الثاني: أن الحاجة إلى الاستثناء لا تتحقق إلا بتحقق الدخول؛ لأنه إن أريد البعض مبهماً لم يتحقق دخول المستثنى في المستثنى منه فلا تتحقق الحاجة إلى الاستثناء، وإن أريد بعض معين فغيره لا يدخل فلا معنى لاستثنائه، وإن أريد نفس الحقيقة لم يصح استثناء الأفراد لعدم تناول اللفظ لها، فتعين أن الاستثنا يخرج ما يجب دخوله سلمنا، فقد ذكر الشيخ لطف الله رحمه الله أن جواز الدخول كاف في ظهور اندراج المستثنى في المستثنى منه وهو معنى العموم، واحتج على ظهور دخوله بأنه لو قيل: جاءني أهل هذا البلد لبلدة معينة إلا فلان مريداً به من ليس من أهلها لعد لغواً إن لم تظهر نكتة لأجلها يحسن التجوز في استثنائه عنهموقال فيما جوزه بعض النحاة من الاستثناء من الجمع المنكر كجاءني رجال إلا زيداً أنه لا نزاع في ظهور دخوله، وأن الاستثناء لا يحسن إلا إذا كان زيداً داخلاً في رجال بأن يكون المراد بهم رجالاً مخصوصين فيهم زيد بقرينة، وإلا كان لغواً، أو كان منقطعاً على معنى لكن زيداً لم يجئ، ولكن هذا يحتاج إلى القرينة أيضاً، فثبت أن الاستثناء من الجمع المنكر باقياً على حقيقته أعني جماعة مطلقة لا يصح، وأنه لا يصح فيه ذلك إلا إذا صار جماعة مخصوصة، ويكون استعماله فيها مجازاً، وبهذا يظهر لك ظهور دخول المستثنى في المستثنى منه.
هذا حاصل ما ذكره رحمه الله، ولا يخفى أنه يقتضي وجوب دخول المستثنى في المستثنى منه لا جوازه فقط، فتأمل.
وللغزالي تفصيل فقال: إن ميز واحده بالتاء كالتمر، أو كان لا يوصف بالوحدة كالماء والذهب فهو عام، وإن لم يميز واحده بالتاء لكنه يوصف بالوحدة كالرجل والدينار فإنه يقال: رجل واحد، ودينار واحد، فليس بعام، بل هو للجنس الصادق ببعض الأفراد ما لم تقم قرينة على العموم نحو الدينار خير من الدرهم، فإن التسعير قرينة العموم.

قيل: وهذا اختيار الشيخ تقي الدين القشيري والمريسي، ودليلهم على إفادة ما يميز واحده بالتاء العموم أنه لو لم يكن للعموم مع تجرده عنها لما كان للإتيان بها معنى، وعلى عموم ما لا يوصف بالوحدة أن عدم تمييزه قرينة عمومه، وعلى ما لا يفيد العموم أن التميز بالوحدة كرجل واحد دليل على صحة إرادتها.
وقال (الجويني): هو للعموم إن ميز واحده بالتاء لما مر، وإلا فلا.
والجواب: أن الأدلة السابقة متناولة لجيمع الصور المذكورة، وما ذكروه غير واضح في منع العموم من تلك الصور. والله أعلم.
وقال (أبو الحسين) و(الرازي): اسم الجنس المعرف لا يفيد العموم، بل هو للجنس الصادق ببعض الأفراد، واختاره ابن أبي الحديد، وهو مقتضى كلام أبي هاشم وقيل: قد رجع عنه، واحتجوا على ذلك بأمور:
أحدها: أن القائل إذا قال: لبست الثوب، أو شربت الماء لا يفيد العموم.
الثاني: أنه لا يجوز تأكيده بما يؤكد به الجمع، ولا نعته بما ينعت به الجمع فلا يقال: جاءني الرجل أجمعون أو العالمون.
الثالث: أنه يقال: الإنسان هو الضحاك، فلو كان بمعنى كل إنسان هو الضحاك لأدى إلى التناقض؛ لأن المقصود بالكلام هذا حصر الإنسانية في الضحاك، فإذا حمل على العموم كان معناه حصر الإنسانية في كل واحد من الناس؛ لأن معنى الحصر هو أن يثبت فيه لا في غيره، فيلزم أن يصدق على كل فرد من أشخاص الناس أنه هو الضحاك لا غيره فيتناقض.
الرابع: أن البعض هو المتيقن والجميع مشكوك فيه، فوجب الحمل على المتيقن ما لم تقم قرينة على إرادة العموم كالاستثناء في قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}[العصر:3].

