وأما الحديث الذي رواه الرازي فلم أجده بهذا اللفظ، وقد ذكره في الجامع الصغير بلفظ: ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) ونسبه إلى أحمد، والترمذي، والضياء من حديث أبي سعيد وإسناده حسن، وعلى هذا فهو في غير محل النزاع، ولو ثبتت هذه الرواية فالمقصود بالحمد فيها الشكر، ولا شك في حسن الشكر مطلقاً، وإذا ثبت أن الحمد ليس مأموراً به مطلقاً انتفى الفرق بينهما من هذه الحيثية؛ إذ كل منهما قد يكون مطلوباً، وقد يكون منهياً عنه، ومما يدل على حسن المدح في بعض الأحوال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد مدح بالشعر وغيره في وجهه ولم ينه عن ذلك، ومدح أكابر من الأئمة والعلماء ولم ينكروه، بل ربما أجازوا المادح بجائزة عظيمة مع حكمهم بحسنها، بل في كلام بعضهم ما يدل على قبح الإخلال بها، وكما في قول علي عليه السلام : (اللهم ولكل مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء أو عارفة من عطاء). رواه في النهج، فدل على أن الجائزة حق ثابت للمادح.
ومن كلامه عليه السلام في حسن المدح في موضعه قوله في توصية الأشتر بالجنود:(وأوصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذووا البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى). رواه في النهج.
وهذا الفرق والذي قبله ذكرهما الرازي وحكاهما الخازن ولم ينسبهما إلى أحد.
الفرق الرابع: أن المدح يكون على نوع من أنواع الفضائل، والحمد مختص بفضيلة الإنعام والإحسان، وأجيب بأن كتب اللغة تدل على عدم اختصاص الحمد بالنعمة كما في القاموس وغيره.
الفرق الخامس: ذكره أبو السعود وهو أن الفرق بينهما من جهة التعلق بالمفعول، فإن تعلق الحمد بمفعوله على معنى الإنهاء والتبليغ كما في قولك: كلمته فإنه معرب عما يفيده لام التبليغ في قولك: قلت له، بخلاف المدح فإن تعلقه بمفعوله كتعلق عامة الأفعال بمفعولاتها واختلافهما في كيفية التعلق ليس إلا لاختلافهما في المعنى قطعاً.
والجواب: أنا لا نسلم أن افتراقهما في التعلق يقتضي القطع باختلافهما في المعنى، إذ اختلافهما في التعلق إنما هو من حيث الصناعة اللفظية فقط، ثم إنه يلزم من استنباط اختلافهما في المعنى من ذلك إثبات الأوضاع اللغوية بالاستنباط، وهي لا تثبت إلا بالنقل.
الفرق السادس: ذكره السهيلي وهو أن الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن، وأن تكون الصفات المحمودة صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما.
قال: ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله تعالى.
وأجيب بأن ثبوت الحمد لغير الله تعالى شائع ذائع، ويدل عليه قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً}[الإسراء:79].
قال ابن عباس: يحمده فيه أهل السموات وأهل الأرض، وقالت عائشة في قصة الإفك: لا أحمد إلا الله، وقالت: أحمد الله لا أحمدك، وحمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما فيه من صفات الكمال معلوم عند كل أحد، وذلك الحمد صادر كثير منه عن علم لا ظن، فمن أين له اختصاص الحمد بالله تعالى، ثم إن قوله: إن الحمد لا يكون إلا عن علم وأنه مختص بأهل الكمال، مردود بثبوت الحمد لكل من فعل خيراً سواء علم صدوره منه أو ظن، وسواءً كان من أهل الكمال أم من غيرهم، والشواهد عليه كثيرة منها قوله:
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره
وقد تقدم بعضها، بل قد حمد غير الفاعل كما في قولهم عند الصباح يحمد القوم السرا، وفي كلام الأئمة والعلماء من الحث على اكتساب الحمد بفعل ما يوجبه من الخصال الحميدة ما يفيد القطع بأنه يستحقه كل من فعل خيراً كائناً من كان.
وفي (نهج البلاغة) وكتب القاسم بن إبراهيم عليه السلام كثير من ذلك.
