وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ((اجتنبوا السبع الموبقات ...))وذكر منها السحر وأمر باجتنابه، ولو لم يكن في المسألة إلا هذه الآية التي نحن بصددها وما جاء في أن حد الساحر القتل إذ المباح لا يحد عليه، ولا أعلم خلافاً في تحريم تعلمه وتعليمه إذا كان للعمل به وإنزال الضرر للخلق بسببه فإن لم يكن لذلك فقال أهل المذهب: يجوز إذا كان للحذر منه أو ليعرفه ولا يعمل به، ويدل عليه تعلم الملكين وتعليمه مع التحذير من العمل به بقولهم إنما نحن فتنة.
وقال الرازي: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور؛ لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }[الزمر:9] ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، قال: فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً قبيحاً، وكلامه لا يخالف كلام أصحابنا بدليل تعليله بالفرق بينه وبين المعجز وحكمه بوجوبه لذلك، وقال الغزالي بعد كلامه السابق ما لفظه: ومعرفة هذه الأسباب من حيث أنها معرفة ليست بمذمومة، ولكنها ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق والوسيلة إلى الشر شر، فكان ذلك هو السبب في كونه علماً مذموماً.
وقال الزمخشري في الكشاف: الذي أنزل عليهما يعني الملكين هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن يتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمناً. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه. كما ابتلى قوم طالوت بالنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني.
المسألة الخامسة حكم السحر
وحكمه أنه من الكبائر، واختلفوا في كفر فاعله، وحاصل القول في ذلك أن السحر أنواع كما مر وهي باعتبار اقتضائها الكفر وعدمه قسمان، قسم يكفر صاحبه إجماعاً وهو أن يعتقد أن الكواكب هي المؤثرة الفعالة، أو يعتقد أن القدرة لنفسه وهو سحر أصحاب الأوهام.
قال في اللمع: إذا أظهر الإنسان من نفسه أنه يقدر على تبديل الخلق وجعل الإنسان بهيمة وعكسه، وأنه يركب الجمادات فيسيرها ويجعلها إنساناً فهو كافر بالإجماع.
قال فيها: وكذا من يدعي جعل الحبال حيات كسحرة فرعون، والوجه في ذلك كله الآية الكريمة، وسيأتي تقرير الاحتجاج بها.
قال في البحر: ولأن دعوى إحياء الجمادات وتبديل الصور كدعوى الربوبية.
القسم الثاني: أن يعتقد أن الإنسان يبلغ بالتصفية وقراءة بعض العزائم والرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل جريان العادة، والأجسام، والحياة، والعقل وغيرها من الخوارق، وهذا القسم مختلف في كفر صاحبه، فقالت المعتزلة: صاحب هذا الاعتقاد كافر، وقيل: ليس بكافر وهو ظاهر قول الرازي، ولعله قول أهل السنة.
وقال بعض العلماء: هو من الكبائر بالإجماع وقال وقد يكون كفراً بل معصية كبيرة.
احتج الأولون بأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه صدق الأنبياء والرسل؛ إذ لا يعرف النبي من المتنبي فيحصل التلبيس.
وأجيب بمنع اللبس لأن مدعي النبوة كاذباً لا يجوز من الله تعالى إظهار شيء من ذلك على يديه لئلا يحصل التلبيس، فالمحق يتميز بحصول هذه الأشياء على يديه مع ادعاء النبوة دون المبطل.
احتجوا ثانياً بالآية، والاحتجاج بها من وجوه:
أحدها: قوله {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ }[البقرة:102] وذلك أنه روي أن الشياطين لعنهم الله ادعوا أن سليمان إنما ملك الناس بالسحر، فرد الله تعالى مقالتهم هذه بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ }[البقرة:102] والمعنى ليس ما أختلقته الشياطين من نسبة السحر إلى سليمان حقاً لأنه كفر، والأنبياء " منزهون عما هو دون الكفر من المعاصي فضلاً عن الكفر، وهذا يدل على أن السحر كفر على الإطلاق، لا سيما والمسألة قطعية.
الوجه الثاني: قوله: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102] قالوا: فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لتعليمهم الناس السحر؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر كفر، وإنما احتجوا بها على وجه آخر وهو أن قوله: {يُعَلّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ }[البقرة:102] بدل من قوله: {كَفَرُوا}.
وأجيب بأنا لا نسلم أن تعليمهم الناس علة في كفرهم، بل الظاهر أن قوله يعلمون الناس السحر جملة مستأنفة أخبر عنهم بذلك إيذاناً بأنهم لتماديهم في المعاصي وانهماكهم فيها لم يكتفوا بمعصية الكفر، بل أضافوا إليها كبيرة أخرى شنيعة وهي تعليمهم الناس السحر، وهذا اختيار ابن حزم وأبي حيان، والمعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر، وقيل: إن هذه الجملة في محل رفع على أنها خبر ثان لكن على قراءة التشديد أو للشياطين على قراءة التخفيف، هذا إذا أعدنا الضمير من يعلمون على الشياطين، أما إذا أعدناه على الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين فالجملة حال من فاعل اتبعوا أو استئنافية، وأما القول بأن هذه الجملة بدل من الذين كفروا فخلاف الظاهر كما مر، والحاصل أن الآية ليست في المقصود لما فيها من الاحتمالات.
قال أبو حيان: كفرهم إما بتعليمهم السحر، وإما لعلمهم به، وإما لتكفيرهم سليمان به، قال ويحتمل: أن يكون كفرهم بغير ذلك.
قلت: وعلى القول بأن الجملة بدل فالاحتجاج بها على تكفير كل ساحر غير واضح لجواز أن يكون ذلك حكم الشياطين بعد زمان سليمان عليه السَّلام ، وحكم الله في الشياطين لا يتعدى إلى غيرهم إلا بدليل، وهكذا يقال إن جعلت الجملة حالاً من فاعل كفروا أي كفروا معلمين، وقد فرق الله تعالى بين الملكين والشياطين فحكم بكفر الشياطين بتعليم السحر دون الملكين، وهذا يدل على أنه مما يختلف فيه الحكم ولو سلم عموم الحكم فهذه حكاية حال يكفي في صدقها صورة واحدة فنحملها على السحر المجمع على أنه كفر لا كل سحر.
الوجه الثالث: قوله حكاية عن الملكين: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ }[البقرة:102] أي لا تكفر بتعلم السحر وهو ظاهر في كفر من تعلمه، وأجيب بأن ظاهر الآية النهي عن الكفر جملة، وقولهم إن المعنى لا تكفر بتعلم السحر دعوى لا برهان عليها، سلمنا فالمراد لا تكفر بتعلم السحر الذي هو كفر، وقد علمته مما مر، ومما احتج به المعتزلة ما مر في المسألة التي قبل هذه من الأخبار الدالة على كفر الساحر، وفي معناها ما أخرجه ابن حزم بسنده إلى عبدالرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من تعلم السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله )) وأجيب بأن هذه الأخبار مع كونها آحادية محمولة على ما هو كفر من السحر. والله اعلم.
هذا وأما القائلون بأن صاحب هذا النوع لا يكفر، فعندهم أن الإكفار لا يكون إلا بقاطع، ولا قاطع في المسألة، وما ظنه الأولون قاطعاً قد عرفت ما فيه.
قال أبو السعود: ولعل التحقيق أن ذلك الإنسان إن كان خيَّراً متشرعاً في كل ما يأتي ويذر، وكان من يستعين به من الأرواح الخيرة، وكانت عز ائمه ورقاه غير مخالفة لأحكام الشريعة الشريفة ولم يكن فيما ظهر في يده من الخوارق ضرر شرعي لأحد، فليس ذلك من قبيل السحر، وإن كان شريراً غير متمسك بالشريعة الشريفة، فظاهر أن من يستعين به من الأرواح الخبيثة الشريرة لا محالة ضرورة امتناع تحقق النظام والتعاون بينهما من غير اشتراك في الخبث والشرارة، فيكون كافراً قطعاً.
وأما سائر الأنواع المتقدمة في المسألة الثالثة فقال الرازي: لا شك أنها ليست بكفر.
وقال أبو السعود: أما الشعوذة وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب الآلات الهندسية، وخفة اليد، والاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإطلاق السحر عليها بطريق التجوز، أو لما فيه من الدقة؛ لأنه في الأصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه، وخفي سببه، أو من الصرف عن الجهة لما أنه في أصل اللغة الصرف على ما حكاه الأزهري عن الفراء ويونس.
قلت: والظاهر من كلام أصحابنا أن السحر بأنواعه كفر.
وفي البحر عن العترة، وأبي حنيفة، وأصحابه أن السحر كفر، ونص في شرح الإبانة على كفر من ادعى الجمع والتفريق بين الزوجين، والبغض والمحبة، وقلب الأعيان على ما يتعاطاه بعض المدعين لعمل الكيمياء، قال: وكذا إذا ادعى تحريك الجمادات من غير مباشرة ولا توليد، وحجتهم عموم ما مر، واحتج له في شرح الأزهار بأن من ادعى هذا فقد ادعى الربوبية وكفر؛ لأن ذلك من فعل الله تعالى، ويستثنى من هذا الحكم المعترف بالتمويه بأن يكون في حال فعله معترفاً أن ذلك تمويه، وأنه لا حقيقة له فإن هذا لا يكفر عند أئمة المذهب.
قال في البحر: وللإمام تأديبه لإيهامه بالخطأ بفساد القلوب؛ قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104] في التفسير في معناه {رَاعِنَا} أقوال مؤداها اشتمالها على مفسدة وأشهرها أنها سبة بلغة اليهود، وكان المؤمنون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راعنا أي انظرنا، فلما سمعها اليهود منهم كانوا يخاطبونه بها، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن خطابه صلى الله عليه وآله وسلم بها سداً لذريعة اليهود -لعنهم الله- وفي الآية دليل على سد الذرائع إلى المحرمات لأنه سبحانه وتعالى نهى الصحابة أن يقولو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم راعنا مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة؛ لأن لا تتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم، ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسداً، أو يوهم سوء الأدب على حسب الاختلاف في معنى هذه الكلمة، وإذا تدبرت الشريعة المطهرة وجدتها جاءت بسد الذرائع إلى المحرمات وإن لم يقصد بها المحرم لإفضائها إليه، فمن ذلك أن الله نهى عن سب آلهة المشركين لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى.
وأخرج البخاري، ومسلم، وأبوداود، والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه ، قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه)) ورواه المرشد بالله، وأمسك صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل المنافقين لكونه ذريعة إلى التنفير، وقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه، وأمر الله الرجال والنساء بغض أبصارهم لما كان النظر ذريعة إلى مواقعة المحذور، والشواهد في هذا الباب كثيرة ليس المقصود استيفاء الأدلة هنا، وإنما الغرض ما يحصل به التنبيه على ما ادعيناه من كون الشريعة جاءت لسد الذرائع، ومن أراد البسط في ذلك فعليه بإغاثة اللهفان وأعلام الموقعين، والظاهر من هذه الأدلة تحريم الذرائع، والدخول فيها، وقيل: إن تجنبها إنما هو بطريق الأولى لا على جهة الحتم، وتمسكوا بحديث أبي سعيد مرفوعاً: إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقها... الخبر. رواه أحمد والشيخان لأنه نهى عن الجلوس حسماً للمادة، فلما قالوا ما لنا من مجالسنا بد ذكر لهم المقاصد الأصلية للمنع فعرف أن النهي للإرشاد للأصلح، وأجيب بأنهم رجوا النسخ تخفيفاً لما شكوا من الحاجة، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر: وظن القوم أنها عزيمة.
فائدة: أخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما أنزل الله آية فيها يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها )).
قال أبو نعيم: لم نكتبه مرفوعاً إلا من حديث أبي خيثمة والناس رووه موقوفاً.
قلت: وممن رواه موقوفاً المرشد بالله عليه السَّلام ، قال: أنا الأزجي، أنا الحسن بن إسحاق، أنا ابن ماهان، ثنا عمران بن عبدالرحيم، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عيسى بن راشد سمعت علي بن زكزيمة يحدث عن عكرمة عن ابن عباس: ما أنزل الله آية في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا كان علي أميرها وشريفها، ولقد عاتب الله أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غير آية فما ذكر علياً إلا بخير.
[البقرة:106]
* جواز النسخ.
* شبه القائلين بعدم النسخ.
* عدم جواز نسخ الأخف بالأشق.
* في اللفظ على حقيقته.
قوله تعالى:{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة: 106] اختلف في المعنى اللغوي للنسخ على أقوال:
أحدها: أن معناه الإزالة والنقل، وهذا قول الإمام يحيى بن المحسن، قال وهو اختيار إمام عصرنا عليه السَّلام ، وبه قال أبو السعود.
قال بعض أئمة العربية: لا فرق بين اللفظين، واحتجوا بأن ذلك هو السابق إلى الفهم عند الإطلاق، وذلك ظاهر في قولهم: نسخت الشمس الظل، والريح الأثر، وتنوسخ الملك أي زال من قوم إلى قوم، أو انتقل إليهم، ومنه تناسخ الأرواح عند القائلين به، واحتجوا على ترادف اللفظين بأنه لا يجوز أن تقول أزلت القلم من مكان كذا وما نقلته منه ولا نقلته وما أزلته، بل يعد من قال ذلك مناقضاً، وذلك دليل الترادف، فإن قيل: قولهم نسخت الشمس الظل والريح الأثر مجاز؛ لأن الذي أزال ذلك هو الله تعالى، وإذا كان مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله. قيل: لا يمتنع الإسناد إلى الله حقيقة من حيث أنه فعل السبب أعني الشمس والريح وإلى الشمس والريح وكذلك لاختصاصهما بذلك التأثير.
سلمنا أن أهل اللغة أخطأوا في نسبة النسخ إليهما، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة، وإلا...........تتبع الوضع، والواجب إتباعهم في التسمية لا في الاعتقاد.
قال بعض أئمتنا: ولا يمتنع أن يكون وصفهم للشمس والريح بالإزالة مجازاً، لكن ذلك لا يوجب كون وصفهم للإزالة بأنها نسخ مجازاً؛ إذ لا تنافي بينهما فيستحيل اجتماعهما، يعني أنا وإن سلمنا أن نسبة الإزالة إلى الشمس والريح مجاز لأن المزيل حقيقة هو الله تعالى فذلك لا يوجب كون تسميته مطلق الإزالة نسخاً مجازاً.
القول الثاني: أن النسخ اسم للقدر المشترك بين الإزالة والنقل، وهوكون الشيء خالفاً لغيره، ووجهه أنه قد استعمل في المعنيين.
قال ابن فارس: كل شيء خلف شيئاً فقد نسخه، يعني سواء أزاله أم لم يزله، ومن الأول تناسخ الأزمنة والقرون، ونسخت الشمس الظل، ومن الثاني تناسخ المواريث والأنفس عند من قال به.
القول الثالث: أنه مشترك بينهما، وهذا قول أبي طالب، والشيخ الحسن، والغزالي، والباقلاني، ونسبه بعضهم إلى الأكثر، واحتجوا بأنه قد ظهر استعماله في المعنيين، والأصل في الإطلاق الحقيقة فكان مشتركاً، وفيه أن الاشتراك خلاف الأصل.
القول الرابع: أنه حقيقة في الإزالة، مجاز في النقل، وإليه ذهب أبو هاشم، وأبو الحسين والرازي، وهو قول قاضي القضاة أخيراً واللباد من أصحابه، واحتجوا بأنه يقال: نسخت الشمس الظل إذا عدم لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه قد انتقل إليه، وقال تعالى:{فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ }[الحج:52] أي: يبطله ويزيله، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وإذا ثبت أنه حقيقة في الإزالة وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك.