والجواب: أنه غير مبني على ذلك، بل على علمه بالقبيح واستغنائه عنه، وإنما قيل: بأن الفعل لا يوجد إلا لداع لما علم ضرورة من أن العالم المميز لفعله لا يفعل إلا لداع وإن كان قادراً عليه من دونه، وذلك الداعي هو علم الحي، أو ظنه بأن له في الفعل نفع أو دفع ضرر، أو كونه إحساناً، أو داعياً إلى إحسان، والعلة في الاحتياج إلى الداعي إن ترجح الفعل على تركه أمر حادث على سبيل الجواز، فلا بد من مؤثر في ذلك الترجيح، والقادرية لا تؤثر إلا في الوجود، والترجح أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، وهو أولوية إيجاد الفعل وليس الترجح الإرادة، بل هو باعث عليها، وليس هو الداعي لأن العلم، أو الظن ليس نفس الترجح، بل هو المؤثر في ترجح الفعل أي المقتضي له، فثبت أن العالم المميز لفعله لا يفعل إلا بعد ترجح الفعل على الترك، وأنه لا ترجح إلا عن داع، فلما كان الباري تعالى عالماً مميزاً لفعله، قيل: إنه لا يفعل إلا عن ترجح، ولا ترجح إلا لداع، ولا داع له إلى القبيح، وإنما قيل بهذا في حقه تعالى رداً إلى ما علم في الشاهد ضرورة، وبهذا يظهر لك أن القول بالداعي ليس مبنياً على القول بالعدل، وإنما هو مبني على أن الفعل لا يقع إلا لمرجح، سواء كان الفعل حسناً أو قبيحاً، لكن لما كان لا داعي للباري تعالى إلى فعل القبيح لما مر، قيل: إنه لا يفعله على معنى أنها لا تحصل في حقه تعالى أولوية فعله على تركه التي هي مقتضاة عن الداعي، فتأمل.
فإن قيل: فهل تقولون باعتبار المرجح مع الداعي كما قال أبو الحسين؟ قيل: لا بل يعتبر الداعي دون المرجح، فلو دعا الداعي إلى أحد المستويين فقد حصل ترجح أحدهما لا بعينه، فيفعل أحدهما لأجل الترجح الأصلي، ولا يفتقر إلى مرجح للذي اختاره بعينه كما مر في مسألة الرغيفين.

فإن قيل: إذا كان الله تعالى قادراً على فعل القبيح لغير داعي، فلا سبيل إلى القطع بأنه لا يفعله، فإن قلتم: الحكمة تصرفه فأنتم الآن في الاستدلال عليها فيلزمكم الدور.
قيل: هذا السؤال غير لازم؛ لأنه وإن كان قادراً على فعله فنحن نقطع بأنه لا يفعله لغير داع رداً إلى ما علمناه ضرورة في الشاهد.
فائدة
في كلام بعض قدماء الأئمة" ما يقتضي المنع من إثبات الداعي في حق الله تعالى.
الاعتراض السادس: إذا كان من اجتمعت فيه هذه الأوصاف لا يفعل القبيح، فهو يقتضي أن العاقل لا يفعل العبث لعلمه بقبحه، واستغنائه عنه؛ لأن الفرض أنه عبث لا فائدة فيه، فيلزم أن لا يتصور وقوعه من مكلف، وحينئذٍ لا يكون لعده من القبائح وجه؛ لأن الفرض أنه مستحيل الوقوع إذ لا داع إليه على أصلكم.
الجواب: إن كلام أصحابنا في ذلك على سبيل الفرض والتقدير، أي لو قدرنا وقوعه من المكلف، وأما وقوعه تحقيقاً فلا ثبوت له، ذكر هذا بعضهم.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : ويمكن أن يقال والله أعلم يمكن وقوعه ممن جهل استغنائه عنه، وإن كان في نفس الأمر لا حاجة إليه، ولا فائدة تحته.
قلت: وما قاله عليه السلام هو القوي المستقيم.
