قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين}
اعلم أن هذه الآية الكريمة بحر لا ساحل له، ولا يطيق أحد من البشر الوصول إلى عشر العشر ولا إلى أقل من ذلك مما اشتملت عليه تفاصيلها من العلوم العقلية والنقلية، وذلك أنها قد تضمنت الدلالة على وجود الصانع المختار، وأنه يستحق الشكر على نعمه على عباده، فإذا أخذت في تفصيل دلائل إثبات الصانع وكيفية الاستدلال بها، ووجه دلالتها، وما أشار إليه الاسم الشريف من صفات العظمة والكمال رجع طرفك حسيراً، وعقلك مبهوتاً، ثم إذا نظرت إلى ما وصل إلى الخلق من النعم من ابتداء وجودهم إلى وقت فنائهم وتفاصيلها لم تجد نسبة ما عرفته منها إلى ما جهلته إلا كنسبة قطرة من بحر لجي إلى بقية ماء البحر، كما قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا }[إبراهيم:34]، ثم إذا أخذت في تفاصيل شكر هذا المنعم الكريم العظيم استلزم ذلك معرفة ما يرضيه وما يسخطه، فيدخل في ذلك معرفة مسائل العبادات، والمعاملات، والآداب، ومكارم الأخلاق، وما يحتاج إليه في معرفتها من الفنون، كمفردات اللغة والنحو، والصرف وغير ذلك.
وبالجملة إن ذلك يستدعي معرفة العلوم الشرعية وما يتعلق بها، ولا يكون ذلك إلا بعد معرفة النبوة بمعجزاتها إلى غير ذلك مما لا أطيق التعبير عن جملته، ثم إذا انتقلت إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الشعراء:109] تضاءلت قوتك، واضمحلت همتك، ونكص عقلك، ومن ذا الذي يطيق معرفة وجوه التربية لأصناف العالم من الجن، والإنس، والملائكة، والدواب، والحشرات، والشجر وغير ذلك، ومن ذا الذي تحدثه نفسه بالوصول إلى العلم بأجناس العالم وأنواعه التي لو كتب الكاتب في شرحها ألف ألف مجلد لما وصل إلا إلى أبعاض أبعاض الأجناس الظاهرة، فكيف وما تغيب عنا أعظم، ولكنا نأتي في كتابنا هذا ببعض ما يتعلق بهذه الآية الكريمة مما لا نعذر بتركه حسبما بلغته قوانا، وانتهت إليه عقولنا، ونكل بعضه إلى مواضعه إن شاء الله تعالى، وما عجزنا عنه ولم يبلغه علمنا، ولا دخل تحت استطاعتنا وطاقتنا اعترفنا بالعجز عنه، والقصور عن معرفته، وسألنا الله العفو عن التقصير فيما يجب، والمعونة على ما كلفنا به وقلنا: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[البقرة:286].
إذا عرفت هذا فاعلم أنا نذكر مما يتعلق بالآية مسائل، ولا نألو جهداً في تحقيقها وتوضيحها، وبيان الخلاف فيها، وما تمسكت به كل طائفة من الأدلة والشبه حتى يتضح الحق بدليله، ونسأل الله المعونة والتثبيت والسداد، والهداية والإرشاد، {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}[الكهف:10 ] {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}[آل عمران:8 ] {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي}[طه:26 ] {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا }[طه:114 ]{رب احكم بالحق وأنت خير الحاكمين}وصلِّ يا رب على محمد وآل محمد الطاهرين، وعلى الأنبياء والمرسلين، وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين.
المسألة الأولى [ثبوت الحمد]
قد ثبت حمد العباد على أفعالهم لغة وشرعاً، بل ثبت حمد من لا فعل له قال الله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً }[الإسراء:79].
قال ابن عباس: أي يحمدك فيه الأولون والآخرون، وقال علي عليه السلام : (فاحذر يوماً يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله). رواه في النهج.
الغبطة: السرور، وأحمد عاقبة عمله: وجدها محمودة.
وقال عليه السلام في جوابه عن القضاء والقدر: (ويحك لعلك ظننت قضاء لازماً، وقدراً حتماً، لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأت لائمة من الله لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذم من المحسن). رواه أبو الحسين في الغرر عن الأصبغ بن نباتة.
ويح: كلمة رحمة، وويل: كلمة عذاب، وقيل: معناهما واحد، وهي هنا منصوبة بفعل مضمر أي ألزمك الله ويحك.
وقال الحسن بن علي" في كتاب له إلى معاوية: (فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله لا بفضل في الدين معروف، ولا أثر في الإسلام محمود). رواه في شرح النهج.
وقال الشاعر:
ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره .... ومن يغولا يعدم على الغي لائما
وقال آخر:
أيها الماتح دلوي دونكا .... إني سمعت الناس يحمدونكا
وقال آخر أيضاً:
مكانك تحمدي أو تستريحي
إلى غير ذلك مما يشغلنا استقراؤه عن المقصود، وإذا ثبت إطلاقه لغير الله تعالى فيستنبط من إطلاق الحد في الآية الكريمة أن اسم الجنس المعرف باللام لا يفيد العموم، وفي ذلك خلاف، والمسألة مهمة إذ يبنى عليها كثير من مسائل الأصول والفروع، وتحقيق محل النزاع يحتاج إلى تحرير أقسام لام التعريف، ونحن نأتي في تحقيقها بما يتضح به الحق، ويزول معه اللبس إن شاء الله، فنقول:
آلة التعريف تنقسم إلى: عهدية وجنسية كما يفيده (المغني) و(التلخيص) وغيرهما، فالعهدية ثلاثة أقسام:
الأول: أن يتقدم ذكر معهودها إما صريحاً نحو: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ً، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}[المزمل:16]، وإما كناية نحو: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى }[آل عمران:36] لتقدم الذكر مكنياً عنه بما في قوله: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } [آل عمران:35] لأن التحرير أي الوقف لخدمة البيت المقدس كان عندهم خاصاً بالذكور.
قال ابن هشام: وعبرة هذه أن يسد الضمير مسدها مع مصحوبها.
الثاني: أن لا يتقدم ذكر معهودها لكنه معلوم عند المتكلم والمخاطب نحو: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ }[التوبة:40]، وهذا الذي تسميه النحاة بالعهد الذهني.
الثالث: أن يكون مدخولها معلوماً حاضراً نحو: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }[المائدة:3 ] أي الزمن الحاضر وقت نزول الآية، وهذا القسم والذي قبله يسميهما أهل المعاني عهداً علمياً لكونه معلوماً عند المخاطب، والعهد في الثلاثة خارجي عندهم، والنحاة يخالفونهم في الثالث كما ترى.
وأما الجنسية ويقال لها: لام الحقيقة فتحتها أربعة أقسام عند أهل المعاني؛ لأنها إما أن يشار بها إلى الحقيقة من حيث هي وتسمى بلام الحقيقة، ولام الجنس ويشار بها إلى الحقيقة في ضمن فرد مبهم وتسمى بلام العهد الذهني، والنحاة يجعلون هذا القسم داخلاً في الأول، أو يشار بها للحقيقة في ضمن جميع الأفراد وتسمى بلام الاستغراق، وهو قسمان: حقيقي، وعرفي؛ لأنه إن أشير بها للحقيقة في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب اللغة فهي للاستغراق الحقيقي، وإن أشير بها للحقيقة في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب العرف فهي للاستغراق العرفي، فهذه أربعة أقسام:
القسم الأول: أن يشار بها إلى الحقيقة أي الماهية باعتبار حضورها في الذهن مع قطع النظر عن الأفراد كقولك: الرجل خير من المرأة أي حقيقة الرجل من حيث هي هي خير من حقيقة المرأة من حيث هي هي، ومعنى من حيث هي هي أن المراد بلفظ الرجل مفهومه الذهني، وهو الذكر الإنساني من غير ملاحظة لما صدق عليه ذلك المفهوم من الأفراد، ومن ذلك اللام الداخلة على المعرفات بفتح الراء نحو: الكلمة قول مفرد، والإنسان حيوان ناطق، والكليات كالإنسان نوع لأن التعريف للماهية، وعلامتها أن لا تخلفها كل لا حقيقة ولا مجازاً.
القسم الثاني: أن يشار بها إلى الحقيقة باعتبار وجودها في بعض الأفراد غير معين، وذلك عند قيام قرينة دالة على أنه ليس القصد إلا نفس الحقيقة من حيث هي هي بل من حيث وجودها، لكن لا في ضمن جميع الأفراد، بل في البعض كقولك: ادخل السوق، فقولك: ادخل قرينة على أنه ليس المراد حقيقة السوق من حيث هي لاستحالة الدخول في الحقيقة، ولا الحقيقة في ضمن جميع الأفراد لاستحالة دخول الشخص الواحد جميع أفراد السوق، فعلم من هذا أن المراد الحقيقة في ضمن بعض الأفراد، ثم هذا البعض غير معين؛ لأن الفرض أن لا معهود في الخارج، ومنه قوله تعالى: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ }[يوسف:13] إذ الأكل قرينة على أنه ليس المراد الحقيقة، وهذه اللام تسمى عند أهل المعاني بلام العهد الذهني، وقد اعترض بأن الفرد هنا غير متعين، وحينئذٍ فلا عهد فيه لا ذهناً ولا خارجاً فكيف يقال: لام العهد الذهني.
وأجيب: بأن نسبة العهدية إليه إنما هي باعتبار التبعية لعهدية الحقيقة أي تعينها واستحضارها في الذهن، فالمعهود ابتداءً هو الحقيقة، لكن لما كان استحضار الماهية يتضمن استحضار أفرادها كان كل واحد من الأفراد معهوداً ذهناً بهذا الاعتبار، وإلا فهو في نفسه مبهم.
نعم وإنما جازت الإشارة بلام الحقيقة إلى هذا الفرد؛ لأنه قد تقرر أن الكلي الطبيعي أي المجرد من اللام وهو اللفظ الموضوع للطبيعة أي نفس الحقيقة المشتركة بين الأفراد، وقد يطلق على فرد من تلك الأفراد لوجودها فيه، فيكون استعماله حقيقياً لا مجازياً، فإذا صح هذا في الكل الغير المعرف فالمعرف باللام المذكورة كذلك يصح فيه الإطلاق على فرد توجد فيه تلك الحقيقة؛ لأن تعيينها باللام ذهناً لا يمنع وجودها في الأفراد، فيتبع وجودها في الفرد صحة الإطلاق كالكلي الغير المعرف، وقد علم بهذا أن صحة الإطلاق لكون عهديته ذهناً أي تعيينه في الذهن تابعاً لعهدية الحقيقة، وكونه جزئياً من جزئياتها مطابقاً لها لا لخصوص ذلك الفرد، ولذلك كان الإطلاق حقيقاً لا مجازياً، ولو كان لخصوصه لكان مجازياً من باب إطلاق المطلق على المقيد من حيث أنه مقيد.
قال أهل المعاني: وهذا المعرف في المعنى كالنكرة بعد اعتبار القرينة؛ لأن المراد به حينئذٍ فرد مبهم، وأما قبل اعتبارها فليس كالنكرة إذ هو موضوع للحقيقة المعينة في الذهن، ولأجل كونه في المعنى كالنكرة عومل معاملتها في وصفه بالجملة في قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني .... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار َ}[يس:37]، وليس نكرة حقيقة لما بينهما من تفاوتٍ ما، وهو أن النكرة معناها الوضعي بعض غير معين من جملة أفراد الحقيقة، وهذا معناه الوضعي نفس الحقيقة، وإنما تستفاد البعضية من القرينة كالدخول والأكل فيما مر؛ إذ لا يتصوران في الحقيقة فالمجرد نحو: سوقاً وذو اللام نحو السوق، بالنظر إلى القرينة سواء، وبالنظر إلى أنفسهما مختلفان كما عرفت، ولكونه ليس نكرة حقيقة أجريت عليه أحكام المعارف من وقوعه مبتدأ، وذا حال، ووصفاً للمعرفة، ونحو ذلك مراعاة لما تفيده اللام من التعريف اللفظي.
القسم الثالث: أن يشار بها إلى الحقيقة في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب اللغة، وهذا هو الاستغراق الحقيقي نحو: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً }[النساء:28].
القسم الرابع: أن يشار بها إلى الحقيقة في ضمن جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب العرف نحو: جمع الأمير الصاغة، أي صاغة بلده أو مملكته؛ لأنه المفهوم عرفاً لا صاغة الدنيا، ودليل الاستغراق فيهما صحة الاستثناء الذي هو معيار العموم، وبهذا تم الكلام على السبعة الأقسام.
وإذا عرفتها فاعلم أنه قد اختلف في الأصل والحقيقة منها، وعلى هذا الخلاف يتفرع الخلاف في اقتضاء اسم الجنس المعرف العموم أم لا، فقيل: لام الحقيقة أصل للثلاثة الأقسام التي بعدها، ولام العهد الخارجي أصل للقسمين الذين بعده، وهذا هو ظاهر كلام القزويني والسعد، فإن السعد قد صرح في شرح التلخيص بأن الإشارة باللام إلى الفرد المبهم إنما يكون عند قيام القرينة على عدم القصد إلى الحقيقة من حيث هي، بل من حيث الوجود في بعض الأفراد، وقال أيضاً: فاللام لتعريف العهد الذهني، أو للاستغراق هي لام الحيقية حمل على ما ذكرنا بحسب المقام والقرينة.
وأما القزويني فأخذ له ذلك من رده الضمير من قوله: وقد يأتي لواحد باعتبار عهديته في الذهن، وقوله: وقد يفيد الاستغراق إلى لام الحقيقة.
نعم وأما أصالة لام العهد الخارجي للمعلوم عند المتكلم والمخاطب وللحاضر فظاهر، وقيل: الأصل لام العهد الخارجي، وهو الذي صرح به في التلويح فإنه قال: الأصل الراجح هو العهد الخارجي لأنه حقيقة التعيين، وكمال التمييز، ثم الاستغراق؛ لأن الحكم على نفس الحقيقة بدون اعتبار الأفراد قليل جداً، والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية، فالاستغراق هو المفهوم من الإطلاق حيث لا عهد في الخارج خصوصاً في الجمع فإن الجمعية قرينة القصد إلى الأفراد دون نفس الحقيقة من حيث هي هي.
قال: هذا ما عليه المحققون، وقد دل كلامه على أنها ليست موضوعة للاستغراق، وإنما حملت عليه عند عدم العهد الخارجي لقرينة وهي ما ذكره من كون الحكم على نفس الحقيقة قليلاً، وقيل: الأصل لام الاستغراق، وقيل: إنها للحقيقة من حيث هي مطلقاً، ثم يتشعب منها العهد وغيره، وقيل: الجميع أصول.
قلت: فعلى هذا لا يحمل على واحد منها إلا بقرينة، واعلم أنها إذا قامت قرينة معينة لأحد الأقسام المذكورة من عهد، أو عموم، أو اشتراك فلا إشكال في أنه يجب العمل بما أفادته القرينة، وإنما النزاع فيما إذا لم تقم قرينة على تعيين أحدها فهل يحمل على العموم أم لا، فالذي عليه الجمهور أنه للاستغراق من غير فرق بينما ميز واحده بالوحدة أو بالتاء، وما لم يكن كذلك، ولهم على ذلك أدلة:
أحدها: تبادر العموم عند الإطلاق، ولهذا وقع الاتفاق على أن المعهود الذهني مفتقر إلى القرينة بخلاف الاستغراق، وفي دعوى الاتفاق على عدم افتقار الاستغراق إلى القرينة نظر لما تقدم عن السعد، ولما ذكره بعضهم من أنها حقيقة في الجميع، وكذلك دعوى الاتفاق على افتقار المعهود الذهني إلى القرينة، فإن مقتضى قول أبي هاشم ومن معه أنها حقيقة فيه.
الدليل الثاني: استدلال العلماء بنحو: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ }[البقرة:275 ]على حل كل بيع إلا ما خصه دليل، وبنحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((الذهب بالذهب ...)) الخبر على تحريم الربا في جميع أنواع الأجناس المذكورة، وشاع ذلك فيما بينهم ولم ينكر، ولقائل أن يقول: إجماعهم على الاستدلال بذلك على جهة العموم في بعض الصور قرينة معينة للاستغراق فيها، والمخالف لا ينازع فيما قامت فيه القرينة، وإنما ينازع في الوضع.
الدليل الثالث: صحة الاستثناء من هذه الصيغة ووقوعه، قال الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}[العصر:3]، وهذا الدليل هو المعتمد في هذا الموضع، وبعضهم اقتصر عليه، وبيان دلالته أنه لو لم يكن للشمول لما صح ذلك حقيقة؛ لأن الاستثناء الحقيقي يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته كالاستثناء من أسماء الأعداد، ولا شبهة أن الاستثناء منها يخرج من الكلام ما يجب دخوله تحت أول الكلام.
فإن قيل: لا نسلم أن من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما يجب دخوله تحته، بل يكفي في صحة الاستثناء صحة دخوله تحته، وإذا كان كذلك لم نقطع باستغراق المستثنى منه، والجواب من وجهين:
أحدهما: أن المعلوم من حال أهل اللغة أنهم يوردون الاستثناء على جهة الاستدراك لما فرط من الكلام، واستخراج بعض المستثنى منه من الحكم المذكور، وهذا يدل على أنه يخرج ما يجب دخوله.