المسألة الثالثة [الاقتداء بالقرآن]
يؤخذ من افتتاح كتاب الله تعالى بالتسمية أنه ينبغي لكل شارع في عمل من الأعمال من الأكل، والشرب، والطهارة، والذبح، والرسائل، والكتب وغير ذلك مما له شأن يهتم به شرعاً ليس بحرام ولا مكروه، ولم يجعل الشارع له مبدأ غير البسملة أن يفتتح عمله باسمه تعالى؛ إذ لافتتاحه كتابه بها سر وشأن عظيم، ومصلحة علمها الحكيم، وقد ورد الحث على اتباع الكتاب بما يتناول جميع ما يمكن فيه الاقتداء، وللابتداء بها في أعمالنا سر في حصول البركة والمعونة بالاستعانة باسمه تعالى، وقد قدمنا أن الباء فيها إما للمصاحبة المفيدة للتبرك، أو للاستعانة المتضمنة للدلالة على أن الفعل لا يكون معتداً به شرعاً واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله تعالى.
وقد ذكر في الكشاف وغيره أن البسملة مقولة على ألسنة العباد هي وما شابهها كقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين َ}[الزمر:75 ]وكثير من ألفاظ القرآن المجيد.
قال (الزمخشري): ومعناه تعليم العباد كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه، ويمجدونه، ويعظمونه.
قال بعض المحققين: وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقول على ألسنة العباد تلقيناً لهم وإرشاداً إلى كيفية التبرك باسمه تعالى، وهداية إلى منهاج الحمد وسؤال الفضل، ولذلك سميت السورة الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة، يعني أنه قد ذكر أن من أسمائها تعليم المسألة لاشتمالها عليها.
وقال الإمام زيد بن علي عليه السلام : أما قوله تعالى: {بسم الله} فإن الله عز وجل دل عباده على أن إذا أرادوا قولاً أو عملاً افتتحوا بسم الله كما افتتح الله تعالى كلامه، وليجعلوا ذكر اسم الله تعالى استعانة منهم بالله، وتبركاً بالافتتاح باسمه.
واعلم أنه قد تطابق على حسن الابتداء باسمه تعالى العقل والنقل، أما العقل فلأنه لما كان الباري تعالى منعماً بجميع النعم على عباده، وشكر المنعم واجب عقلاً حسن الابتداء باسمه تعالى، أداءً لبعض ما يجب له تعالى من الشكر؛ إذ من شكره تعظيمه بالتبرك، والاستعانة باسمه تعالى في مبادئ أعمالنا التي تمكيننا منها من جلائل نعمه، ومن شكره أيضاً ذكر اسمه تعالى باللسان الذي هو شعبة من الشكر، مع ما في ذلك من الاقتداء بفعله حيث افتتح باسمه كتابه، وامتثال ما ورد على لسان أنبيائه، فهذه ثلاثة وجوه مقررة لحسن الابتداء به عقلاً.
وأما النقل فيدل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، أما الكتاب فمنه ما أرشد إليه تعالى في افتتاح كتابه وقد عرفت تقريره، ومنه ما حكاه عن نوح عليه السلام من قوله: {ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }[هود:41 ]فإنه قرن التسمية بالشروع في ركوب السفينة، ومنه ما حكاه في سورة النمل عن سليمان عليه السلام وقد مر من حديث أبي ميسرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نودي في بدء أمره: ((يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ...)) الحديث.
وروي من طرق متعددة ستأتي إن شاء الله أن أول ما نزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ }[العلق:1]، وأيهما كان ففيه دلالة على المقصود من حسن الابتداء بها، مع أنه لا تنافي بين الروايتين؛ إذ يجوز أن يكون اقرأ أول ما نزل للأمر بالقراءة، وأول ما أمر بقراءته فاتحة الكتاب.
وقد روي أن البسملة مفتاح كل كتاب نزل من السماء، فأخرج الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب )) -يعني كل كتاب نزل من السماء- ذكره العزيزي، وقد صرح به في أمالي أحمد بن عيسى عن الباقر عليه السلام موقوفاً عليه، وسيأتي.
وفي شرح الجامع الصغير قال صاحب الاستغناء في شرح الاسماء الحسنى عن شيخه التونسي: أجمع علماء كل ملة أن الله عز وجل افتتح كل كتاب بالبسملة.
وأما السنة فقد ورد الندب إلى الابتداء بالتسمية والأمر بها في أخبار كثيرة، وأعمال متعددة، وبعضها عام لكل ما له شأن، فمن ذلك ما ورد في الطهور، وعند الأكل والشرب، ودخول الخلا ونحوها، وسيأتي الكلام عليها في مواضعها إن شاء الله.
ومنه ما رواه جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أوك سقاك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو أن تعرض عليه عوداً)). متفق عليه، وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولفظ أبي داود: ((اغلق بابك واذكر اسم الله فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً ، واطف مصباحك واذكر اسم الله، وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه واذكر اسم الله، وأوك سقاك واذكر اسم الله)).
الوكاء: ككساء رباط القربة، وقد وكاها وأوكاها ربطها، والتخمير بالخاء المعجمة: التغطية، ومعنى تعرض عوداً: أن تضعه على العرض وهو الجانب من الإناء من عرض العود على الإناء، والسيف على الفخذ يعرضه ويعرضه فيهما -يعني بضم الراء وكسرها- في عرض العود والسيف.
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((أما إن أحدكم لو قال إذا أراد أن يأتي أهله : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ثم قدر بينهما في ذلك ولد لم يضره الشيطان أبداً)). نسبه في تتمة الاعتصام إلى شرح الأحكام، والبخاري، ومسلم، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على شرعيتها في كثير من الأعمال حتى في حالة وضع الميت في لحده بحيث يدل مجموع ذلك على صحة العموم المستفاد من حديث أبي هريرة، وهو ما أخرجه الحافظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين بسند حسن عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع )). والمراد من قوله: أقطع: أنه ناقص من حيث ترك الإتيان بالمأمور به، وهو الابتداء بذلك.
وفي الحديث نكتة نبه عليها بعض العلماء، وهي أنه أتى فيه بلفظ(في) إشارة إلى أنه لا بد أن يكون البدء بالبسملة لأجل ما شرع فيه، فيخرج ما لو بدأ في أكل مثلاً مبسملاً لأجله، ووافق التأليف مثلاً عقب هذه البسملة فلا يكفي له.
وفي شرح ابن حابس على الثلاثين المسألة عن عائشة أنه أتي إليها بقميص مخيط فقالت: هل ذكر اسم الله عليه؟ قيل: لا، قالت: ردوه فافتقوه، ثم سموا عليه وخيطوه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((كل أمر ذي بال لا يذكر اسم الله عليه فهو أجذ ، وقيل: أبتر، وقيل: أقطع، وقيل: خداج)). والمعنى أنه منزوع البركة.
قال (الدواري): والشك يحتمل أن يكون في الرواية عن عائشة وأن يكون منها، ومعنى ذي بال: أي خطر بالبال، وقيل: له خطر وشأن، وأما الإجماع فلا خلاف في حسن الابتداء بها.
قال (الرازي): أجمع العلماء على أنه يستحب أن لا يشرع في عمل من الأعمال إلا ويقول: بسم الله، فإذا نام قال بسم الله، وإذا قام من مقامه قال بسم الله، وإذا قصد العبادة قال: بسم الله، وإذا دخل الدار قال: بسم الله، أو خرج منها قال: بسم الله، وإذا أكل أو شرب أو أخذ أو أعطى قال: بسم الله، ويستحب للقابلة إذا أخذت الولد من الأم أن تقول: بسم الله، وهذا أول أحواله من الدنيا، وإذا مات وأدخل القبر قيل: بسم الله، وهذا آخر أحواله من الدنيا، قال: وإذا قام من القبر قال أيضاً: بسم الله، وإذا حضر الموقف قال: بسم الله فتتباعد عنه النار ببركة بسم الله.
وقال القاضي العلامة (أحمد بن يحيى حابس ) رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أن من ألف باباً، أوصنف كتاباً، أو قام خطيباً إلى غير ذلك ولم يذكر اسم الله تعالى فإنه معترض عليه ما لم يكن فعل قلب أو كلاماً أوله ذكر الله كالآداب والخطبة وإن لم يرد على جهة التسمية، أو كتاب غضب، أو يكون للكاتب على المكتوب إليه سطوة كسورة براءة فإنها نزلت على المشركين بوعد ووعيد، وزجر وتهديد.
وروي أن علياً عليه السلام كان يكاتب معاوية بن أبي سفيان بكتب محذوفة التسمية، وفيه يقول الشاعر:
يدل على وجد الهمام كتابه .... وتخليفه للصدر عمن يكاتبه
قلت: وما ذكره رحمه الله من عدم شرعيتها في أفعال القلوب وما بدئ بذكر الله، فهو الظاهر إذ لم يرد عن الشارع ولا عن أحد من السلف الابتداء فيه بالتسمية في شيء من أفعال القلوب، بل من تتبع الجزئيات التي وردت التسمية في ابتدائها عن الشارع لم يجدها إلا من الأعمال الظاهرة، وكذلك الأذان فإنه لم يسمع الابتداء فيه بالتسمية مع أنه مبتدأ باسم الله تعالى فهو داخل في عموم ما تقدم، وأما الخطب فلم نجد فيما وقفنا عليه من خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخطب باب مدينة العلم عليه السلام في نهج البلاغة إلا الابتداء بالحمدلة، لكن الظاهر أن المراد بالابتداء باسمه تعالى أن يذكر في أول الأمر اسم من أسمائه تعالى لا خصوصية البسملة، كما يدل عليه حديث عائشة، وظواهر نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ }[الأنعام:121 ]وحديث: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ))، وما ورد في بعض أحاديث أذكار النوم : ((باسمك اللهم وضعت جنبي )) إلى غير ذلك.
وعلى هذا فالابتداء بالحمدلة ابتداء باسمه تعالى، وبه تعرف أنه لا تعارض بين الأحاديث الواردة في الأمر بالابتداء بالحمد لله وبين ما هنا، وإن كان قد جمع بينها بعضهم بجمع آخر، وسيأتي إن شاء الله في سياق قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الزمر:75 ] هذا مع أنا نقول إن للبسملة أرجحية اقتداء بالكتاب العزيز.
قال (ابن حابس): ولا يبعد دعوى الإجماع على ذلك، وكذلك للجمع بينها وبين الحمد كما لا يخفى، وأما ما ذكره من عدم الابتداء بها في كتب الغضب فقد أوضح الحجة عليه بما ذكره من سورة براءة وفعل الوصي عليه السلام ، لكنه ينبغي أن يقيد الغضب بكونه لله تعالى كما يفيده دليله.
تنبيه [العلة في عدم ذكر التسمية في سورة التوبة]
روي أن ترك التسمية في سورة براءة لكون اسمه تعالى سلام وأمان فلا يكتب في النبذ والمحاربة، فيؤخذ من ذلك خطر التسمية في ذلك؛ لأن اسمه تعالى إذا كان سلاماً وأماناً كان في ذكره مع النبذ تناف وتناقض، وقد نص على أخذ الحظر من ذلك الإمام الحسن بن عز الدين عليه السلام قال: ولهذا جرى على ذلك القرون فيما نعلم في كل زمان ومكان.
قلت: ويؤيده فعل الوصي عليه السلام مع معاوية.
تنبيه ثان
قد ذكرنا في صدر المسألة أن المشروع فيه التسمية هو ما ليس بمحرم شرعاً، ولا مكروه، ولم يجعل له الشارع مبدأ غير البسملة، فأما ما جعل له الشارع مبدأ غيرها كالأذان فقد تكلمنا عليه، وأما المحرم والمكروه فوجهه أن الواجب تعظيم اسمه تعالى، ومن تعظيمه أن لا يذكر إلا على حق كما قال علي عليه السلام عظم اسم الله أن تذكره إلا على حق. رواه في النهج، والمحرم والمكروه خارجان عن مسمى الحق.
تنبيه ثالث [اتفاق الأمة على جواز كتابة البسملة في أول كل كتاب]
قال القرطبي: اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل، فإن كان الكتاب ديوان شعر فروى مجالد عن الشعبي، قال: أجمعوا أن لا يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الزهري: مضت السنة أن لا يكتبوا في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين، قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره، ونستحبه.
قلت: قد ذكر هذه الرواية عن الشعبي في الدر المنثور وعزاها هي وما روي عن الزهري إلى الخطيب، وفيه وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو بكر بن أبي داود، والخطيب في الجامع عن الشعبي قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم.
وفيه وأخرج الخطيب في الجامع عن سعيد بن جبير، قال: لا يصلح كتاب إلا أوله: بسم الله الرحمن الرحيم وإن كان شعراً، والمختار أن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وقد ورد هذا مرفوعاً فيكون حكمه فيما تستحب فيه التسمية وما لا تستحب حكم غيره، لا سيما ولم أقف على ما يقتضي المنع والكراهة عن أحد من أهل البيت، ومشاهير السلف الصالح، بل ظاهر كلامهم الإطلاق، وقول الشعبي: أجمعوا، وقول الزهري: من السنة لا يقوى على تخصيص تلك الأدلة لعدم مساواتها في الصحة، واحتمال أن الإجماع المذكور إنما فهمه الراوي من قول الشعبي في الرواية الأخرى كانوا يكرهون، وهذا ليس بصريح في الإجماع، وأين الإجماع مع خلاف سعيد بن جبير، وقول الزهري محتمل، فصح بقاء تلك الأدلة على ظاهرها.
المسألة الرابعة: في كتابة البسملة
ينبغي التأنق في كتابتها لما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: تنوق رجل في بسم الله الرحمن الرحيم فغفر له. تنوق بمثناة فوق ثم نون مفتوحتين بعدهما واو مشددة: أي بالغ في تجويدها.
وفي تفسير القرطبي عن سعيد بن أبي سكينة بلغني أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه نظر إلى رجل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال له: جودها فإن رجلاً جودها فغفر له.
وفي أمالي المرشد بالله عليه السلام عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فجوده تعظيماً لله غفر له )) وعزاه في الدر المنثور إلى أبي نعيم في تاريخ أصبهان، وابن أشتة في المصاحف قال بسند ضعيف.
قلت: وسنده في الأمالي هكذا: أخبرنا الذكواني، نا ابن حبان، ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا أبو سالم، ثنا أبو العلاء، ثنا أبو حفص العبدي، عن أبان، عن أنس، وأخرج السلفي في جزء له عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تمد الباء إلى الميم حتى ترفع السين )) وأخرج الخطيب في الجامع عن الزهري قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تمد بسم الله الرحمن الرحيم.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر في تاريخ دمشق عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه )).
وأخرج الخطيب في الجامع والديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا كتب أحدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن )).
وأخرج الخطيب عن مطر الوراق قال كان معاوية بن أبي سفيان كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره أن يجمع بين حروف الباء والسين ثم يمده إلى الميم، ثم يجمع حروف: الله، الرحمن، الرحيم، ولا يمد شيئاً من أسماء الله في كتابه ولا قراءته.