الاعتراض السابع: أن هذا الدليل مبني على أن العباد الفاعلون لأفعالهم، ونحن لا نسلم ذلك.
والجواب: أنا لم نبن الدليل على مذهبكم الفاسد، وإنما بنيناه على ما علمناه ضرورة، وبهذا انتهى الكلام على الأدلة العقلية على كون الباري تعالى عدلاً حكيماً.

وأما الأدلة السمعية فالقرآن الكريم مشحون بها، وكذلك السنة النبوية، وكلام الوصي، وغيره من السلف الصالح، ومن ذلك هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها، ووجه دلالتها أن قد دلت على استحقاقه تعالى للحمد على الإطلاق، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان عدلاً حكيماً على الإطلاق، وقد أكد ذلك بوصفه برب العالمين وما بعده؛ إذ الوصف برب الدال على التربية التي لا يفهم منها إلا كمال الإحسان، ثم إردافه بالوصف بكمال الرحمة، ثم إتباعه بأنه المالك ليوم الجزاء، الدال على أن ما يوصله إلى المكلفين في ذلك اليوم من ثواب أو عقاب إنما يكون جزاء على أعمالهم، دال على كمال العدل والحكمة، وغاية الإحسان والرحمة.
البحث الثالث: في ذكر علوم العدل
قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : اعلم أن معنى قولنا إن الله عدل هو أنه منزه عن صفات النقص في أفعاله، أنه لايفعل القبيح، ولا يرضاه، ولا يحبه، ولا يريده، ولا يجبر العبد عليه، ولا يكلف أحداً فوق طاقته، وأنه لا يمنع أحداً الاستطاعة، وأنه لا يجور، ولا يظلم أحداً، ولا يكذب، ولا يخلف الوعد والوعيد. ذكره في الحقائق، وقد أشار عليه السلام في هذه الجملة إلى جملة علوم العدل، وللإمام عز الدين عليه السلام في حصرها بحث مفيد، وقول باهر سديد، ونحن نورده في هذا الموضع، فنقول: ذكر عليه السلام لحصر علوم العدل وضبطها طريقين: جملي، وتفصيلي.
قال عليه السلام : فالجملي حاصله أنها تنقسم إلى إثبات ونفي، فالأول أن أفعاله تعالى حكمة، وأن أقواله صدق، وأنه يأمر بالمصلحة، وينهى عن المفسدة، ويريد الطاعات ويكره المعاصي، ويثيب المطيعين ونحو ذلك، والثاني أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، ولا يريد القبائح، ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يكره الطاعات، ولا يكلف ما لا يطاق، ولا يعذب بلا ذنب، ولا يظلم، ولا يأمر بالفحشاء، وغير ذلك.

والتفصيلي: أن نقول هي بالنظر إلى اختلاف الناس فيها تنقسم إلى ستة أقسام:
الأول: نثبته فعلاً لله تعالى وغيرنا ينفيه، كإنزال الأمراض والأسقام، والآفات في النفوس، والزروع، وأن القرآن من قبل أفعاله تعالى.
الثاني: ما ننفيه عنه تعالى وغيرنا يثبته فعلاً له تعالى، كأفعال العباد، وتكليف ما لا يطاق، وإضلال الخلق وإغوائهم، وصدهم عن السبيل، ونحو ذلك.
الثالث: ما نقضي عليه بالحسن وغيرنا يقضي بقبحه، كما نقوله في تكليف من المعلوم من حاله أنه يكفر، وتبقية من المعلوم من حاله أنه يضل مع كونه في الحال مهتدياً، واخترام من المعلوم من حاله أنه سيهتدي وهو ضال في الحال، والبعثة للأنبياء".
الرابع: ما نقضي عليه بالقبح وغيرنا يذهب إلى حسنه منه تعالى، كما نقوله من قبح تكليف ما لا يطاق، وقبح الإضلال والإغواء، وتعذيب من لا ذنب له كتعذيب الأطفال بذنوب آبائهم.