الفرق السابع: ذكره عبد اللطيف البغدادي وهو أن في الحمد تعظيماً وفخامة ليست في المدح والشكر، وهو أخص بالعقلاء والعظماء منهما، فلذلك كان إطلاقه على الله أكثر، وقد يطلق عليه المدح، قال صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الله يحب المدح ولذلك مدح نفسه )). ويقال: مدح الإنسان نفسه ولا يقال: حمدها إلا إذا طلب منها فضيلة فطاوعته.
قلت: الحديث لم أجده بهذا اللفظ، وقد مر من رواية الأسود بن سريع بلفظ: ((ليس شيء أحب إليه الحمد من الله ))، وهو في الجامع الصغير من حديثه بلفظ: ((إن الله يحب أن يحمد ))، ونسبه إلى الطبراني في الكبير ولم أقف عليه بلفظ: ((المدح)) إلا في كلام للسبكي استدرك فيه على عبد اللطيف لفظ الحديث، فقال إن لفظه: ((لا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه )).
وقال الحفني في حاشية الجامع: وفي لفظ أن يمدح موضع أن يحمد.
قلت: وهذا عند التحقيق ليس فرقاً بيناً، وقد ذكره عبد اللطيف أن معناهما متقارب، لكن سيأتي أن اللغة تقتضي الفرق بينهما.
الفرق الثامن: حكاه النسفي وهوأن المدح ثناء على ما هو له من أوصاف الكمال ككونه باقياً قادراً عالماً، والشكر ثناء على ما هو له من أوصاف الإفضال والحمد يشملهما، وهذا أقرب الأقوال من معانيها اللغوية، وقد استفيد منه أن الفرق بين الحمد والشكر من حيث العموم والخصوص، وهو أن الحمد يكون في مقابلة الفضائل والفواضل، والشكر يختص بالفواضل، وأما الزمخشري فجعل كل واحد أعم من وجه وأخص من وجه، فعموم العبد الحمد باعتبار متعلقه فإنه النعمة وغيرها، وخصوصه باعتبار مورده فإنه باللسان وحده، والشكر بالعكس فإن مورده القلب، واللسان، والأركان، ومتعلقه النعمة وحدها، وتبعه على ذلك السعد وغيره، واستدلوا بقول الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة .... يدي ولساني والضمير المحجبا
فإن قيل: ظاهر هذا البيت، وقول الزمخشري: وهو بالقلب واللسان والجوارح أن الشكر لا يطلق إلا على مجموع الثلاثة، وأما
إطلاقه على كل واحد منها فلا، وهذا يخالف ما ورد في الأحاديث من تسمية الحمد شكراً.
وما روي عن جماعة من الصحابة وأخرجه عدة من المحدثين أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ...}[الفتح:1 ]الآية اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العبادة وقام حتى تفطر قدماه، فقيل له في ذلك فقال: أفلا أكون عبداً شكورا مع قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً }[سبأ:13].
وحكى الشريف الاتفاق على أن فعل اللسان يسمى شكراً.
قيل: أما البيت فالمراد به بيان استحقاقهم على الشاعر جميع أنواع الشكر فكأنه قال: كثرت نعمتكم عندي فوجب استيفاء أنواع الشكر لكم، وبالغ في ذلك حتى جعل مواردها ملكاً لهم بحيث لا يكون في قلبه إلا محبتهم، ولا في لسانه إلا الثناء عليهم، ولا في يده وجوارحه إلا مكافأتهم وخدمتهم.
وأما الزمخشري فإنما أراد التنويع لا أن الشكر لا يكون إلا بمجموع الثلاثة، ذكره بعضهم، وما ذكره الشريف من الاتفاق يوجب حمل كلامه على هذا.
وقد اعترض السبكي على الاستشهاد بالبيت بأنه لا تعرض فيه بأن شيئاً من ذلك يسمى شكراً، ويجاب بوجهين:
أحدهما: ما ذكره الشريف وهو أنه استشهاد معنوي على أن الشكر يطلق على أفعال الموارد الثلاثة، وبيانه أنه جعلها جزاءً للنعمة، وكل ما هو جزاء للنعمة عرفاً يطلق عليه الشكر لغة.