والجواب عن الأول: بأن استفادة البعضية من القرينة إذ اللبس والشرب لا يتصوران في الحقيقة نفسها، والعموم متعذر لاستحالة لبس جميع الأثواب وشرب جميع المياه، فتعين أن المراد حصة من جنس الثياب والمياه غير متعينة، وهذا حيث لا عهد في الخارج وإلا حمل عليه.
والجواب عن الثاني من وجهين:
أحدهما: أن الملاحظ في التابع ظاهر اللفظ دون المعنى، ولهذا مثل النحاة لتوكيد المفرد المذكر بنحو جاء الجيش كله أجمع مع أنه متعدد من جهة المعنى، مع ما في ذلك من المشاكلة اللفظية.
الثاني: أن معنى الأفراد باق، وأداة العموم تتبعت أشخاص ذلك المفرد، فمعنى قولنا: أكرم الرجل مثلاً أكرم كل رجل لا كل الأفراد أي: لا مجموعها؛ لأن دلالة العموم كلية أي محكوم فيها على كل فرد، فالمثال في قوة قولكم أكرم فلاناً وفلاناً إلى آخره، وكل منهم محكوم عليه منفرداً فما هو في قوة التعدد يكون الحكم فيه على كل فرد فرد لا على الكل، أي مجموع الأفراد من حيث هو مجموع، ولا على الكلي أي الماهية لأن النظر في العام إلى الأفراد، وهذا الوجه يفيد امتناع اتباعه بتوكيد الجمع ونعته مع اقتضائه العموم، فثبت أن امتناع التوكيد والنعت المذكورين لا يدل على عدم العموم، على أنه قد نقل الأخفش عن بعضهم أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، وجوزه ابن مالك وغيره.
وقال المرادي في التوكيد: إنه يجوز: جاء الرجال كلهم، نظراً إلى اللفظ والمعنى، وكلها على معنى الجماعة، وكله على معنى الجمع.
قلت: وهذا يقتضي جواز تأكيد المفرد المعرف بما يؤكد به الجمع نظراً إلى المعنى، وهو الذي يقتضيه قولهم في المشاكلة اللفظية: أنه يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى. والله أعلم.