الخامس: ما نقضي عليه بالوجوب وغيرنا يمنع وجوبه كالتمكين للمكلفين، والإثابة للمطيعين، والتعويض للمؤلمين، واللطف في حق من يلتطف، وغير ذلك.
السادس: عكسه وهو ما لا نعده واجباً وغيرنا يقضى بوجوبه، كنفينا وجوب الأصلح في الأمور الدنيوية، ووجوب العقاب.
قال عليه السلام : فهذه علوم العدل، ومدارها على هذه الأقسام.
قلت: وقد تقدم الكلام على بعض مسائل العدل في كتابنا هذا، وبعضها سيأتي في مواضعه إن شاء الله، وفي مسائل العدل ما يجب معرفته على كل مكلف، وفيها ما هو من فروض الكفاية، ولا بد إن شاء الله من التنبيه بعد تمام الكلام على كل مسألة على هذا الحكم.
وإذ قد أتينا على تحقيق هذه الأبحاث فلنأخذ في الكلام على المسألة التي نحن بصددها، وهي القول بأنه يقبح من الله ما يقبح من غيره، وقد ذكرنا أن الكلام فيها يقع في ثلاثة مواضع، وهذا أوان الشروع في تلك المواضع.
الموضع الأول: في ذكر الخلاف.

فالذي عليه العدلية جميعاً أنه يقبح من الله تعالى ما يقبح من غيره لو فعله، وإنما اختلفوا في علة قبحه، فقال أئمتنا"، ومن وافقهم من الزيدية، والبصرية من المعتزلة: إنما يقبح الفعل لوقوعه على وجه من كونه ظلماً، أو كذباً، أو مفسدة، وقالت البغدادية، وهم أبو القاسم البلخي وأتباعه: بل يقبح لعينه، وهذا محكي في الأساس عن بعض الإمامية، وبعض الفقهاء، والمراد بالفقهاء إذا أطلقوا الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنبلية، وقالت الإخشيذية وهم أبو بكر محمد بن الإخشيذ وأتباعه: علة قبح القبيح الإرادة له من فاعله، فهذه أقوال أهل العدل، وقالت المجبرة جميعاً: لا يقبح من الله تعالى قبيح فيجوز منه أن يفعل نحو الكذب ولا يقبح منه، ثم اختلفوا في العلة، فقالت الأشعرية: إنما لم يقبح منه تعالى قبح لأنه ليس بمنهي، والفعل لا يقبح إلا لنهي الشارع عنه، وقد حكى في الأساس وشرحه كون الفعل لا يقبح إلا للنهي عن بعض الشافعية، والكرامية، والكلابية من المجبرة، وقالت الجهمية: بل لكونه رباً والفعل لا يقبح إلا لكون فاعله مربوباً.
وقالت الفلاسفة وبعض المجبرة: لا قبيح، ولا حسن إلا من جهة الاستحلاء والنفرة.
الموضع الثاني: في أدلة العدلية.
وقد عرفت أنهم افترقوا على ثلاثة أقوال:
الأول: قول أئمتنا" ومن وافقهم، وهو أن الفعل يقبح لوقوعه على وجه، واحتجوا على ذلك بطريقين: الأولى: طريقة السبر والتقسيم، وهي أنه لا يخلو ما ليس لنا فعله من الظلم ونحوه، إما أن يكون ذلك لحسنه، وهذا باطل؛ لأنه قد يماثله ما يكون لنا فعله، وإما لوجود علة، أو لارتفاعها، أو لوقوعه على وجه سوى كونه ظلماً، وكل ذلك باطل، وإلا لصح أن يقع الظلم منا ويكون لنا فعله بأن لا توجد تلك العلة، أو لا تعدم، أو لا يقع على ذلك الوجه، فلما فسد ذلك صح أنه ليس لنا فعل الظلم لكونه ظلماً فحسب، فإذا تقرر ذلك لم يختلف حال الفاعلين فيه.