الثاني: أنه قد دل على أن المقصود بها الشكر ذكر الشكر في البيت الذي قبله وهو قوله:
وما كان شكري وافياً بنوالكم .... ولكنني حاولت بالجهد مذهبا
قيل: ورواية هذا البيت بعد الأول أحسن موقعاً، وأظهر استشهاداً، وعلى هذا التفسير للشكر فيقال: في حده لغة: هو فعل ينبي عن تعظيم المنعم لكونه منعماً سواءً كان باللسان، أو بالجنان، أو بالأركان.
قيل: والمراد بالفعل الأمر والشأن على اصطلاح أهل اللغة لا ما قابل القول والاعتقاد، أو المراد به ما قابل الانفعال، ولا شك أن كلاً من القول والاعتقاد ليس انفعالاً، فإن قيل: هذا التعريف غير جامع لخروج الشكر الجناني من قوله ينبي إذ لا يصح إنباء الاعتقاد عن التعظيم، أما بالنسبة إلى الشاكر فإنه لا معنى لإنبائه له؛ لأنه من تحصيل الحاصل، وأما بالنسبة إلى غيره، فلعدم اطلاعه عليه لكونه خفياً، وعلى فرض أن يطلعه عليه الشاكر بقول أو فعل، فالمنبي هو ذلك القول أو الفعل، وعلى هذا فلا يصح قولهم أو بالجنان.
أجيب بأن المراد بالإنباء الدلالة لا الإخبار، والدليل ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، ولا شك أن اعتقاد الشاكر أن المنعم متصف بصفات الكمال دال على التعظيم بالنسبة للشاكر وغيره، أما الشاكر فظاهر، وأما غيره فلأنه لو علم به لعلم مدلوله وهو تعظيم المنعم، ولا يقدح في دلالته على التعظيم مع كونه بواسطة القول أو الفعل؛ إذ معنى الدليل حاصل فيه حينئذٍ.
فإن قيل: أنباء الاعتقاد عن تعظيم المنعم لا يصح لأن تعظيمه هو اعتقاد عظمته، والشكر بالقلب هو اعتقاد العظمة والشيء لا ينبي عن نفسه.
قيل: المراد بالشكر القلبي: اعتقاد اتصاف المنعم بصفات العظمة وهو مغاير لاعتقادها لأنه أعم منه والعام يدل على الخاص، فإن قيل: قوله لكونه منعماً مستغنى عن ذكره؛ لأن قوله ينبي عن تعظيم المنعم يدل عليه.
أجيب: بأنه صرح بما علم التزاماً لكون دلالة الالتزام مهجورة في التعاريف، واعلم أن إطلاق كونه منعماً يتناول ما إذا كانت النعمة على الشاكر أو غيره، وفي ذلك خلاف، فذهب العزيزي وهو ظاهر إطلاق السعد وغيره إلى أنه لا يشترط اختصاص النعمة بالشاكر.
قلت: ويدل عليه قول علي عليه السلام : (لا يزهدنك في المعروف من لا يشكره لك فقد يشكرك عليه من لا يستمتع منه بشيء). رواه في النهج.
وقال الرازي: بل يشترط ذلك، واختاره ابن أبي الحديد، وحكاه عن أكثر الأدباء والمتكلمين، وقال: لا يجوز عندهم شكر زيد عمراً لنعمة أنعهما عمرو على إنسان غير زيد، وأجاب عما يقال أن فلاناً يشكر الأمير على معروفه عند زيد بأن ذلك لا يصح إلا إذا كان إنعام الأمير على زيد يوجب سرور فلان، فيكون الشكر في الحقيقة على السرور الداخل على قلبه بسبب الإنعام على زيد، فإن قيل ما تقدم من أن قوله: فعل يتناول الموارد الثلاثة يغني عن قوله: سواء كان باللسان... إلخ، فما فائدة الإتيان به؟ قيل: فائدته تحقيق الماهية بعبارة صريحة.
