة:
المثال الأول: إن الله تعالى كلف من علم أنه سيكفر، ولو أنه تركهم كالبهائم يأكلون، ويشربون، ويتلذذون لكان أحسن عند العقلاء من تكليفهم بما يوجب مخالفتهم لأمره، والاعراض عن ذكره والثناء عليه، بل ربما يوجب سبه ومنازعته في ربوبيته، ألا ترى أنه لو كان في الشاهد حكيماً يحب الثناء عليه والطاعة له، ويكره الذم والعصيان لأمره، وكان له عبيد يعلم من حالهم أنه إذا تركهم مهملين اشتغلوا بلذاتهم، ولم يتفرغوا للثناء على سيدهم، فإن إهمالهم لا يحسن ولا يقبح، ثم إنه إن كان يعلم من حالهم أنه إذا كلفهم بالثناء والطاعة خالفوه، وشتموه، ونسبوه إلى كل رذيلة، ثم كلفهم والحال هذه، فإن العقلاء يذمونه على هذا التكليف، ويشيرون عليه بتركه، ويقولون إن كنت تكره سماع القبيح فاتركهم مهملين، فإذا لم يقبل ما أشاروا به عليه نسبوه إلى السفه والجهل، فثبت أنه لا يقبح من الله ما يقبح من أحدنا.
المثال الثاني: أن الواحد منا لو قال لآخر: إني أريد أن أنفعك بتعلم الكتابة لتصل بها إلى منافع عظيمة، ودرجات رفيعة، ولا غرض لي إلا نفعك وصلاحك؛ إذ لا نفع لي إن فعلت، ولا ضرر علي إن تركت، فعليك بتعلمها، ثم إن المأمور لم يفعل شيئاً، فأمر ذلك الآمر بحبسه، وضربه، وتحريقه بالنار لعدم امتثال أمره الذي قد عرضه لأجله على تلك المنافع، فإن كل عاقل يستقبح تعذيب الآمر للمأمور لعدم نفع نفسه، والله تعالى قد كلف عباده بالطاعة التي يتوصلون بها إلى النعيم الدائم، ثم أخبر أنهم إن لم ينفعوا أنفسهم عاقبهم أشد العقاب ولم يقبح منه.
المثال الثالث: أن الحكيم الغني المالك لما لا يحصى من أنواع الملاذ من المطاعم وغيرها، وهو لا يمنعها من كثير من الحيوانات، ولا ينقصها ما أخذته منها لو كان له عبد محتاج، فسأل سيده أن يعطيه من ذلك ما يسد فاقته، فقال: لا أعطيك حتى تنقل كل يوم حجراً من هذا الجبل إلى هذا الجبل، فقال: ألك في هذا نفع؟ قال: لا، ولكني أريد أن أجعل ما أعطيك عوضاً عن هذا الفعل، فقال العبد: هذا يضرني، ولا ينفعك، وأنت قد تفضلت على غيري بأضعاف ما تعطيني، فقال: لا أعطيك حتى تفعل ما قلته، فإن المعلوم أن العقلاء يذمون هذا السيد، وينسبونه إلى العبث، والمعلوم أن الله تعالى قد كلف عباده بما لا نفع له فيه، ولا دفع ضرر عنه، بل هو ضرر محض على المكلفين، وقال: إنه لا يدخلهم الجنة حتى يؤدوا ما قد كلفهم مع أنواع المشاق، مع أنه قد تفضل بها على الأطفال والمجانين، ولم يقبح منه هذا التكليف.
المثال الرابع: أن من قتل رجلاً له أطفال، فإنه يقبح منه، وكم يميت الله من الآباء الذين لهم من الأطفال ما تسكب لرحمتهم العبرات، وترق لرؤيتهم القلوب القاسية، ولم يقبح.
المثال الخامس: إن الله خلى بين عبيده يقتل بعضهم بعضاً، ويأخذ ماله، ويزني بعضهم ببعض مع علمه وقدرته على التفريق بينهم، بل أمدهم بأموال ومنافع تهيج شهواتهم، وتشد من قواهم، ولم يقبح منه، ولو فعل مثله الواحد منا لقبح منه، قالوا: فلو كان القبح لأمر يرجع إلى ذات الفعل لما وقعت من الله تعالى؛ إذ ما كان ذاتياً فلا يختلف باختلاف الفاعلين، ولما وجدنا هذه الأفعال تقبح منا، ولا تقبح من الله تعالى تعين أنه لا وجه للفرق إلا كوننا منهيين بخلاف الباري تعالى، والجواب من وجهين: جملي، وتفصيلي.