الثانية: طريقة الدوران وهي أنا نعلم ضرورة أن الظلم قبيح، وإنما قبح لكونه ظلماً بدليل أنا متى عرفناه ظلماً عرفنا قبحه، ونعرفه ظلماً إذا كان ضرراً خالصاً ليس فيه نفع يجبره، ولا دفع ضرر أوفى منه، ولا هو من باب المستحق على فعل مقدم يستوجبه به، فمتى عرفناه بهذه الصفات عرفنا قبحه وإن لم نعرف أمراً آخر، ومتى لم نعرفه بهذه الصفات لم نعرف قبحه وإن عرفنا ما عرفنا، فصح أن الظلم إنما يقبح لوقوعه على وجه، وهو كونه ظلماً؛ لأن العلم بالقبح فرع على العلم بوجه القبح جملة أو تفصيلاً، فيجب متى وقع على ذلك الوجه أن يقبح، سواء وقع من الله تعالى، أو من العباد؛ لأن الحال فيه كالحال في الحركة وإيجابها كون الجسم محتركاً، فكما لا يختلف ذلك باختلاف الفاعلين لما كانت هي العلة كذلك في مسألتنا، وهو حكم سائر القبائح العقلية حكم الظلم في كون العلم بقبحها يدور على العلم بالوجوه التي وقعت عليها وجوداً وعدماً، وذلك معلوم بالاستقراء، فإن قيل: إن قلتم بثبوت الحسن والقبح للفعل قبل وجوده لم يكن قبحه للوجه الذي وقع عليه؛ لأنه يكون حينئذٍ كالمعلول المتقدم على علته، وإن قلتم بثبوتهما له بعد الوجود أو حاله بطل قولكم إن القبيح ما ليس له أن يفعله، فيكون له فعله، وبأيهما قلتم فقد لزمكم أحد محذورين إما إبطال القبيح، وإما إبطال وجهه.
قيل: قد أجاب عن هذا الإمام المهدي عليه السلام ، وحاصل جوابه أن للقبيح ماهية، ولازم لكل منهما مقتضى غير مقتضى الآخر، فالماهية كون ليس لنا فعله، ومقتضى هذا الحكم كونه إذا وجد كان ظلماً، فهو ومقتضيه ثابتان قبل وجود الفعل، وأما اللازم فهو استحقاق الذم، وإنما يلزمه إذا وجد، ومقتضيه وجود ذلك الفعل الذي كان القبح حكماً له.

قال عليه السلام : وعليه يحمل كلام أصحابنا أن القبح تابع لحدوث الفعل؛ إذ لو بقيناه على ظاهره لزم أن لا يعلم فاعل القبيح أنه ليس له أن يفعله قبل إيقاعه، فإن قيل: قبح الكذب إما لذات الحروف لزم قبح النطق بها، وإن كانت صدقاً، أو لكونه غير مطابق للواقع فهو نفي، فكيف يؤثر في ثبوتي وهو القبح، أو لمجموعهما لزم أن يكون بعض المؤثر في الثبوتي نفياً، أو لأمر رابع، فإما لازم لمخالفته الخبر فلا بد من مؤثر فيعود التقسيم، وإما غير لازم فيلزم صحة كونه كذباً، ولا يقبح لعدم المؤثر في قبحه.
قيل: نختار أن المؤثر في قبحه كونه غير مطابق لدوران الحكم معه وجوداً وعدماً، وهي علة ثبوتيه لأن معناها كونه كذباً سلمنا كونها نفياً فلا يضر عند الجمهور لصحة تعليل الضرب بانتفاء الامتثال، والمعتبر تعقل كون أحد الأمرين علة في الآخر، ولا شك أن كون العلة في قبح الكذب ما ذكرنا أمر معقول، فإن قيل: لو كان علة قبح الكذب كونه كذباً لما حسن أحد الكذبين في قولك: لأكذبن غداً؛ إذ يلزم إما حسن الكذب غداً ليصدق قولك لأكذبن غداً، أو حسن تركه فيلزم كذب هذا الخبر، وإذا حسن الملزوم حسن اللازم.