قلت: والحد الواضح للشكر السالم من هذه الاعتراضات ما ذكره أبو السعود وهو أنه مقابلة النعمة بالثناء، وآداب الجوارح، وعقد القلب على وصف المنعم بصفات الكمال.
واعلم أن بعض العلماء قد فرق بين الحمد والشكر بغير ما تقدم، فمن ذلك ما ذكره الرازي وهو أن الحمد يعم ما إذا أوصل إليك الإنعام أو إلى غيرك، والشكر يختص بالواصل إليك، وفرق بينهما ابن أبي الحديد بأن الحمد يكون على النعمة وغيرها، والشكر لا يكون إلا على النعمة، وقيل: لا فرق بينهما، وهذا قول زيد بن علي وأبي جعفر الطبري، وروي عن الصادق وابن عطاء، وحجتهم صحة قولك: الحمد لله شكراً، وقد ورد مرفوعاً: ((اللهم لك الحمد شكراً )) من حديث كعب بن عجرة، وفي معناه أحاديث وستأتي إن شاء الله تعالى.
وعن ابن عباس الحمد: هو الشكر والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته، وهدايته وابتدائه، وغير ذلك. الاستخذاء: بالخاء المعجمة- الخضوع.
وأجيب بأن ذلك لا يدل إلا على تخصيص هذا الحمد بكونه شكراً لأنه على نعمة كما يفيده سبب حديث كعب وغيره.
وعلى هذا فهو حجة عليهم لا لهم؛ لأنه يستفاد منه أن الحمد قد يكون شكراً وغير شكر، ولا شك أن الحمد أحد شعب الشكر، وقد ورد مرفوعاً أنه رأس الشكر، وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده)) قال: ورجاله ثقات لكنه منقطع.
وفي تخريج الكشاف أن البغوي روى عن ابن عباس مثله، ورأس الشيء بعضه، إلا أنه قد دل على أن الحمد أعلى خصال الشكر وأشرفها، كما أن الرأس أعلى أجزاء البدن وأشرفها، ووجه تشرف الحمد أنه باللسان، وعمل اللسان ظاهر بخلاف عمل الأركان والجنان، ولذا استعار له لفظ الرأس.
فهذه جملة أقوال الناس في بيان معاني الحمد والمدح والشكر، وقد كثر اختلافهم كما ترى، والحق أن يرجع في تحقيق معاني كلمات الله كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، وما ورد عن السلف إلى أهل اللغة الذين نزل القرآن بلغتهم، وتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بلسانهم ما لم يرد ناقل شرعي عن تلك المعاني اللغوية.
والذي يظهر من كتب اللغة أن الحمد أعم الثلاثة لأنه يطلق على الشكر وغيره، ويحمد الفاعل المختار وغيره، ثم الشكر لأنه مدح وزيادة، ثم المدح لأنه لا يكون إلا باللسان، ولا يكون إلا على الفعل الاختياري، وما ورد مما يوهم المدح على غير الأفعال الاختيارية فليس بمدح وإنما هو وصف مستحسن يفيد بيان حال الموصوف في الجودة، لكن ربما ظن من لا تمييز له بين الأوضاع اللغوية أن ذلك مدح، وأنا آتيك في هذ الموضع بما يزيل عنك اللبس، ويتبين به الحق، ويتضح به صحة ما قلنا، فنقول: هاهنا ألفاظ ربما يلتبس بعض معانيها ببعض فيطلق أحدها على الآخر لعدم معرفة الفرق بينها وهي الوصف، والثناء، والحمد، والشكر، والمدح، فأما الوصف فيطلق على النعت، وعلى الإخبار عن الشيء بما يميزه يقال: تواصفوا الشيء إذا وصفه بعضهم لبعض، واستوصفه لدائه سأله أن يصف له ما يعالج به، وبيع المواصفة: بيع الشيء بصفة من غير رؤية، وتطلق الصفة على الأعراض كالعلم والسواد، وأما الثناء فهو الوصف بمدح أو ذم أوخاص بالمدح، وأما الحمد فهو الشكر، والرضا، والجزاء، وقضاء الحق يقال: أحمد الأرض وحمدها أي صادفها حميدة، وفلاناً رضي فعله ومذهبه ولم ينشره للناس، وحمد أمره صار عنده محموداً ومنزل حمداي محمود، والحمد ضد الذم، وأما الشكر فهو عرفان الإحسان ونشره، ولا يكون إلا عن يد، ومن الله المجازاة والثناء الجميل، ونقيضه الكفران، وأما المدح فهو الثناء الحسن وضده الذم.
