فإن قيل: فما تقولون فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اطلبوا الخير عند حسان الوجه ))، قيل: المراد بحسن الوجه البشر عند الطلب، وقد فسره بهذا ابن عباس فقد روي أنه قيل له: كم من رجل قبيح الوجه قضاء للحاجة، فقال: إنما يعني حسن الوجه عن طلب الحاجة، والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى البخاري في التاريخ، وابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج، وأبي داود والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والطبراني في الكبير كلهم عن عائشة، وإلى الطبراني في الكبير، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس، وابن عدي عن ابن عمر، وابن عساكر عن أنس، والطبراني في الأوسط عن جابر، وتمام في فوائده، والخطيب في رواة مالك عن أبي هريرة، وأخرجه تمام أيضاً عن أبي بكرة.
قال (العزيزي): يؤخذ من كلام المناوي أنه حسن لغيره، وقال الحفني: أكثر من مخرجي هذا الحديث للرد على من فرط، وقال بوضعه بل هو ضعيف، ومن قال إنه صحيح فقد أفرط، فالحق أنه ضعيف.
هذا وقد دل كلام أهل اللغة على أن الحمد قد يكون بمنعى المدح وهو ما تضمن الثناء، وقد لا يكون بمعناه وهو حيث لم يتضمن ثناءً، والظاهر أن جميع معانيه المذكورة لائقة بالباري تعالى، أما ما كان بمعنى الشكر والجزاء وقضاء الحق فواضح إذ هي في الحقيقة كلها راجعة إلى معنى الشكر، والعبادة لله تعالى والجزاء بمعنى المكافأة، وقضاء حقه تعالى بمعنى أداء ما يجب له، ولا شك أن مكافأة الله تعالى على نعمه بالشكر، وأداء ما يجب له مما يقضي به العقل والشرع، وقد ورد: ((الحمد لله حمداً يكافئ نعمه ويوافي مزيده )) أو ما هذا معناه، وورد مرفوعاً: ((فدين الله أحق أن يقضى)).
وقال علي عليه السلام : (نحمده على عظيم إحسانه إلى أن قال: حمداً يكون لحقه قضاءً، ولشكره أداءً). رواه في النهج، وكلها دالة على التعظيم، وكذلك ما كان بمعنى الرضا، ولا التفات إلى قول أبي السعود إنه لا يليق به تعالى، لأن الله تعالى قد مدح المؤمنين بالرضا عنه فقال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ }[المجادلة:22].
المسألة الرابعة [اختصاص الحمد]
ما تقدم من ثبوت الحمد لغير الله تعالى يدل على عدم اختصاص الباري تعالى بالحمد وفي ذلك خلاف، فظاهر كلام جمهور الأشاعرة اختصاصه بالله تعالى، وهو بناء على مذهبهم في نسبة أفعال العباد إلى الله تعالى، وظاهر كلام العدلية عدم الاختصاص وهو الذي يقتضيه كلام أمير المؤمنين عليه السلام وأئمة اللغة، وأدلة العقل والشرع.
احتج الأولون بأن الألف واللام في الحمد إما للاستغراق، أو للماهية، إن كان الأول فواضح إذ يفيد أن كل حمد فهو لله حقاً وملكاً، وإن كان الثاني فلأن اختصاص الجنس به تعالى يستلزم اختصاص أفراده؛ إذ لو وجد فرد منه لغيره لثبت الجنس له في ضمنه.
والجواب أولاً: أنا لا نسلم حصر الألف واللام في الحمد على هذين الأمرين إذ يحتمل العهد، ويكون المراد الحمد الكامل حق لله تعالى وحده، وهو ما لا يليق بغيره من المحامد، ويشهد لهذا قول علي عليه السلام : (ولم أر مستحقاً لهذه المحامد والممادح غيرك)، قاله عليه السلام بعد أن أثنى على الله تعالى بما لا يكون إلا له، سلمنا أنها ليست للعهد فلا نسلم العموم إذ هي للجنس الصادق كما مر، سلمنا فلا تكون للعموم إلا مع عدم القرينة الدالة على عدم إرادته وهنا قد قامت القرينة على عدم الاستغراق.
قال (ابن أبي الحديد): يبين ذلك أنها لو كانت للاستغراق يعني في الحمد لما جاز أن يحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا غيره من الناس، وهذا باطل.
احتجوا ثانياً أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه عوضاً ولا كمالاً لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يطلب الكمال لأنه من تحصيل الحاصل وهو محال، فكانت عطاياه جوداً محضاً، وإحساناً محضاً، فلا يكون مستحقاً للحمد غيره، بخلاف غيره من المنعمين فإنه قد يطلب بإنعامه عوضاً إما ثواباً أو ثناءً، أو تخلصاً من نسبته إلى البخل، وطالب العوض لا يستحق حمداً إذ ليس بمنعم.
الجواب: أن هذه الحجة لا تصح إلا لو ثبت أن غير الباري تعالى لا يحسن إلى أحد إلا لأحد هذه الأسباب، والمعلوم خلافه فإنه قد يوجد الإنعام على من لا يحصل منه عوض البتة، وممن لا يطلب بإحسانه عوضاً، ألا ترى أن الملحد قد يستحسن إنقاذ الدابة من الغرق وإن كانت في فلاة لا مالك لها يقدر منه الثناء والمجازاة وهو مع إلحاده لا يحتسب ثواب الآخرة، ثم إن إرادة العوض لا تمنع تسميته محسناً ومنعماً لحصول حقيقة الإحسان والنعمة في فعله كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
احتجوا ثالثاً بقوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ }[النحل:53]، والحمد لا معنى له إلا الثناء على الإنعام فإذا كان لا إنعام إلا من الله ثبت أنه لا يستحق الحمد إلا الله.
والجواب: لا نسلم أن الحمد لا يكون إلا على الإنعام لما مر سلمنا، فالآية واردة مورد المبالغة والمجاز لأنه لما كانت الأسباب التي يتوصل بها إلى إنعام العبد على غيره من الله صارت النعمة كأنها من الله، ونقول: إن الله يستحق الحمد عليها من هذه الجهة، وأما الاختصاص فلا يصح إلا لو لم يكن من الغير إنعام البتة، وليس كذلك.
احتجوا رابعاً بأن النعمة لا تكون كاملة إلا بأمرين:
أحدهما: أن تكون منفعة، والانتفاع مشروط بكون المنتفع حياً مدركاً، وذلك لا يحصل إلا بإيجاد الله.
الثاني: أن المنفعة لا تكون نعمة كاملة إلا إذا خلت عن شوائب الضرر، وخوف الانقطاع، وذلك لا يحصل إلا من الله.
والجواب أولاً: أنه لا يتم احتجاجكم إلا لو لم يجب الحمد إلا على النعمة الكاملة، وهذا غير مسلم، بل يجب شكر كل نعمة بحسبها إذ لم تفصل أدلة وجوب شكر المنعم.
ثانياً: أن كون الانتفاع لا يحصل إلا للحي لا يخرج المنفعة عن كونها نعمة؛ إذ المراد بالمنفعة السرور واللذة، أو ما يؤدي إليهما، أو إلى أحدهما، ولا شك في كونها بهذا المعنى نعمة ممن كانت، وأما الأمر الثاني فلا نسلم أنه لا يقدر على تخليصها من شوائب الضرر إلا الله تعالى إذ فعل ما يوجب السرور مقدور للعبد، وإنما هذا مبني على الجبر، وأما اشتراط خلوها من خوف الانقطاع، فدعوى بلا برهان، ومما يبطله أنه يلزم عليه خروج كثير من نعم الله عن كونها نعمة؛ إذ لا تخلو عن هذا الخوف.
احتجوا خامساً بأن العبد وإن أنعم على غيره فإنا نقول: إن الله الذي خلق الداعية في قلبه بحيث لو لم يخلقها لم ينعç فالمنعم حقيقة هو الله فلا يستحق الحمد سواه.
والجواب: أن هذا مبني على نفي كون أفعال العباد منهم© وأن الداعي إلى الفعل موجب له، وقد مر إبطال ذلك كله.