وعلى هذا فلا معنى لما احتجوا به من امتناع الاتباع بتأكيد الجمع ونعته، وقد ذكر الرازي ما حكاه الأخفش وحمله على المجاز لعدم اطراده، لكنه يقال: عدم الاطراد لأجل المشاكلة اللفظية، وقد بينا أنه يجوز مراعاة المشاكلة اللفظية ومراعاة المعنى، بل قيل: مراعاة المعنى أولى بمقتضى القياس.
وعلى هذا فلا يكون عدم الاطراد دليل المجاز، بل دليل المشاكلة اللفظية، ويكون المراد بقولهم: إنه غير مطرد نفي كثرته وإلا فهو قياسي، فتأمل.
والجواب عن الثالث: بأن تأديته إلى التناقض المذكور قرينة على عدم الاستغراق، والقائلون به إنما يحملونه عليه عند عدم المانع، على أنه لا يدل على ما ذكره أهل هذا القول من أنه موضوع للجنس الصادق بالبعض لأنه في المثال المذكور للماهية، وقد مر أنه في التعريفات للحقيقة من حيث هي.
والجواب عن الرابع: بأنه ترجيح في اللغة وهي لا تثبت بالترجيح.
هذا وأما القائلون بأنها موضوعة للحقيقة ثم تشعب منها العهد وغيره فلعلهم يحتجون بأن سائر المعاني المذكورة لا تفهم إلا بقرينة كتقدم ذكر، أو صحة الاستثناء، أو نحو ذلك فلأجل ذلك وجب القول بأنها موضوعة للحقيقة، ويمكن أن يجاب بأن ما تقدم من كون الحكم على الحقيقة من دون اعتبار الأفراد قليل الاستعمال مانع من الحمل عليها؛ إذ القليل النادر كالمعدوم، فإن قالوا: الغرض من الحقيقة ما تتحقق به، وأقله ما يتبادر من الاستعمال وهو فرد واحد فتحمل عليه، وبه يصح الحكم عليها.
قيل: استعمالها في الفرد قليل، فإن قيل: بل هو المتيقن ولا دليل على غيره، قيل: بل قام الدليل على غيره وقد مر، ثم إن الاقتصار عليه لأنه المتيقن ترجيح في اللغة.
وأما القائلون بأنها أصل في الجميع فلعدم انتهاض أدلة كل قول على تعيينه للأصالة وقصرها عليه مع عدم المانع من أصالتها كلها، وجوابه يعرف مما مر مع التأمل للأدلة، وبه يظهر الرجحان إن شاء الله.

تنبيه [شروط عموم الاسم الداخلة عليه الأداة]
يشترط في عموم الاسم الذي تدخل عليه هذه الأداة أن تكون مادته غير صارفة عن العموم كالبعض، والجزء، والنصف، والثلث بالنسبة إلى الباقي، فإذا قلت: أخذت البعض من الدراهم، وأكلت الثلث من الرغيف فلا يعم الأبعاض والأثلاث، لأن هذه إنما تستعمل غالباً لإرادة عدم الاستيعاب، وهذا ما لم يرد بها الاسماء كقولك الثلث أكثر من الربع، والبعض لا يطلق على الكل، فإن أريد بها ذلك فتعم كغيرها من الاسماء، وكذا إن قامت قرينة على إرادة العموم كما في قولك: البعض من هؤلاء يحب البعض أي كل واحد منهم يحب الآخر، ومثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الثلث كثير )) أي كل مال فثلثه في الإيصاء كثير، والقرينة مفهومة من السياق فإن الحديث وارد لبيان عموم الحكم.

تنبيه [في تعريف الجنس]
اعلم أن اسم الجنس يطلق عند الأصوليين على ما ميز واحده بالتاء وليس مصدراً ولا مشتقاً منه كتمر وشجر، وعلى الاسم الدال على الحقيقة، كرجل ونحوه مما تميزت أفراده وليس له مؤنث بالتاء، وعلى الدال على الحقيقة من حيث هي هي ولا يتميز بعضها عن بعض وليس لها مؤنث كالماء والعسل في الأعيان، وكالضرب والنوم في المصادر سواء كانت موضوعة بالتاء مثل الرحمة أم لا، وعلى غير ذلك مما يدل على الشركة ما عدا المثنى والجمع، والنحاة لا يطلقونه إلا على ما الفرق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، أو ياء النسب على تفاصيل لهم، واختلاف في بعض المواضع، والسبب أن الأصوليين ينظرون إلى المعاني فيطلقون الجنس على الكليات، ويعنون به ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه جنساً كان أم نوعاً أم فصلاً أم خاصة أم عرضاً عاماً أم صنفاً، والنحاة ينظرون في الألفاظ، ولذا قال بعضهم في نحو تمر إنه جمع، وقال بعضهم: اسم جمع.
قال بعض العلماء: وقد توسع الأصوليون في ذلك فإن حقيقة الجنس في الاصطلاح المقول على كثيرين مختلفين بالنوع في جواب ماهو قال: وما اصطلحوا عليه يقع أيضاً في كلام النحاة، ألا تراهم يقولون الألف واللام الجنسية يعنون جميع ذلك.
قلت: وهذا بحث نفيس يجب التنبه له؛ إذ يترتب عليه معرفة ما يقتضي عموم الآحاد من أسماء الأجناس، وما يقتضي عموم كل جماعة عند القائلين بأن استغراق الجمع إنما يتناول كل جماعة جماعة.
ولنختم المسألة بفوائد تشتمل على تحقيق موضع الخلاف، وزيادة التوضيح لما اشتملت عليه المسألة من أدلة المختلفين، وعلى غير ذلك مما له تعلق بما نحن فيه.

