قال الإمام المهدي عليه السلام : فنقول قد شهد عليكم إمامكم الأعظم أنكم تعلمون ضرورة قبح الظلم ونحوه، وحسن العدل ونحوه قبل ورود الشرع، وإنما نازعتم في ماهيتهما فقلتم: القبح إما نفرة الطبع، أو صفة نقص، وقلنا: بل هو كون ليس لنا فعله، وأبطلنا ما زعمتم بما لا تستطيعون دفعه.
قال عليه السلام : ثم إن خلافكم في التحقيق راجع إلى وجه القبح والحسن لا في ثبوت القبح والحسن، فقد اعترفتم بأنه ضروري، وتعيين الوجه مما يعلم بالدليل وليس بضروري، فلم تنكروا الضرورة، فإن أنكرتم ما حكاه إمامكم عنكم، قلنا لكم: فهل تجد العقلاء قبل ورود الشرع فرقاً بين الظلم والعدل أم لا؟ إن قلتم: نعم يجدون فرقاً فهو الذي اعترف به إمامكم، وهو قولنا، وإن قلتم لا ناديتم على أنفسكم بالسفسطة، بل بأبلغ منها وهو الالتحاق بالبهائم، فإن الأطفال يفرقون بين ذلك فرقاً ظاهراً، بل تكونون شراً من البهائم، فإنا نجدها تفرق بين المحسن وغيره، وحينئذٍ لا تستحقون أن يراجعكم عاقل، كما لا تراجع الوحوش، وشرار البهائم.
هذا حاصل ما ذكر الإمام المهدي عليه السلام ، ثم حكى عليه السلام عن الرازي كلاماً يدفع قولنا في وجه القبح، وأجاب عنه، ونحن نأتي بحاصل كلام الرازي، وجواب الإمام عليه السلام فنقول: قال الرازي: إنا نعلم أن القادر منا لا يفعل إلا لغرض، وأن المطلوب للحيوان ليس إلا اللذة، والمهروب منه ليس إلا الألم، فكلما تحصل به اللذة حالاً أو مآلاً فهو مستحسن عنده كالعدل، وبر الوالدين، والوفاء بالعهد، فإن هذه لو أتى بها غيره لأجله فإنه يلتذ بها، فلا جرم تواضعوا على تحسينها، وكذلك النفع المتوقع، وكلما يؤدي إلى الألم حالاً أو مآلاً كالظلم فهو مستقبح عنده، فتواضعوا على قبحه دفعاً للضرر المتوقع، وأما الكذب والجهل والعبث فليس النفرة عنها كالنفرة من الظلم، بل دونه وما وجد من النفرة عنها فهو لأجل ما يحصل عند الفاعل لها من المضار بفعلها.

أجاب الإمام المهدي عليه السلام بما حاصله: أنه لا يخلو إما أن يقولوا إن الحسن والقبح مجرد تواضع العقلاء على الفعل، سواء لائم الطبع أم نافره، أم هما ملائمة الطبع ومنافرته تحقيقاً أو تقديراً من دون نظر إلى مواضعه، أم مجموع الأمرين ولا قسم رابع، إن أرادوا الأول لزم فيمن انفرد عن الناس قبل كمال عقله أن لا يجد مزية للعدل على الظلم، فلا يجد فرقاً بين أن يؤلم حيواناً لغير منفعة ولا دفع مضرة وبين أن يحسن إليه، ومن بلغ إلى مثل هذه الدعوى فهو مكابر، ويلزمهم أيضاً أنا لو فرضنا تواضع العقلاء على الظلم، وعدم الصدق، والوفاء بالعهد أن نجد في عقولنا من حسن هذه الأمور، وثبوت مزية لها على العدل والصدق والوفاء، كما نجده الآن للعدل ونحوه على أضدادها، ومن بلغ إلى تجويز ذلك، فهو إما زائل العقل، أو منكر للضرورة، ثم إنا لو سلمنا أن الحسن والقبح هو المواضعة، فهل علموا حسن المواضعة وقبحها أم لا، الثاني: يقتضي أن لا تأثير للمواضعة في الحسن والقبح، وإن كان الأول فلا يكون ذلك الحسن والقبح إلا لمواضعة أخرى، فيعود السؤال ويتسلسل، أو لمجرد العقل لزم أن يكون استحسان العدل واستقباح الظلم بمجرد العقل؛ إذ لا فرق بين الإستحسانين والاستقباحين في العقل، وإن أرادوا أن الحسن والقبح مجرد ملاءمة الطبع ومنافرته، فقد مر ما فيه مقنع.

قلت: ونحن قد حققنا ذلك في المقدمة قال عليه السلام : لكنا نزيد هنا فنقول: إن أريد بالملاءمة عدم التألم مع مزية، فهو قولنا؛ إذ لا يعقل منها إلا ما ذكرناه، وإن أريد بها مجرد كونه لا يتألم لزم كون الإحسان غير حسن لما يصحبه من ألم إنفاق المال، سلمنا أنه لا تألم مع الإحسان لزم أن لا يقبح إلا ما وقع به التألم؛ لأن القبح نقيض الحسن، فيجب أن يكون القبح ثبوت التألم من دون مزيَّة، وهذا ينقض قول الرازي أن الطبع قد ينفر عما لا يألم به، كالأبرص فإنه قد ينفر طبعه، وطبع من رآه عن البرص من دون أن يكونا مؤلمين، وينتقض بالعبث والكذب فقد أقررتم بقبحهما ولا تألم.
فإن قالوا: العبث لا يصح وقوعه إذ لا داعي إليه، والكذب إنما ينفر عنه الطبع لتقدير توجهه إلى فاعله من غيره.

قلنا: قد ثبت صحة الفعل بلا داع، وأما الكذب فتألمه به إذا خوطب به إما لمجرد حروفه لزم تألمه به وإن كان صدقاً، أو لأجل مخبره، فهل لمجرد إفادته من دون نظر إلى مطابقة وعدمها لزم مثله، وإن كان صدقاً أيضاً؛ لأن إفادته واحدة في الحالين وإن كان لعدم المطابقة، فإما أن يكون تألمه لعدم تخلف المخبر، فالمعلوم أنه قد يسره تخلفه نحو أن يخبر بموت ولده فيتخلف مخبره، أو لأنه يحمله على اعتقاد جهل، فتألمه بالجهل إما لكونه قبيحاً في نفسه، فقد عاد إلى قولنا، وإما لأنه ربما لحقه بالجهل ضرر، فقد يلحقه ضرر بالصدق، فيلزم استواء حالتي الصدق والكذب في القبح، والمعلوم خلافه، ولا قسم يعلم تألمه بالكذب لأجله سوى ما ذكرناه، وإذا بطلت الأقسام كلها فلا وجه يدعيه سوى التألم بطل ما زعمه من أن قبح الكذب لنفرة طبعه عنه، وإما أن يحكم بالقبح بمجموع نفرة الطبع والمواضعة، فباطل بما مر فيمن انفرد عن الناس، ولزوم حسن الظلم على فرض المواضعة عليه، وإن لم نجد له مزية كمزية العدل؛ لأنه وإن نفر عنه طبع المظلوم فالظالم يلتذ به، وإذا بطل كون الاستقباح لنفرة طبيعية لم يبق إلا الاستقباح العقلي، وقد أبطلنا كونها طبيعية بما لا مدفع له، فصح ما قررناه من أن ذلك المعلوم بالاتفاق بيننا وبينهم هو الاستقباح العقلي، إلا ما زعموه من مخالفة المواضعة ومنافرة الطبيعة.
واعلم أن حاصل كلام الرازي أن العلة في الحسن والقبح مواضعة العقلاء لأجل ملاءمة الطبع ونفرته، لكن لا لمطلق الملاءمة والمنافرة، بل الملاءمة والمنافرة لأجل اللذة والألم، وقد أبطله الإمام عليه السلام بما عرفت.
وإلى هنا انتهى الكلام على ما احتج به أهل القول الأول من العدلية، وبما ذكرنا من تصحيحها، ورد ما ورد عليها يتبين لك أن القبيح يقبح من كل من فعله، وأنه لا يختلف باختلاف الفاعلين.

وأما أهل القول الثاني وهم البغدادية ومن وافقهم القائلين بأن الفعل يقبح لعينه أي لصورته، فاحتجوا من وجهين:
أحدها: أن الأصل في ملطق الأفعال الحظر ولا الحظر إلا القبيح، فدل على أن قبح ذات القبيح معلل بالذات نفسها لا بوقوعها على وجه.
وأجيب بأنا لا نسلم أن الأصل الحظر، بل الأصل الإباحة بدليل أن العقلاء لا يذمون من تناول شربة من ماء غير محاز، أو استظل تحت شجرة لا مالك لها، أو نحو ذلك، ولا يصوبون من عاقبه على ذلك قبل ورود الشرع، فلو كان الأصل الحظر لذموا من فعل شيئاً من ذلك، وصوبوا من عاقبه؛ إذ من أقدم على محظور فإنهم يذمونه قطعاً، فثبت أن الأصل في مطلق الأفعال الإباحة، فلا يخرجها عن هذا الأصل إلا لوقوعها على وجه غير كونها فعلاً لفاعلها.
الوجه الثاني: أن الجهل لا يقع غير جهل، وأجيب بأنا لا نسلم، بل يقع غير جهل، فإنه لو اعتقد أن زيداً في الدار وليس فيها كان جهلاً، ولو اعتقد هذا الاعتقاد بعينه وهو فيها مع سكون النفس لكان علماً.
واعلم أن هذا الجواب مبني على أمور، وهي كون العلم من جنس الاعتقاد، وأن الاعتقاد يصير علماً بوقوعه على وجه، وأن الجهل إنما يقبح لوقوعه على وجه، وفي كل منها خلاف، أما الأمر الأول: وهو أن العلم من جنس الاعتقاد، فهو قول أكثر البصرية؛ لأنهما لو كانا جنسين مختلفين لصح حصول العلم دون الاعتقاد، والمعلوم أن ذلك لا يصح لأن الاعتقاد يقتضي الجزم بمتعلقه، والعالم جازم، ولا يصح أن يعلم أحدنا شيئاً ولا يجزم به، وإن صح أن يعتقده ويجزم به ولا يكون عالماً، فصح أن الاعتقاد يعم العلم وغيره، وأيضاً لو كانا جنسين لكانا ضدين، وهو باطل لصحة اجتماعهما كما بينا، وإما مختلفين، وهو باطل وإلا لزم أن يبقى أحدهما مع طرو الجهل، فتعين كونهما مثلين.
وقال أبو الهذيل: بل العلم جنس غير الاعتقاد حكاه عنه أبو القاسم وغيره، وحكى عنه أبو علي غير ذلك.

احتج أبو الهذيل بأن الاعتقاد يوجد ولا يكون علماً، فدل على أنه غيره، وأجيب بأنه جنس يعم العلم وغيره كما مر، وأيضاً لو كان من جنس الاعتقاد لصح وصف الباري بأنه معتقد كما يوصف بأنه عالم، وذلك لا يجوز بالإجماع.
أجاب أبو علي، وأبو هاشم بأن المعتقد اسم لذي القلب، والضمير مأخوذ من الاعتقاد، والاعتقاد اسم لما عقد عليه القلب من الجزم بأمر، فلهذا لم يجز إجراؤه على الله تعالى، وأجاب أبو عبد الله البصري بأنه مجاز؛ لأنه مشبه بعقد الخيط على شيء، فكأن المعتقد عقد قلبه على عقيدته، والمجاز لا يطلق على الله إلا بإذن سمعي.
وأما الأمر الثاني وهو أن الاعتقاد يصير علماً بوقوعه على وجه، فالخلاف فيه بين البهشمية وأبي القاسم البلخي، فقالت البهشمية: إنما يصير علماً لوقوعه على وجه.
وقال أبو القاسم: بل يصير علماً لعينه، قال الحاكم: إن أراد لذاته فخلافه معنوي، وإن أراد أنه يصير علماً لا لمعنى فلفظي، قال: والأرجح أنه لفظي؛ إذ لو جعله علماً لذاته لزم كون العلم جنساً برأسه غير الاعتقاد، أو مخالفة العلم للاعتقاد وإن اتحد متعلقهما، وأيضاً لو صح كونه لذاته لزم تماثل العلوم وإن تغايرت متعلقاتها لاشتراكها في الصفة الذاتية، فيجوز أن تنتفي كلها بطرو جهل على أحدها، والمعلوم خلافه.

إذا عرفت هذا فنقول: قد ثبت أن العلم من جنس الاعتقاد، وثبت أن الاعتقاد يقع علماً وغير علم، وإذا كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون علماً لذاته، أو لما هو عليه في ذاته، وهو باطل لما ذكرنا، أو لغيره، وذلك الغير إما أن يكون معنى، أو فاعل، أو لا أيهما، الثاني باطل؛ إذ لا يعقل مؤثراً لا موجباً، أو مختاراً، الأول باطل أيضاً لأن المعنى لا يختص المعنى، وهو لا يوجب لذات من دون اختصاص بها، وأما الفاعل فلأنه لو صار علماً بالفاعل لأوجدنا لأنفسنا ما نشاء من العلوم، والمعلوم تعذره، فبطل كونه علماً لأي هذه الأمور، ولا يصح أن يكون علماً لوجوده، وإلا لزم أن يكون كل معنى علماً، ولا بحلوله كذلك، ولا لعدمه، ولا لعدم معنى؛ إذ العدم يحيل التعلق والاختصاص له به، فلم يبق إلا أنه صار علماً لوقوعه على وجه، والوجوه التي يصير بها الاعتقاد علماً ستة ليس هذا موضع ذكرها.
وأما الأمر الثالث وهو أن الجهل إنما يقبح لوقوعه على وجه، فالخلاف فيه بين أبي هاشم، وأبي علي، فقال أبو هاشم: إنما يقبح لوقوعه على وجه وهو كونه جهلاً، كما أن سائر القبائح كذلك، فإذا تعلق الاعتقاد لا على ما هو به فهو جهل وقبح لوقوعه على هذا الوجه، سواء كان جهلاً بالله أو بغيره، قال ابن متويه: والجهل بالله يصح وقوعه غير جهل؛ إذ الجهل من جنس العلم يوضحه أنه لو اعتقد معتقدٌ أن الله قد أراد أمراً وهو غير مريد له، لكان يصح أن يوجد هذا الاعتقاد وليس بجهل بأن يكون الله تعالى قد أراده، وقال أبو علي: بل هو قبيح لنفسه أي جهل كان، وعنه أن الذي يقبح لنفسه إنما هو الجهل بالله خاصة؛ إذ لا يصح وجوده غير قبيح. قال ابن متويه: ربما أثبته قبيحاً في العدم.

قلت: وقد أبطل الإمام المهدي عليه السلام كلام أبي علي بأن الجهل اعتقاد يحسن إذا طابق الحق، ويقبح إذا خالفه، وهما وجهان يقع الاعتقاد عليهما، فيقبح لوقوعه على أحدهما، مع أنه يلزم على قوله تماثل الجهالات لاتفاقها في صفة ذاتية، والمعلوم أن الجهل بكونه قادراً يخالف الجهل بكونه عالماً، وأما إثباته في العدم فباطل لأن من حق القبيح وجوده على وجه يستحق فاعله الذم، وهذا لا يتم مع العدم.
وأما قوله في الجهل بالله فلو صح لصح في غيره من الجهالات لاتفاقها في عدم تغير حالها في كونها جهلاً، فيلزم أن يكون كل جهل قبيح لنفسه، وأن يقبح في العدم.
قال عليه السلام : وبعد فإنا متى عرفناه جهلاً عرفناه قبيحاً، وإن لم نعلم أمراً سواه، ومتى لا فلا وإن عرفنا ما عرفنا، فصح أن العلة كونه جهلاً كما تقدم في الظلم وغيره.
قلت: قد ظهر بما حررنا أن هذا الوجه الذي احتجوا به، وجوابه مبنيات على هذه الثلاثة الأمور، فإذا أمعنت النظر فيها فلا بد وأن تعرف الحق إن شاء الله، مع أنه لو صح أن الجهل يقبح لعينه، وأنه لا يكون غيره جهل، فلا نسلم لهم في سائر القبائح أنها تقبح لعينها، ولذا وافقهم أبو علي في الجهل، وخالفهم في غيره.
واعلم أن الأئمة وأتباعهم قد أبطلوا قول البغدادية بوجوه، ولوازم ربما ظهر بعضها من تأمل هذه الأمور، لكنا نأتي بها للتوضيح منها: أنا وجدنا كثيراً من الأفعال يقبح في حالة دون حالة، ولو قبح لعينه لقبح في كل حال؛ لأنه عين واحدة كالسجدة تحسن إذا كانت لله، وتقبح إذا كانت للصنم، ومنها أن صفة الذات ترجع إلى أفراد الذوات، فيلزم قبح كل حرف من حروف الكذب وإن لم ينضم إلى غيره، ومنها: أنه لو قبح لذاته لقبح في حال العدم بناءً على مذهبهم في ثبوت الذوات، وصفتها الذاتية في العدم، ومنها: لزوم تماثل القبائح كما مر، ولا شك في اختلافها.