أما الجملي فنقول: لو كان العلة في القبح النهي للزم إذا نهى الله عن عبادته، وعن العدل، والإنصاف أن تقبح هذه الأمور، ولعلهم يلتزمون قبحها لأنها لأجل النهي تنافر الطبع، وفي التزامه من الشناعة ما لا يخفى، ويلزم على علتهم هذه إبطال الشرائع؛ لأن معرفة الشرائع متوقفة على معرفة النبوة، ونحن لا نعرف النبوة إلا إذا علمنا أنا مأمورون منهيون، ولا طريق لنا إلى معرفة الأمر والنهي إلا من جهة النبي، وهذا محض الدور الذي يلزم منه عدم إمكان معرفة الشرائع؛ لأنه إذا لم يمكن العلم بالنبوة لم يمكن العلم بشيء مما يتوقف عليها، وهو معنى إبطال الشرائع، وأيضاً لو قبح الفعل للنهي لكان يجب أن يحسن الحسن للأمر؛ لأنه نقيض القبيح، والواجب في النقيضين أن يكون مقتضي -بالكسر- كل واحد نقيض مقتضي الآخر، وهذا بالكسر أيضاً، وإذا حسن الفعل لأجل الأمر وجب أن لا يحسن من الله حسن لفقد الأمر، كما أنه لا يقبح منه قبيح لفقد النهي.
ومن قال: إن أفعال الله غير حسنة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، فإن قيل: لا نسلم أن نقيض القبح الحسن، بل نقيضه لا قبح، وأما الحسن فهو ما لا يرد النهي عنه ممن له النهي وهو المالك، وعلى هذا فأفعال الله كلها حسنة، فلا يلزم ما ذكرتم.
قيل: لو كان الحسن ما ذكرتم لوجب حسن الظلم، والكذب قبل ورود الشرع؛ إذ لا نهي، وأنتم موافقون لنا في إثبات الحسن والقبح العقليين، وإنما خالفتم في تفسيرهما، وقد أوضحنا فيما مر أنه لا محيد لكم عن التفسير الذي ذكرناه، ولذا قلنا: إنكم موافقون لنا في المعنى، وقد بينا فيما مر أن من أنكر قبح الظلم ونحوه قبل ورود الشرع، ولم يفرق بينه وبين العدل، فإنه لا يستحق المناظرة.
وبعد فلو كان علة القبح النهي لما عرف القبح من لا يعرف الناهي والنهي، كالملحدة، ومن لا يعرف الشرائع كالبراهمة، والجاهلية؛ لأن العلم بالقبح يتفرع على معرفة وجه القبح جملة، أو تفصيلاً، والمعلوم من حال هؤلاء أنهم يستقبحون الظلم والكذب، ويستحسنون ذم فاعلهما، وأنتم تعترفون بذلك، لأنكم قد أقررتم أن العقلاء يعدونهما صفة نقص، وقد قدمنا أنه لا معنى للنقص إلا كون الفاعل يستحق الاستخفاف، والذم أحد أنواع الاستخفاف، وأيضاً لو أثر أمره ونهيه تعالى في القبح لأثر أمرنا ونهينا؛ لأن صيغ الأمر والنهي تتماثل، وهي العلة بزعمكم، والعلل في إيجاب الحكم لا تختلف باختلاف الفاعلين، ألا ترى أن الحركة لما كانت علة في كون الذات متحركة لم يفترق الحال بين أن تكون من قبلنا، أو من قبل الله تعالى، فكذلك هاهنا، والمعلوم خلافه، مع أنه يلزم لو كان لأمرنا ونهينا تأثيرٌ أن يكون الشيء الواحد حسناً وقبيحا دفعة واحدة بأن يأمر به شخص، وينهى عنه آخر، وفي هذا جمع بين المتناقضين.
فإن قيل: إنما أثر أمر الباري ونهيه لوجوب طاعته دوننا.
قيل: قد أجاب عن هذا القرشي، فقال: بالعقل علمتم وجوب طاعة الخالق، فقد أبطلتم مذهبكم في أن العقل لا يقضي بالوجوب، أم بالأمر، فيعود الإلزام لأنكم إنما نوزعتم في الفرق بين أمره وبين أمر عباده، فما لم تجعلوا الفرق عقلياً فالإلزام باق، ولا ينقلب علينا هذا لأنا نجعل أمره تعالى دليلاً على الوجوب لا مؤثراً فيه، وصح ذلك في أمره دون أمرنا؛ لأنه تعالى حكيم لا يأمر إلا بحسن، فلذلك لم يدل أمرنا على الوجوب، ولا نهينا على القبح.
فإن قيل: نحن نلتزم تأثير نهينا في القبح، فإن من نهى عن دخول داره أو نحوه، فإن الدخول يقبح، ولا علة له إلا النهي.
