المسألة الرابعة [في اللفظ على حقيقته]
قال والمتقدم على غيره بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً، ولو توقف حدوث الحوادث على كن وقد ثبت حدوثها أدى إلى التسلسل كما مر.
دليل آخر يمنع من حمل اللفظ على حقيقته وهو أن القادر هو من يصح منه الفعل بحسب اختياره، فلو فرض انفكاكه عن قوله كن، فإما أن يتمكن من الأحداث فلا يكون الإيجاد موقوفاً على كن، أولا فلا يكون قادراً إلا عند قوله كن، وذلك باطل في القديم جل وعلى فإنه لا يخرج عن هذه الصفة في حال من الأحوال، ثم إن لفظ [كن] لوكان له أثر في التكوين لوقع التأثير إذا نطق بها الواحد منا، إذا عرفت ذلك تبين لك أنه لابد من التأويل وقد اختلف في تأويلها فعن أبي الهذيل: أنها علامة للملائكة إذا سمعوها علموا أن الله تعالى أحدث أمراً، وقال الأصم: هو خطاب للموجودين الذين قال لهم: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ }[البقرة:65] ومن جرى مجراهم، وقيل: هو أمر للإحياء بعد الموت، وللأموات بالحياة، والذي عليه الحذاق من أئمة التفسير ليس ثمة قول مقول، وإنما هو مجاز وتمثيل، والمعنى أن ما قضاه الله وأراده فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ولا يتوقف ولا يمتنع، وحاصله أن المراد في ذلك التمثيل لسهولة تأتي المقدورات بحسب مشيئته تعالى، والتصوير لسرعة حدوثها بطاعة المأمور المطيع للآمر القوي المطاع، وفيه تأكيد لإبطال دعوى الولادة؛ لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها.
قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}[البقرة:121] مجموع ما تدل عليه كلمات السلف من الصحابة وغيرهم في معنى يتلونه حق تلاوته أنه بمراعاة لفظه عن التحريف لمبانيه، وبالتدبر لمعانيه، والعمل بما فيه، فما آمن بالقرآن من لم يتبعه ويتقيد بأوامره ونواهيه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعتصم بحبله، ويبتغي الهدى منه، فمن جعل القرآن الكريم الطريق إلى هدايته الواسطة بينه وبين ربه فقد فاز بخير الدنيا والآخرة.
قال المؤلف -ثبته الله وسدده-: وهذا آخر ما أردنا إملاءه وتحصيله، ونسأل الله أن يفهمنا معانيه، وأن يرزقنا العمل بما فيه، وأن يكتب عناءنا فيه وعنايتنا في صحائف القبول، وأن ينفع به إخواننا المسلمين، بحق النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وعلى الأنبياء والمرسلين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. آمين.
قال المؤلف أبقاه الله: وكان التمام في أواخر شعبان المعظم أحد شهور سنة 1371ه بهجرة ضحيان حرسها الله تعالى من شر أهل الفساد والعدوان، وعمرها بأهل العلم والإيمان إنه كريم منعم منان، والحمد لله رب العالمين.