قيل: لا يخلو هذا القائل إما أن يخبر عن عزمه على الكذب غداً، أو عن الحقيقة أعني أنه سيقع منه الكذب لا محالة، إن كان الأول فهو صادق، وإنما عرض له ما يقتضي تغيير العزم، وإن كان الثاني فالأحسن ترك الكذب الآخر، ولا نسلم أنه يستلزم حسن الكذب الأول، بل هو باق على قبحه، لا يقال: فترك الكذب غداً يلزم قبحه لاستلزامه القبيح، وهو كذب الخبر الأول؛ لأنا نقول استلزام الترك لقبح الخبر الأول لا يوجب قبح الترك؛ إذ ليس إلا كاشفاً عن كذب الأول، والكاشف عن الكذب ليس بقبيح، فإن قيل: لو كان القبيح وصفاً حقيقياً لما اختلف بالوضع، والمعلوم اختلافه بالوضع، فإنا لو قدرنا أن لفظ قام زيد وضع لغير الخبر به، فإنه يحسن النطق به وإن لم يكن زيد قائماً.

قيل: القبح حكم اعتباري يقتضيه كون الفعل إذا وقع وقع كذباً، أو نحوه، وذلك لا يختلف، وإذا غير لفظ قام زيد فقد خرج عن كونه لفظاً إذا وقع وقع خبراً، وإذا لم يقع خبراً لم يكن كذباً فإن قيل: لو قبح الكذب لكونه كذباً لقبح ولو تضمن سلامة نبي من القتل، والمعلوم حسنه حينئذ، بل وجوبه، فبطل كون العلة ما ذكرتم.
قيل: قد ثبت بدوران الحكم وهو القبح على هذه الوجوه التي ذكرنا من الكذب ونحوه أنها هي العلل الموجبة للقبح، إلا أن منها ما هو ضروري كالظلم والكذب الذي لا منفعة فيه، ومنها ما هو نظري كالكذب الذي فيه منفعة، فإنه يعلم قبحه بالرد إلى ما لا منفعة فيه.
إذا عرفت هذا فنقول: لا نسلم حسن الكذب في هذه الصورة مع إمكان التعريض، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب ))، والتعريض ممكن في كلام ظاهره الكذب، وما قيل: من أنه يلزم أن لا نقطع بكذب خبر قط حتى لا يحسن ذم أحد على الكذب لاحتمال التعريض، فمدفوع بأنه قد يظهر من القرائن المفيدة لكون المراد من الخبر ظاهره ما يحصل عنده العلم الضروري أنه لم يقصد بالخبر خلاف ظاهره.
واعلم أنا لو قدرنا عدم تمكن المخبر من التعريض لخجل أو نحوه، فلأصحابنا في جواب هذا السؤال وجوه:
أحدها: أن الكذب لم يخرج عن القبح إلا أنه عرضه أقبح منه، وهو هلاك النبي فرجح ارتكاب الكذب لكون قبحه أهون.
الثاني: أنه في حكم الملجأ إلى الكذب لما يجد من نفسه من الخوف على النبي، فيكون كمن سبقه لسانه إلى كلام من غير قصد إفادة المخاطب.
الثالث: ذكره الإمام المهدي عليه السلام ، وهو أن قبح الكذب الذي فيه منفعة إنما هو بالشرع؛ لأن العلة في قبح الكذب الذي يعلم بضرورة العقل قبحه مركبة من إثبات ونفي، وهي كونه كذباً لا نفع فيه، ولا دفع ضرر.

ثم استدل عليه السلام على قبحه الذي فيه منفعة بإجماع الأمة على قبحه، وبقوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ ...} [النحل:105 ]الآية، ونحوها مما يفيد بعمومه قبح كل كذب إلا ما خصه دليل سمعي كخبر سويد بن غفلة ما رخص صلى الله عليه وآله وسلم في الكذب إلا في ثلاث: ((الرجل يحدث أهله، والرجل يقول في الجهاد ، والرجل يصلح بين اثنين)) أو كما قال، وكخبر نعيم بن مسعود في صرف قريش يوم الخندق ونحوه، وقول فتيان يوسف عن أمره: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُون َ}[يوسف:70 ]وما حكاه تعالى عن عيسى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً }[مريم:26]، وظاهر قول إبراهيم عليه السلام : {إِنِّي سَقِيمٌ }[الصافات:89]، {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا }[الأنبياء:63].