قيل: قد أجيب بوجهين:
أحدهما: ذكره القرشي، وهو أن النهي لم يكن علة للقبح، بل كاشفاً عن عدم الرضا، والدخول مع عدم الرضا ظلم؛ لأنه ضرر لا نفع فيه، ولا دفع، ولا استحقاق، وكونه ظلماً هو الوجه في قبحه.
الثاني: ذكره الإمام عز الدين عليه السلام وهو أنه لم يقبح لمجرد نهي صاحب الدار، بل لأن الشارع نهى عن التصرف في ملكه بغير رضاه، ونهيه قد كشف عن عدم الرضا، فيكون ذلك مما نهى عنه الشرع.
قلت: وإنما رجح الإمام عليه السلام هذا الوجه على الأول؛ لأنه يقبح دخول الدار، وإن فرض عدم الضرر فيه.
واعلم أن لنا أصلاً قد تقرر، وهو أن الله تعالى عدل حكيم لا يفعل شيئاً من القبائح فما لم يظهر لنا وجه الحكمة فيه من أفعاله تعالى رددناه إلى هذا الأصل، وذلك كاف إذ لا نحتاج إلى معرفة وجه الحكمة على التفصيل، وقد ذكر نحو هذا القاسم بن إبراهيم، والسيد مانكديم، والمنصور بالله" وغيرهم من أصحابنا.
وأما الوجه التفصيلي وهو الجواب عن كل واحد من هذه الأمثلة على انفراده، واعلم أنها مما ينبغي إمعان النظر في تحقيق الجواب عنه، وذلك لا يكون إلا بذكر ما يتوقف صحة الجواب عليه من إثبات كونه تعالى حكيماً، وأنه لا يفعل إلا لحكمة؛ لأن هذه الأمثلة وما شابهها قد يتسارع العقل في الظاهر، وبادي الرأي إلى إنكار مثل هذه الأفعال، واستشكال وجه الحكمة فيها، أما تكليف من علم منه الاستمرار علىالكفر فظاهر، وأما أصل التكليف فلما فيه من إلزام المشاق مع إمكان النفع، ودفع الضرر من دونه، ولما فيه من بعث دواعي القبيح، والصرف عن الواجب، وذلك قد يتخيل أنه كالإغراء بالقبيح وترك الواجب، إلى غير ذلك مما لا يتجلى إلا ببحث وتدقيق، ونحن نستعين بالله تعالى على حل هذه الشبه، ونأتي في إبطالها بما يتضح به الحق، ويزول عنده الشك بمعونة الله سبحانه.
إذا عرفت هذا فنقول: الجواب عن المثال الأول يكون في ثلاثة أبحاث:
البحث الأول: في أن الله تعالى لا يفعل الفعل إلا لغرض وحكمة
وفي ذلك خلاف، فقالت العدلية: لا يفعل الله الفعل إلا لغرض، وقالت المجبرة: لا يجوز أن يفعل لغرض، هكذا أطلقه عنهم القرشي.
قال الإما م عز الدين عليه السلام : هذا هو الظاهر من مذهبهم، والذي تقضي به نصوصهم وكلامهم في كتب علم الكلام، وصرح به الرازي في نهايته.
قلت: الظاهر أنه لا ينفي الغرض منهم إلا الرازي كما يفيده كلام المنصور بالله في الشافي، والإمام القاسم في الأساس وغيرهما فإنهم يحكون عن المجبرة ما يدل على أنه خلقهم لغرض، وهو أنه خلقهم للجنة والنار، فقد وافقونا في أنه لا يفعل إلا لغرض، إلا أنهم بنوا الغرض على ذلك الأصل الفاسد، وهو أنه لا يقبح منه تعالى قبيح، وأنه يجوز منه عقاب الأنبياء، وإثابة الأشقياء، وكذلك الإمام المهدي عليه السلام فإنه حكى عن المجبرة أن الله خلق للجنة والنار، أي يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار، ثم حكى عن برغوث والرازي القول بنفي الغرض.
وإذا عرفت الخلاف فنقول: احتج أصحابنا بأن كل فعل عار عن الغرض، فهو عبث؛ إذ لامعنى للعبث إلا ذلك، وقبح العبث معلوم ضرورة، والله لا يفعل القبيح فتعين أن يكون لغرض، وذلك الغرض لا يخلو إما أن يعود نفعه إلى الله تعالى، أو إلى المخلوقين، الأول باطل لأن المصالح والمنافع لا تجوز إلا على من جازت عليه الحاجة، والباري تعالى لا تجوز عليه الحاجة، فتعين أن الغرض نفع المخلوقين بمنافع عاجلة أو آجلة.
احتج الرازي على استحالة الغرض على الله تعالى بوجوه ثلاثة: