قلت: قد تضمنت رواية ابن عباس وما بعدها بيان كيفية التجويد؛ إذ لا ينبغي العدول عما أرشد إليه معلم الشرع صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن ظاهر حديث أنس الذي فيه فليمد الرحمن يعارض حديث مطر الوراق؛ إذ ظاهر حديث أنس أن الرحمن يكتب بالألف، لكن قد ذكر الإمام الناصر بن إبراهيم بن محمد المؤيدي عليه السلام أن الرحمن تكتب بحذف الألف حيث وقع، وذكر أبو حيان نحوه وعلله بكثرة الاستعمال، وفي حديث الزهري ومطر دلالة على ما ذكره العلماء من حذف ألف الوصل في التسمية، وقد عللوه بكثرة الاستعمال، وقد ذكر الإمام إبراهيم بن محمد الاتفاق على ذلك.
قال (أبو حيان): فلو كتبت باسم القاهر، أو باسم القادر فقال الكسائي، والأخفش: تحذف الألف، وقال الفراء: لا تحذف إلا مع بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن الاستعمال إنما كثر فيه، فأما في غيره من أسماء الله فلا خلاف في ثبوت الألف.
قلت: يعني لا خلاف في ثبوت الألف من بسم إذا كان مع سائر أسماء الله، وقد ورد عن السلف آثار في كيفية كتابتها تؤيد ما ورد في الأخبار، ولا بأس بذكرها.
فروي عن ابن سيرين أنه كان يكره أن يمد الباء إلى الميم حتى يكتب السين، وعن مسلم بن يسار أنه كان يكره أن يكتب بم حين يبدأ فيسقط السين.
وعن ابن عون أنه كتب لابن سيرين بم فقال: مه اكتب سيناً اتقوا أن يأثم أحدكم وهو لا يشعر.
وروي أن عمر بن عبد العزيز ضرب كاتباً كتب الميم قبل السين، فقيل له: فيم ضربك أمير المؤمنين؟ فقال: في سين.
وعنه أيضاً أنه عزل كاتباً له كتب بم ولم يجعل السين.
وعن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يكتب الباء ثم يمدها إلى الميم حتى يكتب السين ويقول فيه قولاً شديداً.
وعن (معاذ بن معاذ) قال: كتبت عند سوّار بسم الله الرحمن الرحيم فمددت الباء ولم أكتب السين فأمسك يدي، وقال: كان محمد والحسن يكرهان هذا.
وعن (عبد الله بن صالح)، قال: كتبت بسم الله الرحمن الرحيم، ورفعت الباء فطالت فأنكر ذلك الليث وكرهه، وقال: غيرت المعنى يعني لأنها تصير لاماً.
قلت: الذي في الكشاف وغيره أن الباء تكتب مطولة، واختلفوا في علة ذلك فقيل: لما حذفت الألف من اسم خطاً طولت الباء عوضاً عنها، وقيل: إنما طولت لأنهم أرادوا أن يستفتحوا كتاب الله بحرف معظم، وقيل: إن عمر بن عبد العزيز كان يقول لكتابه طولوا الباء من بسم الله، وأظهروا السين، ودوروا الميم تعظيماً لكتاب الله عز وجل، وقيل: غير ذلك.
فائدة [في كراهة اختصار البسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله]
قول بعضهم أنه كان يكتب (بم) أعني بالباء الموحدة والميم هو نوع من النحت وهو أن يختصر من كلمتين فأكثر كلمة واحدة كالبسملة بسم الله الرحمن الرحيم ونحو ذلك، وظاهر كلام بعض العلماء أن ذلك مختص بالقول.
قال: وقد استعمل كثير لا سيما الأعاجم النحت في الخط فقط والنطق به على أصله ككتابة حينئذٍ حاءً مفردة، و صلى الله عليه وآله وسلم (صلعم) و عليه السلام (عم) إلى غير ذلك، قال: لكن الأولى ترك الأخيرين وإن أكثرت منه الأعاجم.
قلت: ومنه ما نحن فيه في كونه نحتاً، ولعله مأخوذ من الأعاجم، وقد عرفت ما فيه عن السلف، ويدل على منعه أيضاً أمره صلى الله عليه وآله وسلم بتبيين السين.
ويستفاد مما تقدم أن العلة في ذلك تعظيم الآية الشريفة، فيلحق في ذلك منع النحت في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والترحم والسلام على من يستحق ذلك بجامع التعظيم. والله أعلم.
فائدة أخرى [تدل على الفائدة الأولى]
أخرج أبو داود في مراسيله عن عمر بن عبد العزيز أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على كتاب في الأرض فقال لفتى معه: ((ما في هذا؟ قال: بسم الله، قال: لعن من فعل هذا لا تضعوا بسم الله إلا في موضعه )).
المسألة الخامسة: في فضل التسمية وخواصها
عن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ألا أعلمك كلمة إذا وقعت في ورطة فقلها ، قلت: بلى جعلني الله فداك فرب خير علمتنيه، قال: إذا وقعت في ورطة فقل: بسم الله الرحمن الرحيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن الله يصرف بها ما شاء من أنواع البلاء)). رواه أبو طالب، وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، والديلمي. ذكره في الدر المنثور ولم يأت بواو العطف كما هنا بين البسملة والحوقلة، وأثبتها في الجامع الصغير.
الورطة: الهلاك، والمراد هنا البلية التي يعسر الخلاص منها التي ربما وأفضت بالواقع فيها إلى الهلاك، قال بعض العلماء: وحصول الدفع بها إنما يكون إذا كان قائلها حاضر القلب، صادق الإخلاص، قوي الإيقان.
وفي أمالي أحمد بن عيسى عليه السلام عن علي عليه السلام قال: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب من اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم في المستدرك وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، وأبو ذر الهروي في فضائله، والخطيب البغدادي في تاريخه عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: ((هو اسم من أسماء الله تعالى وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب)).
وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا يسمى على شيء إلا بارك فيه.
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت: لما نزلت: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها فقالوا: سحر محمد الجبال، فبعث الله دخاناً حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موقناً سبحت معه الجبال إلاأنه لا يسمع ذلك منها)).
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم كتب له بكل حرف أربعة آلاف حسنة ومحي عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة)).
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعاً: ((إن المعلم إذا قال للصبي قل: بسم الله الرحمن الرحيم فقال، كتب للمعلم وللصبي ولأبويه براءة من النار)).
وأخرج وكيع الثعلبي عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كل واحد، وهذا الأثر ذكره القرطبي أيضاً في تفسيره عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود.
وفي أمالي المرشد بالله عليه السلام عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من رفع قرطاساً من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالاً لله تعالى أن يداس كتب عند الله من الصديقين وخفف عن والديه وإن كانا مشركين)). وسنده وسند حديث تجويد كتابتها واحد وقد مر، وأخرجه الخطيب.
وروى الرازي في تفسيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله فإن حفظتك لا تبرح أن تكتب لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم الله فإن حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة فإن حصل لك من تلك الواقعة ولد كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد، وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد، يا أبا هريرة إذا ركبت دابة فقل: بسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات بعدد كل خطوة، وإذا ركبت السفينة فقل: بسم الله والحمد لله يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها)).
وفيه عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا نزعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم )).
قلت: الحديث ذكره في الجامع الصغير ولم يذكر الرحمن الرحيم، ولفظه: ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول: بسم الله ))، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، قال الشارح: بإسناد حسن.
وفي (الجامع) أيضاً من حديث علي عليه السلام : ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلا أن يقول: بسم الله ))، ونسبه إلى أحمد والترمذي وابن ماجة، قال العزيزي: بإسناد صحيح، وهذا يدل على أن الرازي وهم في زيادة الرحمن الرحيم، ويؤيده أن العزيزي حكى عن بعض أئمة الشافعية أنه لا يزاد الرحمن الرحيم، قال: لأن المحل ليس محل ذكر، ووقوفاً مع ظاهر هذا الخبر.
وقال في الحواشي: ولا يزيد الرحمن الرحيم اقتصاراً على الوارد، فلو كانت الزيادة التي زادها الرازي مروية لوقع التنبيه عليها كما لا يخفى، سيما والمقام يقتضيه.
وبهذا يظهر لك أن لكل فن رجالاً يجب الاعتماد عليهم فيما يرجع إلى فنهم، والرازي ليس من رجال الحديث ولا اشتهر به، بل هو من أبطال العلوم العقلية وما يتعلق بها، وفحول علماء العربية، ومن أهل الفهم والدراية، فتنبه.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن صفوان ابن سليم قال: الجن يستمتعون بمتاع الإنس وثيابهم، فمن أخذ منكم ثوباً أو وضعه فليقل: بسم الله فإن اسم الله طابع.
وفي أمالي أحمد بن عيسى عن أبي جعفر عليه السلام موقوفاً قال: مفتاح كل كتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قرأ الرجل بسم الله الرحمن الرحيم ستر ما بين يديه من السماء إلى الأرض.
وأخرج النسائي عن أبي المليح ردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول: بقوتي صنعته، ولكن قل: بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب)).
وعن عطاء إذا تناهقت الحمر من الليل فقولوا: بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
روي أن عثمان بن أبي العاص الثقفي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعاً يجده في جسده فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثاً وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر))أخرجه أحمد ومسلم، وابن ماجة، وهو في أمالي المرشد بالله بنحوه، وأخرج نحو رواية الأمالي الطبراني في الكبير والحاكم ولم يذكر في هذه الرواية بسم الله، والحديث رواه الهادي في الأحكام بمعنى هذه الرواية، وقوله تألم - بتشديد اللام- أي تتألم به من جسدك فهو بحذف إحدى التاءين كما أفاده العزيزي.
وروي أنه خرج في عنق أسماء بنت أبي بكر خراج، فتمرضت منه فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((ضعي يدك عليه ثم قولي ثلاث مرات: بسم الله اللهم اذهب عني شر ما أجد بدعوة نبيك الطيب المبارك المكين عندك بسم الله)) أخرجه الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق، وابن عساكر في تاريخه.
قال الشيخ (محمد حجازي): حديث حسن عن أسماء رضي الله عنها، المكين: عظيم المنزلة.
وروي أن امرأة غيراء قالت: يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((ضعي يدك اليمنى على فؤادك وقولي: بسم الله اللهم داوني بدوائك ، واشفني بشفائك، واغنني بفضلك عمن سواك، وأحدر عني أذاك)) أخرجه الطبراني في الكبير عن ميمونة بنت أبي عسيب وقيل: بنت أبي عتبة.
غيراء: بالغين المعجمة فعلاء من الغيرة وهي الحمية والأنفة. وأحدر بضم الدال المهملة مع الوصل أو بكسرها مع القطع أي أزل، وعسيب: بفتح العين وكسر السين المهملتين، وحكى العلقمي أن في الكبير زيادة بعد قوله على فؤادك فامسحيه.
وفي تفسير الرازي أن موسى عليه السلام مرض واشتد وجع بطنه فشكا إلى الله تعالى، فدله على عشب في المفازة فأكل منه فعوفي بإذن الله تعالى، ثم عاوده ذلك المرض في وقت آخر فأكل ذلك العشب فازداد مرضه، فقال: يا رب أكلته أولاً فانتفعت به، وأكلته ثانياً فازداد مرضي، فقال: لأنك في المرة الأولى ذهبت مني إلى الكلأ فحصل فيه شفاء، وفي المرة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض، أما علمت أن الدنيا كلها سم قاتل وترياقها اسمي. العشب: الكلأ الرطب، والمفازة: المهلكة أي موضع الهلاك من فوز تفويزاً أي هلك، والمفازة أيضاً المنجاة قال تعالى: {بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ }[آل عمران:188] أي: بمنجاة منه.
قيل: وإنما سمي موضع الهلاك مفازة تفاؤلاً بالسلامة والفوز، والترياق بكسر التاء والسموم فارسي معرب.
وروى الرازي أن فرعون قبل أن يدعي الإلهية بنى قصراً وأمر أن يكتب بسم الله على بابه الخارج، فلما ادعى الإلهية وأرسل إليه موسى عليه السلام ودعاه فلم ير به أثر الرشد قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيراً، فقال تعالى: يا موسى لعلك تريد إهلاكه أنت تنظر إلى كفره وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه.
قال (الرازي): والنكتة أن من كتب هذه الكلمة على بابه الخارج صار آمناً من الهلاك وإن كان كافراً، وفي تفسيره أن قيصر كتب إلى عمر: إن بي صداعاً لا يسكن فابعث إلي دواءً، فبعث إليه عمر قلنسوة فكان إذا وضعها على رأسه يسكن صداعه، وإذا رفعها عن رأسه عاوده الصداع، فعجب منه ففتش القلنسوة فإذا فيها كاغد مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم.
وروي أن بعضهم طلب آية من خالد بن الوليد فقال: إنك تدعي الإسلام فأرنا آية لنسلم، فقال: ائتوني بالسم القاتل فأتي بطاس من السم فأخذها بيده وقال: بسم الله الرحمن الرحيم وأكل الكل وقام سالماً بإذن الله تعالى، فقال المجوس: هذا دين حق.
قلت: إن صح هذا فهو من معجزات نبينا الدالة على صدقه وصدق ما جاء به فلا يستبعد.
والطاس: الذي يشرب فيه، وروي أنه كتب عارف بسم الله الرحمن الرحيم وأوصى أن يجعل في كفنه، فقيل له: أي فائدة لك فيه؟ فقال: أقول يوم القيامة: إلهي بعثت كتابك وجعلت عنوانه بسم الله الرحمن الرحيم فعاملني بعنوان كتابك.