قال عليه السلام : فالجواب على هذا القول واضح، وهو أنه لا قبح في الكذب الذي تضمن إحراز النبي من القتل؛ إذ لم تحصل فيه علة قبح الكذب الذي علم بضرورة العقل قبحه؛ إذ قد حصل فيه دفع ما يتألم به فلا قبح، ومن ادعى هنا أنه يعلم قبحه بضرورة العقل أو دلالته، فمكابرة ظاهرة لا يلتفت إلى قوله.
فإن قيل: لو كان العلم بقبح الظلم ضرورياً لكانت أنواعه كذلك كأخذ مال الغير، ولا شك أن معرفة كونه ظلماً متفرعاً على كونه ملكاً للغير بأي الوجوه المقتضية للملك، وذلك لا يعلم إلا بالشرع؛ إذ لا ملك عقلي فيلزم أن لا نعرف كون أخذ مال الغير ظلماً قبل ورود الشرع.

قيل: إذا ثبت للمأخوذ عليه أخصية باكتساب، أو احتطاب، أو نحوهما فإنا نعلم أنه أولى به وهو معنى الملك، فأخذه منه على جهة الإكراه إضرار، وهو الذي نريد بالظلم، فصح أنا نعرف أنواع الظلم ضرورة، على أنا قد قدمنا في المقدمة أن الشرع قد يكشف عن بعض الأحكام العقلية، فلا يمتنع كون بعض موجبات التمليك لا تعرف إلا بالشرع، فإن قيل: الأمور البديهية لا تختلف فيها العقول، ونحن لا نجد من بداية عقولنا العلم باستحقاق فاعل القبيح الذم، ولو كان ضرورياً كما قلتم لشاركناكم.
قيل: إنما لم تدركوا ذلك لتدنس عقولكم بالعقائد الفاسدة، وقد قيل إن هذا أحد الأسباب المؤدية إلى التوقف في اليقينيات، مع أنكم لا تخالفون عند التحقيق إلا في القول دون الاعتقاد؛ لأنكم تعترفون أن الظلم ونحوه صفة نقص، ولا معنى للنقص إلا أنه يستحق الإهانة والاستخفاف، والذم أحد أنواع الاستخفاف لأنه يكون بالقول، والفعل، والترك، وحينئذٍ فقد أقررتم بأنكم تعلمون استحقاق فاعل القبيح للذم، ولكن لم تشعروا بذلك، ومع هذا الاعتراف فلا يحصل منكم إنكار للضرورة.
فإن قلتم: نحن منكرون كون الظلم ونحوه صفات نقص، بل نقول لا فرق في العقل بين فاعل الظلم والكذب، وبين فاعل العدل والصدق، ألحقناكم بالبهائم التي لا تعقل، وعددنا مراجعتكم كمراجعة المجانين.
قلت: وقد مر في المقدمة عن كثير من الأشاعرة القول بأن العقل يستقل بمعرفة الحسن والقبح، بمعنى استحقاق المدح والذم.
وحكى الإمام المهدي عليه السلام عن الرازي أنه قال ما لفظه: إنا لا ننازع أن الناس يستحسنون أموراً، ويستقبحون أموراً أخرى قبل ورود الشرع، حتى قال: إنا إذا رجعنا إلى أنفسنا وجدناها جازمة بحسن الصدق، والعدل، والإنصاف، وقبح الكذب، والجهل، والظلم.
قال: لكن ذلك الاستحسان والاستقباح مغايران للاستحسان والاستقباح اللذين وقع النزاع فيهما.

53 / 329
ع
En
A+
A-