قلت: وقد استدل بهذا الدليل على التقرير الذي قرره الإمام يحيى عليه السلام من فقد الداعي أبو الهذيل، وأبو إسحاق ابن عياش، وأورده الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام بنحو ما ذكره أبو الحسين، ولفظه: والعقل يحكم ويشهد على أنه لا يفعل القبيح إلا من جهل قبحه، أو احتاج إلى فعل القبيح لشهوة داعية، أو غضب مؤذٍ، أو طمع فيما لا يجوز، أو سفاهة أو سخف رأي، أو استماع مشورة مضل أو جاهل، فمن كان فيه بعض هذه الصفات لم يؤمن منه فعل القبيح، أو الرضا به، أو الأمر به.
قلت: وإذا لم يفعل القبيح إلا لأحد هذه الأسباب، فالمعلوم استحالتها على الباري تعالى فثبت أنه لا يفعل القبيح. والحمد لله.
الحجة الثانية: أنه تعالى قد تمدح بنفي الظلم عن نفسه، فلو فعله لم يكن للتمدح بنفيه عن نفسه وجه، وفي هذه الحجة رد على المجبرة أيضاً لأنه إذا كان وقوعه منه لا يوجب القبح كان كالعدل سواء، والعدل لا يحسن التمدح بنفيه.
الحجة الثالثة: أن العقول مفطورة على تنزيه من اختص بصفة كمال على الجواز، فكيف من اختص بصفات الكمال على الوجوب.
الحجة الرابعة: أن الله تعالى عالم بقبح القبيح وغني عنه وعالم بغناه عنه، وإذا كان كذلك فإنه لا يفعل القبيح قياساً على الشاهد، فإن المعلوم ضرورة في الشاهد أن من كان عالماً بقبح القبيح، وغنياً عن فعله، وعالماً باستغنائه فإنه لا يفعله، ولا علة لكونه لا يفعله إلا اجتماع هذه الأوصاف.
قال الإمام (أحمد بن سليمان) عليه السلام في تحقيق معنى هذه الحجة: الدليل على أنه تعالى منزه عن هذه الصفات التي توجب النقص من طريق العقل أنه قد ثبت أن الله تعالى عالم لنفسه قادر حكيم غني، وثبت أن العالم القادر الحكيم الغني لا يفعل القبيح ولا يرضاه ولا يأمر به، والعقل يشهد أن فعل القبيح قبيح، وأن من أمر به أو رضي بفعله يكون كمن فعل القبيح، ثم قال عليه السلام : فإذا كان فعل القبيح يقبح بالعبد الجاهل المحتاج الضعيف، فكيف لا يقبح من العالم الحكيم القادر، فوجب أن يكون القديم تعالى منزهاً متعالياً عن فعل القبيح؛ لأنه تعالى عالم بقبح القبيح، ولأنه غير محتاج إليه لا لجر نفع إليه، ولا لدفع ضرر عنه تعالى، ولا لسخف رأي ولا لطمع فيما ليس له، ولا لمشورة مضل أو جاهل، فلما كان منزهاً عن فعل القبيح وكان الظلم، والجور، والكذب، وخلف الوعد، والوعيد، وفعل الفواحش وجميع المنكرات قبيحاً، والرضى بذلك، والأمر به صح أن الله تعالى لا يفعل شيئاً من ذلك، ولا يرضى به، ولا يأمر به، ولو فعل ذلك لدخل عليه من النقص والذم أكثر مما يدخل على العبد لأنه عالم لذاته قادر لذاته، والعبد جاهل محتاج، فكان ذم العبد أقل لجهله وحاجته، ألا ترى أن العالم الغني من الناس إذا فعل قبيحاً كان ذمه عند الناس ولومه أكثر من ذم الجاهل الفقير إذا فعل مثل ما فعل العالم.
قال عليه السلام : فصح أن الله تعالى لا يفعل جوراً، ولا ظلماً، ولا يجبر الخلق على فعل، ولا يكلف أحداً فوق طاقته، ولا يفعل قبيحاً، ولايريده، ولا يحبه، ولا يرضاه، ولا يأمر به، ولا يكذب، ولا يخلف وعداً، ولا وعيداً.
قلت: وقد نبه عليه السلام على أن هذا الدليل من قياس الأولى كما لا يخفى، وقد صرح بذلك الإمام عز الدين عليه السلام فقال: اعلم أن هذا الدليل هو المعتمد في كتب الأصحاب، والمتداول في ألسنتهم، وهو بطريقة القياس، لكن هذا يسمى قياس الأولى لوجود العلة في الغائب أقوى مما في الشاهد فيكون قطعياً. ذكره في المعراج.
واعلم أن هذه الحجة هي لما كانت شجاً في حلوق المجبرة، وقذى في عيونهم شنوا عليها الغارات، وأوردوا عليها ما أمكنهم من الاعتراضات، ونحن نذكر ما وقفنا عليه منها، وجوابه، إذ في ذلك تحقيق للدليل، وتوضيح للسبيل، ولا أظنه يفوتنا شيء مما أوردوه إن شاء الله، وقد عبرنا عن إيرادهم بالاعتراض الأول والثاني إلى آخرها، وأتبعنا كل اعتراض بجوابه.
الاعتراض الأول: أن هذا من قياس الغائب على الشاهد، وهو قياس فاسد لوجوه:
أحدها: أن من شرط صحة القياس وجود العلة الرابطة بين الأصل والفرع، وأين الرابطة التي يصح الجمع بها بين الله وخلقه.
الثاني: أنه لو جاز قياس أفعال الله تعالى على أفعال خلقه لجاز أن تقاس ذاته على ذواتهم؛ لأن الأفعال صفات الذات.
الثالث: أنه قد ضل كثير من الفرق حين قاسوا الخالق على المخلوق، فقال قوم: إن الله تعالى جسم ذو جوارح، قالوا لأنه فاعل قادر، ولم نجد الفاعل القادر إلا وهو جسم ذو جوارح، وقال آخرون: ما من حادث إلا وقبله حادث؛ لأنا ما وجدنا بيضة إلا من دجاجة، ولا دجاجة إلا من بيضة، فأثبتوا حوادث لا أصل لها حين قاسوا ما لم يروه علىما رأوه، قالوا وكذلك علماء المعتزلة ومن وافقهم فإنهم ضلوا وأضلوا كثيراً حين قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال خلقه، فقالوا لو فعل القبيح، أو أراده لكان سفيهاً، كما أن الواحد منا لو فعله يكون كذلك، فأثبتوا لله شركاء من خلقه، قالوا: ومما يزيد بيان هذا القياس وضوحاً أنه لو نشأ إنسان في بلاد الزنج لم يخرج إلى غيرها، ولم ير إنساناً إلا أسود، ثم أنكر وجود الإنسان الأبيض وقال إنما قضيت بذلك قياساً على ما رأيت وشاهدت، فلا يشك عاقل في فساد قياسه، وضعف أساسه، وليس ذلك إلا لأنه أقاس الغائب على الشاهد.
والجواب: أن قياس الغائب على الشاهد صحيح إذا وقع على وجهه، بل قد قيل: إنه لا طريق إلى إثبات الصانع وصفاته إلا القياس على الفاعل في الشاهد.
وقال السيد (حميدان): إن المخالف في صحة القياس العقلي يوصف بالغلط والجهل، ومما يدل على صحته أنا لو وجدنا بناء في فلاة فإنا نعلم أن له بانياً، وليس ذلك إلا بالقياس على ما نشاهد من المبنيات في حضرتنا، والجامع عدم الفارق بينهما، ولم يضل من ضل من الملحدة والمجسمة إلا لتركيبهم القياس على الوجوه الفاسدة.
واعلم أن الوجوه الصحيحة التي يصح معها قياس الغائب على الشاهد أربعة:
أحدها: الاشتراك في العلة، كما نقول في الاستدلال على إثبات الصانع أنا نعلم ضرورة أن كل صناعة في الشاهد محتاجة إلى صانع لأجل كونها محدثة، ووجدنا العالم محدثاً فيحتاج إلى صانع لأجل كونه محدثاً، فهذا جمع بين الشاهد والغائب بالاشتراك في العلة، ومعنى الجمع بينهما أنا أ ثبتنا صانع العالم كما ثبت الصانع في الشاهد.
الوجه الثاني: الجمع بينهما بما يجري مجرى العلة كالاستدلال على أنه تعالى مريد لوجود أفعاله على الوجوه المختلفة، كما في الشاهد، وبيان الجمع بينهما من هذا الوجه أنا نستدل على كون أحدنا مريداً بوقوع أفعاله على الوجوه المختلفة، نحو كون صيغة افعل أمراً وتهديداً، فإنه لايفرق بينهما إلا بكونه مريداً لما تنا ولته في الأمر، وكارهاً له في التهديد؛ إذ الصيغة واحدة وهي افعل، ولما وجدنا من أفعال الله ما يقع على وجوه مختلفة نحو جعل بعض المضار من قبله تعالى امتحاناً، وبعضها انتقاماً ونحو ذلك، وجب القول بأنه تعالى مريد لوقوع أفعاله على وجوه مختلفة كما في الشاهد للاشتراك فيما يجري مجرى العلة، وهو حصول الأفعال على وجوه مختلفة مع اتفاقها في الصورة.
الوجه الثالث: الجمع بينهما بطريق الحكم كما يستدل على أنه تعالى قادر لصحة الفعل منه، وتعذره على سواه كما في الشاهد، وكذلك كونه عالماً وحياً وموجوداً، فإنا لما علمنا أن من صح منه الفعل في الشاهد يجب أن يتميز على من تعذر عليه، وأن يكون قادراً لأجل ما صح منه وتعذر على غيره، وعلمنا أن هذا الوجه قد وجد في أفعال الله تعالى، فإنه قد صح منه من الفعل ما يتعذر على غيره حكمنا بأنه تعالى قادر، وكذلك إحكام الأفعال يدل على كونه عالماً، وصحة هذين الوصفين يدل على كونه حياً موجوداً كما في الشاهد لاشتراك الجميع في طريقة الفعل، والطريقة هي صحة الفعل، وإحكامه، والحكم هو كونه قادراً ونحوه.
الوجه الرابع: أن يكون ثبوت الحكم في الشاهد لوجه، ويكون ثبوته في الغائب لأجل ذلك الوجه أولى، ومنه هذا القياس الذي نحن بصدد الذب عنه.
واعلم أن الله قد نبه على صحة القياس العقلي الواقع على أحد هذه الوجوه في كتابه، كما في قياس النشأة الأخرى على الأولى وغيره، وبما قررنا تعرف بطلان الوجوه التي قرروا بها اعتراضهم، أما الوجه الأول فلأنا قد بينا الرابطة، وأما الوجه الثاني فلأنه إنما جاز قياس أفعاله تعالى دون ذاته لوجود الرابطة في الأفعال دون الذات؛ إذ ليس كمثله شيء، ولا مشاركة بينه وبين خلقه فيما يرجع إلى الذات لا في الجنسية، ولا في غيرها تعالى الله عن ذلك، وبهذا تعرف بطلان الملازمة التي ذكروها، وما ذكروه في بيانها من أن الأفعال صفات الذات، فنقول صادر عن غير روية ولا نظر؛ إذ المعلوم أن الأفعال ذوات مستقلة بأنفسها، وأن ذات الفاعل تعلم من دونها في الشاهد والغائب، وإنما هي أدلة على ثبوت الفاعلين، والدليل غير المدلول، ثم إن دعوى الملازمة يؤدي إلى القول بحلول العالم في ذات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لأنه لا معنى للملازمة إلا إذا كانت صفة ذاتية، ويؤدي إلى القول بأن الكلاب والخنازير وغيرها من الأشياء النجسة صفات لله تعالى عن ذلك، وحسبك في إبطال هذه الدعوى تأديتها إلى مثل هذه الأباطيل، والخرافات.
وأما الوجه الثالث: فلأنه إنما وقع الضلال؛ لأنهم لم يجمعوا بين الشاهد والغائب إلا بمجرد الوجدان لا بوجه من الوجوه الجامعة، ألا ترى أن المجسمة إنما استندوا إلى أنهم لم يجدوا فاعلاً إلا وهو جسم، والملحد قال: لم أجد فرعاً إلا من أصل، فوجب أن لا يكون للعالم صانعاً أصلاً، فعولوا على ما عرفوا من أنفسهم فقط من غير جهة جامعة، وعدم علمهم لا يكون حجة على من قد علم ما جهلوا إما بمشاهدة، أو دلالة، كما أن قول الزنجي لم أجد إلا أسوداً لا يكون حجة على من قد وجد الأبيض؛ إذ لا يجب أن يكون ما لم يره مثل ما قد رأى إلا بوجه جامع، فثبت أن سبب ضلالهم هو أنهم جمعوا بين الشاهد والغائب بلا رابطة، وأما قولهم إن المعتزلة ضلوا بقياسهم أفعال الله على أفعال خلقه.
فالجواب: أنهم لا يضلون إلا لو قاسوا من دون علة جامعة، وأما مع وجود العلة فهو قياس صحيح، وتحقيقه أنهم إنما حكموا بقبح إرادة القبيح في الشاهد مثلاً لكونها إرادة له، فلو وجدت هذه العلة في الغائب كانت قبيحة؛ لأن العلة أينما وجدت وجب حكمها، وإلا خرجت عن كونها علة، ألا ترى أن الطبيب لو قال للعليل: اترك العسل لحلاوته، لفهمنا أن علة أمره بتركه هي الحلاوة، فلو أباح له السكر لكان مناقضاً في التعليل لأن الحلاوة ثابتة فيهما، وأما نسبتهم المعتزلة إلى الشرك بقولهم إنه لو فعله لكان سفيهاً، فجوابه: أن السفيه صفة يوصف بها من فعل السفاهة، وكذلك الظالم صفة لمن فعل الظلم، ولهذا لا يسمى من لا يفعل السفاهة سفيهاً، ولا العدل ظالماً، وهذا في اللغة العربية مشهور، فلو كان تعالى فاعلاً للسفاهة أو للظلم لوصف بأنه سفيه ظالم تعالى عن ذلك، كما يوصف بأنه عادل خالق لمّا فعل العدل والخلق ومن أجرى أدلة العقل، والشرع، واللغة على ما ينبغي إجراؤها عليه، ولم يخالفها، ولا ناقض بينها، فليس بمشرك، بل هو المسلم الجاري على سنن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
الاعتراض الثاني: أنكم لم تجعلوا العلة في ذلك إلا أنه يثبت الحكم وهو ترك القبيح بثبوت هذه العلة، وهي العلم بالقبيح، والاستغناء عنه مع العلم بالاستغناء، وهذه هي طريقة الدوران وهي لا تفيد العلم لعدم اطرادها، وبيانه أن احتراك المحترك يدور على كونه متحيزاً وجوداً وعدماً، والتحيز ليس بعلة الاحتراك.
والجوب: أنا إذا علمنا أن الحكم لا بد له من علة، ووجدناه يثبت بثبات أمر، وينتفي بانتفائه، ولم يكن هناك ما تعليق الحكم به أولى، فإنا نقطع بأن ذلك الأمر هو المؤثر في ثبوت الحكم، ومنه ما نحن فيه، فإنا نعلم أن أحدنا إذا اجتمعت فيه هذه الأوصاف فإنه لا يختار القبيح، وإن عدم ما عدم وإن انخرم وصف منها جاز أن يختاره وإن وجد ما وجد، فصح أن هذا الحكم موقوف على هذه العلة؛ إذ ليس هاهنا ما تعليق الحكم به أولى، وبهذا تعلم أن تحقيق الاعتراض باحتراك المتحرك لا يصح؛ لأنه وإن كان يثبت بثبوت التحيز، وينتفي بانتفائه، فثمة ما تعليق الحكم به أولى بدليل أنا نعلمه متحيزاً، ولا نعلمه متحركاً، فلم يدر العلم بالاحتراك علىالعلم بالتحيز.
الاعتراض الثالث: أن هذه العلة مركبة، والعلل لا يصح فيها التركيب.
والجواب: أنا إنما نمنع من تركيب العلل حيث هي موجبة، فأما حيث هي كاشفة فلا مانع من تركيبها، ولهذا عرفنا الظلم بكونه ضرراً لا نفع فيه إلى آخره.
قال الإمام المهدي عليه السلام : وقد صرح الله بالتعليل بالمركبة الباعثة حيث قال: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ...} [النساء:160 ]الآية.
ولا شك أن الظلم أنواع، وأنه سبحانه لم يرد نوعاً معيناً، وذلك كثير في القرآن.
قال عليه السلام : وعلى الجملة فنحن مضطرون إلى جواز كون الباعثة، والأمارة مركبة من وصف، أو وصفين.
قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : وقد ذكر في جواب هذا الاعتراض أنا لم نعلل عدم فعل القبيح إلا بأمر واحد، وهو كون الأوصاف التي ذكرنا مجتمعة.
الاعتراض الرابع: أن هذا القياس لا يصح؛ لأنه يلزم منه أن الله لا يختار الحسن إلا لجر منفعة، أو دفع مضرة، وذلك مستحيل في حقه، وبيانه أنكم قلتم إن أحدنا لا يختار القبيح إلا لجهله، أو حاجته إليه، ولا يختار الحسن إلا لجلب نفع، أو دفع ضرر، فإذا لم يصح الجمع بين الشاهد والغائب في الوجه الذي لأجله نختار الحسن لم يصح الجمع بينهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح، والجواب من وجوه:
أحدها: أنه دل دليل على اشتراكهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح، ولم يدل على اشتراكهما في الوجه الذي لأجله يختار الحسن.
الثاني: أن أحدنا كما يختار الحسن لجلب نفع أو دفع ضرر، فقد يختاره لحسنه ولكونه إحساناً، ألا ترى أنه لو خير إنسان بين الصدق والكذب، وكان النفع فيهما مستوياً فإنه يختار الصدق، وما ذاك إلا لحسنه، وكذلك الملحد الدنيء الذي لا يخاف ذماً ولا عقاباً، ولا يبالي بالمدح والثواب، فإنه يستحسن إنقاذ الغريق وإرشاد الضال، لا يقال: إنما يختار الصدق ويستحسن الانقاذ ونحوه لما مر في المقدمة من انغراس استحسان الصدق ونحوه في زمن الصبا، وأنه يستحسن الإنقاذ ونحوه لرقة الطبع ونحوه؛ لأنا نفرض الكلام في أول المتواطئين لم حكموا بحسن الصدق وقبح الكذب، وبدفع كون وجه استحسان الإنقاذ رقة الطبع بأنه يستحسنه وإن لم يكن هناك غرق.
الوجه الثالث: ما ذكره قاضي القضاة وهو أنه لو لم يفعل الحسن إلا لنفع، أو دفع لم يوجد في عالم الله منعم على غيره؛ لأن المنعم لا يكون منعماً إلا إذا قصد الإحسان إلى الغير، ولهذا فإن البزاز إذا قدم إلى المشتري الثياب الفاخرة ليأخذ الثمن منه لم يكن منعماً عليه؛ لما كان غرضه نفع نفسه لا نفع المشتري، فثبت أن اختيارنا للحسن قد يكون للإحسان، وبه تبطل الملازمة التي ذكروها، وثبت أن الله تعالى يفعل الحسن لحسنه، ولكونه إحساناً.
الاعتراض الخامس: أن كلامكم في هذا القياس مبني على أنه لا يوجد الفعل إلا لداع، ولا وجه لذلك إلا أن الفاعل عدل حكيم لا يفعل إلا لداع، وإلا كان عبثاً، هذا دور.