وأما أهل العدل فاحتجوا بما قد شاع وذاع من حمد العباد على أفعالهم، بل حمد الجماد وما لا يعقل، وثبت ذلك عقلاً وشرعاً ولغة، وقد تقدم بعض ذلك، وقد التزم بعضهم العموم في الحمد، ويكون استحقاقه تعالى للحمد على أفعالنا من حيث التمكين منها وخلق القدرة عليها، ويدل عليه قول علي عليه السلام :(فإن أحسنت حمدت الله). رواه في النهج.
وقول زيد بن علي عليه السلام : والشكر واجب على الطاعة كلها لأنها بالله كانت، وقد قدمنا في الاستعاذة ما يؤيد هذا.
قالوا: ولا يلزم رجوع الذم إليه تعالى بالتمكين والإقدار على القبائح؛ لأن ذلك ليس بقبيح، بل هو حسن إذ لا يتم التكليف إلا به، والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً على السعادة.
قلت: ويجوز أن يقصد بالعموم المبالغة والادعاء بأن ينزل حمد غيره تعالى منزلة العدم، وعلى هذا الوجه والذي قبله أعني استحقاقه للحمد على أفعالنا باعتبار التمكين يحمل ما ورد في بعض الأحاديث مما يقتضي الاستغراق نحو: ((اللهم لك الحمد كله ))، وقد تقدم عن السهيلي أن الحمد لا يكون إلا لله، لكنه بناه على كون الحمد لا يصدر إلا عن علم لا ظن، وقد رد عليه السبكي بقول عائشة: أحمد الله لا أحمدك، وقول ابن عباس في تفسير المقام المحمود، وقد مر قال: ولا أدري كيف استخرج السهيلي من الشرطين الذين ذكرهما كون الحمد لا يستعمل لغير الله، فإن صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفات كمال يصدر كثير من ذكرها عن علم لا ظن، ثم إن السبكي حكى عن سيبويه أنه قال في باب ما ينتصب على المدح: إن الحمد لا يطلق تعظيماً لغير الله، وذكر في باب آخر أنه يقال: حمدته إذا جزيته على حقه.
قال السبكي: وهذا الكلام هو التحقيق قال: فتلخص أن الحمد إن أريد به التعظيم اختص بالله سبحانه وتعالى، وإن أريد به المجازاة لا يكون خاصاً، ولا يرد شيء مما سبق على هذا القول فإن الحمد فيه على المعنى الجائز، وهو المجازاة، والثناء جنس للجميع، بل لأعم فإنه قد يكون في الشر، وفي الحديث: ((مر بجنازة فأثنى عليها شراً )). بل ربما يأتي الشكر في الشر، وكما ذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام في بعض كلامه.
قلت: وفي كلامه نظر إذ لا يصح إلا لو كان التعظيم يختص بالله تعالى، وليس كذلك لما في كتب اللغة من أن التعظيم خلاف التصغير.
قال في (القاموس): العظم بكسر العين خلاف الصغر عظم كصغر عظماً وعظامة فهو عظيم، وفي المختار: أعظم الأمر وعظمه تعظيماً أي فخمه، والتعظيم: التبجيل، واستعظمه: عده عظيماً، وهذا نص في عدم الاختصاص.
وأما قوله: وإن أريد به المجازاة... إلخ فقد أشرنا فيما تقدم إلى أن ما أريد به المجازاة راجع إلى معنى الشكر، ثم إنه لو لم يرجع إليه فلا نسلم خلوه من تعظيم ما، على أن القول بأنَّ ما قصد به التعظيم يختص بالله تعالى يؤدي إلى أن يكون الشكر مختصاً بالله تعالى؛ لأن الشكر فعل ينبي عن تعظيم المنعم، والحمد رأس الشكر، وما أدى إلى هذا يجب أن يكون باطلاً لما تقرر من وجوب شكر المنعم كائناً من كان، ولحديث: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله )).
وقول علي عليه السلام : (لا يزهدنك في المعروف من لا يشكره لك فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه، وقد تدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع الكافر والله يحب المحسنين).رواه في النهج، وبهذا تعرف أن قوله إن الثناء جنس للجميع لا يفيد اختصاص ما كان بمعنى الشكر بالله تعالى كما يفيده كلامه، على أن ظاهر كلامه إنما كان بمعنى المجازاة لا يطلق على الباري؛ إذ لا تعظيم فيه على ما قرره، وقد عرفناك سابقاً جوازه في حقه تعالى، وما حكاه عن ابن عبد السلام لا يضر ثبوت استعمالهما في الشر لا يمنع كونهما بمعنى التعظيم في الخير، وهو يسلم هذا فيما كان بمعنى الشكر، على أني لم أجد استعمال الشكر بمعنى الشر في القاموس ولا في المختار، ولعله أخذه من جعلهم الثناء من أنواع الشكر مع استعماله في الخير والشر، لكن أخذه من ذلك غلط فإنهم قيدوا الثناء المذكور بكونه حسناً بعد إحسان.
تنبيه [معنى اللام في لفظة الله]
اللام في لله لا يجوز كونها للملك لأن التي للمك هي الواقعة بين ذاتين يصلح أن تكون الواقعة منهما بعد اللام مالكة للأخرى كالمال لزيد، وكقوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ }[النحل:52 ]ولا للاختصاص لأن التي للاختصاص هي الداخلة بين ذاتين لا يصح أن تكون الداخلة عليها اللام منهما مالكة للأخرى نحو: الجنة للمؤمنين، والحصير للمسجد، واللام في لله لم تقع بين ذاتين بل بين معنى وذات فهي لام الاستحقاق، وقد عرفوها بأنها الواقعة بين معنى وذات، وبهذا يسقط قول الرازي وغيره أنها في الله للاستحقاق، أو للملك، أو للاختصاص إلا أن يحمل الاختصاص على ما يشمل الملك والاستحاق كما ذكره بعضهم، فلا بأس بإطلاق الاختصاص عليها بهذا الاعتبار.
تنبيه [خصوصية الحمد لرب العالمين]
قد تقدم أن الذي تقتضيه اللغة أن الحمد يكون على النعمة وغيرها، لكن وصف الله تعالى برب العالمين وما بعده يشعر بأن الحمد في الآية لأجل تلك الأوصاف، أعني التربية والرحمة والجزاء على الأعمال، وهذا من أجل النعم وأعظمها، فعلى هذا يكون الحمد في الآية الكريمة بمعنى الشكر على تلك النعم؛ إذ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية. والله أعلم.
المسألة الخامسة [استحقاق الله تعالى للحمد]
استحقاقه تعالى للحمد يستلزم كونه محموداً، وقد تقدم أن المحمود أحد أركان الحمد، وهذا يدل على جواز وصفه تعالى بمحمود، وقد نص على جوازه الموفق بالله عليه السلام في الإحاطة فقال: ويوصف بأنه حميد ومحمود لما فعل بالعبد من النعم ما يستحق به الحمد والشكر لمكانها.
قال: ويوصف بأنه حميد على وجه المبالغة، وبأنه محمود أي المقصود بالحمد، وقد أطلقه غيره من الأئمة"، وقيل: إن حميد في قوله تعالى:{ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }[البقرة:267أنه ]بمعنى محمود، وقد ورد وصفه بمحمود في حديث الخمسة الأشباح بلفظ: ((أنا الله المحمود وهذا محمد ...)) الخبر بطوله، وهو في أنوار اليقين ومحاسن الأزهار، والحدائق الوردية للفقيه حميد، والسفينة للحاكم.
قال الإمام الحسن بن علي بن داود"، وقد سئل عن قصة الأشباح الخمسة ما لفظه: ورد ذلك عن الشارع في الكتب المعتبرة من كتب أهل البيت"، وشيعتهم، وغيرهم بطرق مختلفة، وروايات متكاثرة معمول بها في هذا الشأن، ثم ساق رواية الأنوار وغيرها، وقال الشاعر في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
فشق له من اسمه ليجله .... فذوا العرش محمود وهذا محمد