دليل آخر: وهو أن أهل اللغة يستعملون لفظ النسخ في النقل تشبيهاً بالإزالة، وذلك في قولهم: نسخت الكتاب من هذا اللوح إلى هذا الكاغد، بمعنى نقلته تشبيهاً بما يزال عن موضعه؛ إذ ليس النقل حقيقة في ذلك قطعاً لأن الكتاب باق في اللوح بحاله، لكن لما حصل مثله في مكان آخر جرى حصول مثله مجرى حصوله، وإذا كان مجازاً في هذا الاستعمال تعين قوله حقيقة في الإزالة مجازاً في النقل هرباً من كثرة المجازات الحاصلة على تقدير كونه حقيقة في النقل مجازاً في الإزالة؛ لأنه حينئذٍ لا يكون حقيقة في جميع معاني النقل مع كونه مجازاً في الإزالة فيكون مجازاً في معنيين، بخلافٍ مَّا، إذا كان حقيقة في الإزالة فإنه يكون مجازاً في معنى واحد، وهو النقل مطلقاً، وتحقيق الجواب أن يقال: لا نسلم أن معنى نسخت الكتاب نقلته؛ لأن النقل هو الإزالة كما مر، وإنما استعملوه هنا تشبيهاً بالمنقول الحقيقي لحصول مثله في مكان آخر، وذلك يدل على أنهم إنما استعملوا لفظ النسخ تجوزاً فيما يشبه النقل الحقيقي، لا أنه مجازٌ في النقل نفسه.
القول الخامس: أنه حقيقة في النقل مجاز في الإزالة، وإليه ذهب القفال، وجماعة من الفقهاء؛ لأنه قد أطلق عليه من ذلك مناسخة المواريث، فإن المراد بها انتقالها من وارث إلى وارث، وكذا تناسخ الأرواح وتناقلها في الهياكل عند القائل بذلك، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يكون حقيقة في الإزالة دفعاً للاشتراك.

والجواب: أن في هذا معنى الإزالة فلا وجه لجعله قسماً برأسه، وهذا جواب القائلين بالترادف، وأما غيرهم فلهم أن يقولوا هذا الاستدلال معارض بمثله فيقال: قد أطلق على الإزالة... إلخ، ومع التعارض يرجع إلى الترجيح، ولنا مرجح لجعله حقيقة في الإزالة مجازاً في النقل، وهو أن النقل أخص من الإزالة؛ لأنه إذا وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى فإذا انتقل الميراث إلى وارث فقد عدم ملك الأول وحصل ملك الثاني، والإزالة لايلزم من وجودها إلا عدم صفة لا حصول أخرى عقيبها ومطلق العدم أعم من عدم يعقبه شيء آخر، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى تكثيراً للفائدة.
القول السادس: الوقف وهذا محكي عن بعض العلماء؛ لأنه مستعمل فيها بالاتفاق، ويحتمل أنه حقيقة فيهما أو في أحدهما ولا مرجح، هذا معناه اللغوي.
أما معناه الاصطلاحي فله حدود كثيرة أجودها ما ذكره في الغاية وهو بيان لانتهاء حكم شرعي بطريق شرعي على سائر الحدود، ولأن جعل النسخ بياناً هو الذي عليه أئمة الزيدية، والمعتزلة، والرازي والجويني، والإسفراييني، ومعناه أن الخطاب الأول كان متعلقاً بالفعل في علم الله إلى ذلك الوقت ثم انكشف بالنسخ أنه قد انتهى تعلق المصلحة به.
وقال الغزالي، والباقلاني: بل هو رفع، ومعناه أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل على حد لولا طريان الناسخ لكان باقياً، قيل: والمعنيان متقاربان لأنه بيان محض في علم الله المتعلق بأمد حكمه، ورفع وإزالة بالنظر إلى ظاهر اللفظ وما يقع في الأفهام، وإلى هذا نظر من جعل جنس الحد الرفع والإزالة وما في معناهما. والله أعلم، ويتعلق بالآية مسائل:

المسألة الأولى [جواز النسخ]
في الآية دليل على جواز النسخ وعليه المسلمون كافة، إلا ما يروى عن شذوذ من المسلمين لا شهرة لهم ولا أتباع أنهم منعوا من جوازه.
قال في المقنع: وأظن هذا القائل هو أبو مسلم الأصفهاني من متأخري المعتزلة فإنه قال: لا يجوز النسخ في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة دون غيرها.
قيل: إنما خلافه في وقوعه فإنه قال إنه وإن جاز عقلاً لكنه لم يقع، والخلاف في ذلك مع بعض اليهود فإن منهم من منعه عقلاً وسمعاً، وهذا محكي عن الشمعية منهم ومنهم وهم العيانية من جوزه عقلاً ومنع منه سمعاً، ومن الناس من نسب إنكار النسخ إلى عموم اليهود.
حجتنا على جوازه عقلاً أن الشرائع إنما شرعت لكونها مصالح، أما الواجبات فلكونها ألطافاً مقربة من فعل الطاعات العقلية، وأما المندوبات فلكونها مسهلة للواجبات، وأما المحرمات فلكونها مفاسد، ولا شك أن دفع المفسدة أهم من جلب المنفعة، وأما المكروهات فلكونها مسهلة لتجنب المحرمات، ولا يمتنع أن يكون الشيء مصلحة في زمان دون زمان، وفي مكان دون مكان آخر، وفي حق مكلف دون مكلف، بل العلم بجواز ذلك مقطوع به، وبيانه أن التكاليف مختلفة باختلاف هذه الأمور، واختلافها بحسبها دليل على اختلاف المصالح باختلافها، أما اختلافها بحسب الزمان فكاختصاص الصلاة والصيام ونحوهما من العبادات بأوقات مخصوصة، وأما اختلافها بحسب المكان فكالتعبد بالوقوف في عرفة دون غيرها، وأما بحسب اختلاف المكلفين فكوجوب الصلاة على الطاهر دون الحائض، واختلاف فرض المسافر والمقيم.
دليل آخر وهو أن أحدنا قد يعلم من حال ولده أنه قد يكون أقرب إلى ملازمة المكتب مع الرفق وأنه مع علمه بذلك قد يعلم أن المصلحة في الشدة في بعض الأوقات، وقد يعلم أن وقوفه للدرس في هذا المسجد أصلح من وقوفه في غيره.

دليل آخر وهو أن تدبير الله تعالى العباد في أفعالهم كتدبيره في أفعاله بهم، والمعلوم أن أفعاله بهم تختلف باختلاف المصلحة فتارة يفقرهم وتارة يغنيهم، وتارة يمرضهم، وتارة يصحهم، وإذا جاز هذا في فعله تعالى بهم جاز أن تختلف أفعالهم في المصلحة بحسب الأوقات والأماكن والأعيان؛ إذ العقل يجوز ذلك كله فلا وجه للفصل بينهما، وإذا جاز اختلاف المصالح في الشرائع كما ذكرنا، جاز ورود النسخ عليها لأن ورود التعبد واختلافه فرع على ثبوت المصلحة واختلافها، ولا يجوز حصول وجه الوجوب، أو الحسن ولا يؤثر، ألا ترى أنه لا يجوز حصول الفعل الذي فيه دفع ضرر عن النفس ولا يجب، ونحن لا نعني بالنسخ إلا أنه يجوز أن يأمر الله بمثل ما نهى عنه في بعض الأوقات والعكس، وقد ثبت بما مر أنه يجوز أن يصير مثل ما كان نهى عنه مصلحة، وأن يصير مثل ما كان أمر به مفسدة، فجاز ورود الأمر والنهي بحسب ذلك، وأما الدلائل السمعية فكثيرة منها الآية الكريمة فإنها تدل على ثبوت النسخ، واعتر ض بأنها إنما تدل على أنه لو وقع النسخ لوجب أن يؤتى بما هو خير منه، وليس فيها دلالة على وقوعه، وتحقيقه أن (ما) تفيد الشرط والجزاء، فكما أن قولك: من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذلك الآية لا تدل إلا على أنه إذا حصل النسخ وجب الإتيان بما هو خير من المنسوخ.
وأجيب بأن سبب النزول يدل على الوقوع فإنه روي أن المشركين قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً ما هذا القرآن إلا كلام محمد من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً، فأنزل الله هذه الآية، وأنزل أيضاً: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ...}[النحل:101] الآية، وهذه سالمة من الاعتراض لأن (إذا) إنما تدخل على المتحقق، ولهذا رجح الرازي الاستدلال بها على الاستدلال بالأولى.

واعلم أن هذه الآية أعني التي نحن بصددها يصلح الاحتجاج بها على منكري النسخ من المسلمين واليهود، أما المسلمون فلأنها قد دلت على إمكان النسخ ووقوعه كما عرف من سبب النزول، والقرآن حجة عليهم لإقرارهم به، واعتمادهم في الاحتجاج عليه أنهم قد دفعوا الاحتجاج بها من وجهين:
أحدهما: أن الآية لم تدل على وقوع النسخ في القرآن لجواز أن المراد بالآيات الشرائع المتقدمة في التوراة والإنجيل.
الثاني: أن المراد بالنسخ نقل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وأجيب عنهما بأن ذلك خلاف الظاهر، ولا دليل عليه، بل سبب النزول يدفعه، والآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا، والنقل من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن، والتحقيق أنه لا نزاع في المعنيين بين المسلمين في وقوع النسخ لأنه معلوم من ضرورة الدين ضرورة ثبوت نسخ بعض أحكام الشرائع السابقة بالأدلة القاطعة على حقيقة شريعتنا، ونسخ بعض أحكام شريعتنا ببعضها كآية النجوى، وتحويل القبلة، وغير ذلك كثير.

وإنَّما النزاع في الإرتفاع والإنقطاع فالمخالف يزعم أن أحقية تلك الأحكام كانت مقيدة بظهور شريعتنا، وكذا في أحكام شريعتنا، ولا يسمى ذلك نسخاً، بل تجري الحال فيه كالحال في قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }[البقرة:187] فكما أن قوله إلى الليل غير ناسخ لوجوب صوم النهار بل هو غاية له، كذلك الحكم فيما يعد ناسخاً فيرجع النزاع لفظياً، وأما وجه الاحتجاج بها على اليهود فهو أنه قد ثبت بالمعجزة الواضحة أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي صادق، وقد أخبرنا عن الله أنه قال: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}[البقرة:106] وتصديقه في خبره واجب، وفي ذلك حصول المطلوب، لا يقال: لا يصح الاستدلال على الخصم إلا بما يلتزمه، لأنا نقول ذلك فيما له فيه شبهة، وأما ما لاشبهة له فيه بل ثبوته كثبوت المحسوسات فلا يلتفت إلى التزامه لظهور عناده، ولو اعتبر ذلك لما أمكن إقامة الحجة على مدعي قدم العالم كيف وقد نبه الله تعالى على كيفية الاحتجاج عليهم في مواضع من كتابه، وكذلك تضمن القرآن التنبيه على إقامة الحجة على منكري النبوة وغيرهم، ومن الأدلة على وقوع النسخ الإجماع فإن الأمة أجمعت على أن شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء قبله، وقد كان يعقوب عليه السَّلام جمع بين الأختين، وآدم عليه السَّلام كان يزوج بناته من بنيه وهو محرم في شرائع من بعدهم من الأنبياء ".

المسألة الثانية [شبه القائلين بعدم النسخ]
تمسك قوم من أهل الظاهر بظاهر الآية على أنه لا يجوز النسخ من غير بدل، ونقله الباقلاني عن بعض المعتزلة، وذهب البرماوي، وابن السبكي إلى أنه جائز غير واقع، وعليه حمل قول الشافعي: وليس ينسخ فرض أبداً إلا ثبت مكانه فرض، والاحتجاج بظاهر الآية ظاهر، وهو أنها قد دلت على أنه تعالى يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ولا يتصور كونه خيراً أو مثلاً إلا في بدل، والخلاف في ذلك للجمهور، فقالوا: بل يجوز إلى غير بدل لجواز أن يعلم الله سبحانه تغير المصلحة في الحكم لا إلى بدل، وجواز النسخ مبني على تغير المصالح كما مر، ثم إن ذلك قد وقع كما في نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى لا إلى بدل، والوقوع فرع الجواز، وأجابوا عن قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ...} [البقرة:106] الآية بأن المتبادر من إطلاق نسخ الآية نسخ التلاوة، ولهذا إذا نسخ حكمها دون تلاوتها احتيج إلى التقييد بأنه نسخ حكمها، وحينئذٍ فيكون المراد نأت بلفظ خير منها في الفصاحة والبلاغة، ويدل على ذلك أنه أورده مورد التمدح بأنه قادر على أمثال هذا القرآن في الفصاحة والإعجاز فقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[البقرة:106] وإذا كان المراد أنه يأتي بلفظ خير لم يكن من محل النزاع إذ النزاع في الحكم، والآية لا تدل على وجوب إبداله.
سلمنا أن المراد (نأت) بحكم فلا نسلم أن المأتي به لا يكون إلا حكماً شرعياً لجواز أن يكون الخير في عدم الحكم الشرعي والرجوع إلى حكم الأصل، ولا مانع من هذا فإن ترك العبادة وإسقاطها قد يكون خيراً من فعلها، كما أن ترك الشدة في تدبير الوالد لولده قد يكون خيراً منها وإن لم يكن معه رفق.

سلمنا أن المراد نأت بحكم شرعي، لكنه عام يقبل التخصيص، فلعله خصص بما نسخ إلى غير بدل كآية النجوى، وما قيل من أن النسخ فيها إلى بدل وهو الجواز الصادق بالإباحة والاستحباب، فمدفوع بأن الجواز هنا أصلي؛ إذ لا دليل شرعي يدل عليه.

المسألة الثالثة [عدم جواز نسخ الأخف بالأشق]
ذهب داود وطبقته من أهل الظاهر، وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يجوز نسخ الأخف بالأشق، واحتجوا بأن قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }[البقرة:106] ينافي كونه أثقل؛ لأن الأثقل لا يكون خيراً من الأخف ولا مثله، والخلاف في ذلك للجمهور.
فقالوا: بل يجوز، واحتجوا بأن النسخ إنما يرد للمصلحة، ولا مانع أن تتغير المصلحة في الأخف إلى الأشق كما لا يمتنع في نقيضه.
دليل آخر وهو أن التعبد بالناسخ الأشق كابتداء التكليف به، وذلك جائز بل التكليف مبني على المشقة، وقد عرف حسنه مما مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ...} [البقرة:6] الآية وغيرها.
قيل: ولم يخالف في جواز تكليف الشاق ابتداء إلا القرامطة، وأصحاب التناسخ فإنهم ذهبوا [إلى] أنه لا يحسن إلا إذا كان عقوبة على ذنب سلف، وإذا ثبت الابتداء بتكليف الشاق جاز في الناسخ الأشق مثله؛ لمشاركته له في علة الجواز وهو المصلحة، والاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، وإلا بطل التعليل، والمراد بالخير والمثل في الآية ما هو خير أو مثل في المصلحة، ولا يمتنع أن يكون الأشق أصلح في الدين إذا كان ناسخاً، ومن فوائده التدريج و الترقي من الأخف إلى الأثقل ليسهل التحمل والقبول، ولا يصح الاحتجاج بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185] وقوله: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ }[الأنفال:66] {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِفَ عَنْكُمْ }[النساء:28] [لأنه ]ضعيف، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن ذلك لو حمل على ظاهره لأدى إلى منع الابتداء بالتكليف الشاق.
الثاني: أن إرادة الأشق المشتمل على مصلحة إرادة لليسر والتخفيف؛ لأنه يؤول إلى ذلك لما يترتب عليه من السعادة الأبدية، والشيء قد يسمى باسم ما يؤول إليه.

الثالث: أن تلك الآيات وردت في أحكام خاصة جاءت مخففة وليست عامة ونحن لا نمنع نسخ الأشق بالأخف لتلك الآيات وغيرها، لكن ذلك لا يقتضي منع نسخ الأخف بالأشق.
قالوا: الباري تعالى منعم على عباده بالنسخ وهو بهم رؤوف رحيم فلا يليق به التثقيل والتشديد على عباده بعد التخفيف.
قلنا: كونه نعمة لا ينافي جواز النسخ بالأشق إذا كان أصلح لهم في الدين؛ لأنه يؤدي إلى منافع عظيمة.
قوله: وهو بهم رؤوف... إلخ.
قلنا: رأفته بهم ورحمته إياهم لا تنافي ذلك كابتداء التكليف بالشاق، ومن عرف أن التكاليف باعتبار المصالح كفى مؤنة هذه المحاورة وتخفف عن تحمل أثقال هذه المقاولة، ثم إنه قد وقع وقد ذكر الأصوليون من ذلك صوراً منها نسخ التخيير بين الفدية والصوم؛ فإنه قد روي أنهم كانوا في صدر الإسلام يخير أحدهم بين أن يصوم وبين أن يفطر ويطعم فنسخ بتعين الصوم وهو أشق، ومنها أن الخمر ومتعة النكاح والحمر الأهلية كانت مباحة فنسخت بالتحريم وهو أثقل، وكانوا مأمورين بترك القتال وجهاد العدو ثم نسخ بوجوب ذلك.

328 / 329
ع
En
A+
A-