قلت: وهذه الإلزامات مؤاخذة لهم بظاهر كلامهم، ومجاراة لهم بحسبه، وإلا فقد تأول كلامهم بأن معنى كون القبح ذاتياً للظلم مثلاً أنه لا يقع ظلم إلا وهو قبيح، وكذلك سائر القبائح فهو ذاتي لحصول وجه القبح فيه لا لمجرد ذات الفعل، فتكون تسميته ذاتياً حينئذٍ مجازاً، ويكون كلامهم موافقاً للأئمة والبصرية، وهذا هو اللائق بعلمهم، وقوة أنظارهم؛ إذ من البعيد أن يقولوا بقبح الظلم لكونه أكواناً، فإن العدل مثله، ومن البعيد أن يعللوا بكونه هذه العين؛ إذ معنى ذلك أنه ليس غيره، فيلزم قبح الحسن لأنه ليس غيره.
وقال الإمام المهدي عليه السلام في تأويل كلامهم ما لفظه: إنما أرادوا ما أردنا من أن الظلم إنما قبح لكونه ظلماً، فكأنا عللناه بعينه لما قبح الظلم لكونه ظلماً، وظاهر اللفظ يقتضي أن قبحه معلل بعينه، ولهذا قالوا: قبح لعينه وهم يريدون ما أردنا حيث قلنا لكونه ظلماً، أي لكونه ضرراً عارياً عن نفع، ودفع، واستحقاق.
قال عليه السلام : هذا الذي يتلخص لي من مذهب البغدادية. والله أعلم.
وحكى الإمام عز الدين عليه السلام عن الرازي أنه حمل كلام أبي القاسم في هذه المسألة وغيرها كقوله في الواجب، والحسن، والأمر، والنهي، والخبر، وجميع الأوصاف التي تجري على الأفعال على أنه مراده بقوله فيها لذاته، وعينه أن عين الضرر الذي فيه حقيقة الظلم يكون ظلماً، وكذلك الكذب، والعبث، ونحو ذلك لا يختلف الحال فيه، ولا يحتاج في كونه كذلك إلى إرادة، وكذلك قوله في أنواع الكلام كالأمر فإنه بالوضع اللغوي موضوع للأمر من غير اعتبار إرادة كالأسد والحمار، وكذلك غيره من ضروب الكلام.

قلت: وممن جعله خلافاً في العبارة فقط العلامة المقبلي، قال: وبيانه أن مراد الجبائية بالوجه الذي وقع عليه الفعل الوجه الذي له دخل في تحسين الفعل، وتقبيحه، ولأجله سمي حسناً، أو قبيحاً؛ إذ مطلق الفعل وحده، أو مع ألف وجه لا يصير يسمى لأجله حسناً، أو قبيحاً لا يعتبره عاقل قطعاً؛ لكونه حركة مثلاً إلى جهة اليمين في وقت الضحى في قعر المنزل، وغير ذلك، وإلا للزم كون كل فعل حسناً وكونه قبيحاً، وهو معلوم البطلان، والبغدادية لا يقولون إن مطلق الفعل قبيح، ولا هو مع وجه ملغي كذلك لما ذكر، فتبين أنه مطلق الفعل مركباً مع وجه، أو وجوه لها دخل في صيرورته، وتسميته حسناً وقبحاً، وأنا أنبهك على وجه غلطهم، وهو أنهم يأخذون الفعل متركباً مع وصف ملغي، أو غير تام كالسجدة مثلاً، ثم يقولون لو كانت السجدة حسنة، أو قبيحة لنفسها لما كانت طاعة للرحمن، وكفراً إن كانت للشيطان.
والجواب: أن مراد البغدادية بالفعل ليس السجدة مطلقة، ولا هو مع القيود التي صارت بها سجدة، بل ذلك كله مع قيود أخر صار بها عبادة للرحمن، ومتى كان كذلك لم يخرج عن كونه عبادة إلى كونه كفراً إلا بنقصان قيد، وزيادة آخر، والمقيد بقيد غير المقيد بالآخر، وكذلك القول في لطم اليتيم تأديباً، وظلماً، وغير ذلك، وحاصله أن الظلم مثلاً بعد تمام كونه ظلماً لا يخرج عن كونه قبيحاً ما دام كذلك؛ فلذا قالوا: إنه ذاتي، أي ما دام الظلم مستجمعاً لما صار به الفعل ظلماً فلا يخرج عن القبح، قال: فتأمل هذا فإنه بحث نفيس بديع، وهو مما ترك الأول للآخر.
قلت: ويدل على صحة ما ذكره هؤلاء الجهابذة من تأويل كلام البغدادية الاحتجاج لهم بكون الأصل في مطلق الأفعال الحظر، وذلك أنهم لم يقولوا بأن الأصل فيها الحظر إلا بكونها تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهذا تصريح منهم بأنه لم يقبح التصرف إلا لوقوعه على وجه.

54 / 329
ع
En
A+
A-