الفائدة الأولى: [الاختلال في مدلول اسم الجنس]
اختلف في مدلول اسم الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فقال السبكي: هو صالح للواحد، والمثنى، والجمع؛ لأنه للجنس والجنس موجود مع كل واحد من الثلاثة، وبه قال الكوفيون، وقد حكى الكسائي عن العرب إطلاقه على الواحد، وقال الراغب: النحل يطلق على الواحد والجمع.
قال السبكي: ولا ينبغي أن يقال: صالح للواحد والجمع، بل يقال: موضوعه الحقيقة ليصدق اسم التمر على بعض تمرة واحدة لأن الجنس موجود فيه، وقال ابن جني، وابن مالك ومن اتبعهما: لا يطلق على أقل من ثلاثة، ولذا يسمونه اسم جنس جمعي، وقيل: لا يطلق إلا على جمع الكثرة وهذا محكي عن الشلوبين وابن عصفور، ويدل عليه أن سيبويه لما قال: باب علم ما الكلم العربية أورد عليه إنما هي ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فأجاب شراح كلامه بأن تحت كل واحد منها أنواع كثيرة.
قال السبكي: ولا يدل لمن قال: إنه لا يطلق إلا على الجمع أن سيبويه إنما ذكر ذلك في باب الواحد الذي يقع على الجمع؛ لأنه لم يقل لا يقع إلاَّ على الجمع، ولا يدل له أنهم عند إرادة الواحد يأتون بالتاء لأن التاء يؤتى بها للتنصيص على الوحدة، وإزالة احتمال التعدد، كما يؤتى عند إرادة جمع القلة بالألف والتاء، ولا دلالة في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ }[الرحمن:6 ] على إرادة الواحد، بل قد يراد الجنس، وعاد ضمير التثنية باعتبار لفظهما ومعناها، وقد يراد الجمع وهو رعاية لفظهما.
قلت: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا حلف رجل لا آكل التمر مثلاً، فعلى القول الأول يحنث ولو ببعض تمرة، وعلى الثاني لا يحنث بأقل من ثلاث، وعلى الثالث لا يحنث إلا بالكثير.

الفائدة الثانية [الاسم المجرد عن أداة التعريف]
الاسم المجرد عن أداة التعريف الدال على الحقيقة وأفراده متميزة، وليس له مؤنث بالتاء كرجل، وفرس يحتمل أنه قصد فيه الجنس مع الوحدة ما لم يقترن بما يزيلها من تثنية أو جمع، أو عموم، وبه جزم الغزالي في المستصفى والقرافي، ورجحه السبكي والكاشي، واستدلوا بصحة تثنيته وجمعه، وصحة ما عندي رجل بل رجلان، وقولهم: إن واحداً من جاء رجل واحد تأكيد، وأنه لا يقال: رجل عاقلون أو كثير، ويحتمل أن يقال: إنه لأعم من الواحد وغيره بدليل صحة قولك رجل خير من امرأة لا تريد إلا الجنس، ولقول النحاة (لا) التي لنفي الجنس في نحو لا رجل ويقولون إنه لنفي الحقيقة، ولذلك لا يصح أن تقول بل رجلين؛ ولأنه كلي والكلي لا تعرض فيه لوحدة ولا تعدد، وهذا هو المفهوم من قول الزمخشري وغيره في قوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً }[الحج:5 ]أنه وحده لأن الغرض الدلالة على الجنس مع احتمال كون المعنى نخرج كل واحد منكم طفلاً كقولك: الرجال يشبعهم رغيف أي يشبع كل واحد، وهذا كالتصريح منهم بأن اسم الجنس المنكر لا يختص به الواحد، وأما طفل، فلا يصلح للاحتجاج به هنا لأنه يوصف به المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد لغة.
وقال (المبرد) و(الطبري): إنما وحد لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل يقع على الواحد والجمع، وأحسن منه في الدلالة قولهم في قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ }[البقرة:163 ] أنه لا يجوز الاقتصار على (إله)لأنه يوهم أنك تثبت الإلهية ولم تثبت الوحدانية، بل يجوز الاستغناء عن إله والاقتصار على واحد فيقال: وإلهكم واحد، فلو كان اسم الجنس مختصاً بالواحد لصح الاقتصار على إله، ويتمحض ذكر الواحد للتأكيد.
فإن قيل: فما تقول في قولهم: إن ذكر الواحد تأكيد... إلى آخر ما مر.

قيل: إنما أطلقوا التأكيد نظراً إلى الغالب في الاستعمال، وذلك أن المتحقق هو الجنس ولكن استعماله في المفرد فصار الذهن يتبادر إليه، فصح القول بأن الواحد تأكيد لأنه أزال احتمالاً مرجوحاً، وأما منع وصفه بصفة الجمع، فيؤخذ جوابه مما مر، وأما صحة ما عندي رجل بل رجلان، فخارج عن محل النزاع؛ إذ لا نزاع فيما قامت فيه قرينة معينة للوحدة، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قلت: اعتقت عبداً ولك جماعة من العبيد ولم تقصد الوحدة ولا التعدد، فعلى الأول لا يعتق إلا واحد، وعلى الثاني يحتمل الواحد وما فوقه. والله أعلم.

الفائدة الثالثة [المفرد المعرف ودلالته]
في دفع الإشكال الوارد على كون المفرد المعرف يدل على الاستغراق، وحاصله أن إفراد الاسم ينافي أن تكون الأداة الداخلة عليه للاستغراق؛ لأن الإفراد يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على التعدد، وجوابه من وجوه:
أحدها: أن المراد به في حال تجرده الجنس كما مر عن الزمخشري وغيره.
الثاني: أنه وإن كان دالاً على الوحدة كما هو رأي الغزالي وغيره، فالتنافي ممنوع لأن الحرف الدال على الاستغراق إنما دخل عليه مجرداً عن معنى الوحدة التي وضع لها، فصار محتملاً للوحدة والتعدد لأنه قصد به الجنس حينئذٍ، وبدخول حرف الاستغراق تعين للتعدد.
الوجه الثالث: أن معنى الإفراد باق وأداة العموم تتبعت إفراد ذلك المفرد، فيكون معناه كل فرد لا كل الأفراد، وقد تقدم التعرض لمعنى هذا، ونزيده هنا توضيحاً وهو أن نقول: لا تنافي بين الوحدة والتعدد لأن معنى الوحدة عدم اعتبار اجتماع آخر معه، والمفرد المعرف معناه كل فرد فرد بحيث لا يخرج فرد من الأفراد الذي يصدق عليها اللفظ، وهذا لا ينافي الوحدة لاتصاف كل فرد بها؛ إذ كل فرد لم يعتبر فيه ضم شيء آخر معه، وليس معنى ذلك المفرد مجموع الأفراد حتى يحصل التنافي.
وقال بعض المحققين: الدال على الوحدة كالضربة وكالرجل إن قلنا إنه موضوع بقيد الوحدة، وكالتمرة والبقرة يعم الوحدات ولا ينافي ذلك العموم، فإذا قلنا: الضربة تؤلم كان معناه كل ضربة واحدة تؤلم، وإنما ينافي العموم لو كان معناه واحدة من الضربات تؤلم، وليس كذلك، وإذا اتضح لك ذلك فيما هو صريح في الوحدة فانقله فيما هو ظاهر فيها يكون أوضح كقولك: الرجل يشبعه رغيف.

45 / 329
ع
En
A+
A-