قلت: ومرادهم أنه الثناء الحسن على الجميل الاختياري، وإنما حذفت هذه الزيادة للعلم بها، ويدل على لزومها وأنها مقصودة لأهل اللغة ما تقدم في كلام أمير المؤمنين عليه السلام للشامي من الدلالة على أنه لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية مع نقل الزمخشري عن المحققين تخطئة من مدح على غير الفعل الاختياري، وقضاء العقل بعدم حسن ذلك، وهذه المعاني التي حكيناها لهذه الألفاظ مأخوذة من الكتب المعتبرة في اللغة كالقاموس، والصحاح، ومختار الصحاح وغيرها.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الغرض بالوصف ويرادفه الصفة والنعت هو إبانة الموصوف عن غيره بما يفيده الوصف في حكم الموصوف من ثبوت حكم، أو نفيه، أو وجود معنى أو عدمه، أو ما أشبه ذلك.
وعلى الجملة فإن أصل وضعه لتكميل الموصوف ببيان صفة من صفاته سواء تضمن مدحاً أو ذماً أم لا، ولذا قال النحاة: إنه يكون للتخصيص والتوضيح، والمدح، والذم، والتوكيد، وإعلام المخاطب بأن المتكلم عالم بحال المذكور نحو رأيت قاضيكم الكريم الفقيه في جواب من قال: رأيت قاضي بلدنا.
قالوا: وليس المراد به هنا الإيضاح لعدم الحاجة إليه ولا المدح؛ لأن غرض المتكلم إعلام السامع بأنه عالم بحال الموصوف لا الثناء عليه، وقد نص بعضهم على أن أصل وضعه للتكميل ببيان الصفة للإيضاح بها، أو التخصيص، وأما كونه للمدح فمجاز.
وقيل: المراد بالتكميل إفادة ما يطلبه المنعوت بحسب المقام من تخصيص ومدح وغيرهما، فعلى هذا يقال في حده هو كل قول أفاد في حق الموصوف ما به يتميز عن غيره مما يرجع إلى ذاته أو فعله، لكن إن رجع إلى الذات سمي وصفاً مطلقاً أو موضحاً أو مبيناً، وإن تعلق بالفعل الاختياري سمي مدحاً أو ذماً بحسب المقام، ويرادفهما الثناء على قول، وبهذا يظهر لك أن تسمية وصف اللؤلؤة بالصفاء ونحوه مدحاً غلط وإنما هو وصف يميزها عن غيرها، لكنه لما كان وصفاً مستحسناً تتبين به جودتها توهم أنه مدح وليس كذلك، وسببه الغفلة، وعدم البحث، وإمعان النظر في مفردات الألفاظ اللغوية، ولله در الزمخشري حيث تنبه لهذه النكتة، وقد نبهناك على صحة قوله بما نقلناه عن أهل اللغة، ولعل بعض أهل النظر من علماء الأشاعرة قد تنبه لهذا، لكنه أراد التعمية بإطلاق المدح على ما ليس باختياري ليتم لهم دفع ما ألزمهم به أمير المؤمنين وأتباعه أئمة العدل من سقوط المدح والذم على مقتضى مذهبهم، وقد دل كلام أمير المؤمنين عليه السلام وما حكاه الزمخشري عن الثقات على أن الوصف برشاقة القد وصباحة الخد ونحوه ليس مدحاً، وما قيل: بتسميته مدحاً لأنه يدل على أفعال جميلة وأخلاق مرضية، مدفوع بما هو معلوم من حصول الخير والأفعال الجميلة من كثير من قباح الوجوه، وحرمان الخير وشكاسة الخلق من كثير من حسان الوجوه، ويدل على هذا حديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم )).