قال الرازي: واختار المعتزلة الأول ثم قالوا: هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان لاغلاف، ولكن ولا سد إذ لو كان شيء من ذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في قولهم، وكان لا يكذبهم الله بقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ }[البقرة:88] قالوا: وهذا يدل على أن معنى أنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ونحوها منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بحال المجبور على الكفر، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ...}[فصلت:5] الآية.
قلت: ودليل صحة ما ذهب إليه المعتزلة الإضراب في قوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ }[البقرة:88].
قال أبو حيان: بل للإضراب وليس إضراباً عن اللفظ المقول؛ لأنه واقع لا محالة فلا يضرب عنه، وإنما الإضراب عن النسبة التي تضمنتها قولهم إن قلوبهم غلف لأنها خلقت متمكنة من قبول الحق، مفطورة لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه، واعترض الرازي كلام أئمة العدل بأن في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة، فلا يجزم بواحد منها إلا بدليل.
سلمنا أن المراد ما ذهبوا إليه، فلا نسلم أن الآية تدل على ذم مقالتهم، وأما لعنهم فهو بسبب كفرهم لا لقولهم هذا، سلمنا فيجوز أن يكون المراد أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام الإنكاري، يعني ليست قلوبنا غلف بل هي قوية وخواطرنا سليمة، وقد تأملنا ما جئت به يا محمد فلم نجد شيئاً منه قوياً، فلما قالوا ذلك لعنهم الله بكفرهم بسبب هذا القول، ويحتمل أن قلوبهم ما كانت في أغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنهم أنكروا المعرفة، وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك، فكان كفرهم لعنادهم.

والجواب: أن الجزم بالتفسير الأول لم يكن لغير دليل، بل هو الذي يقتضيه الظاهر، وتوجبه القراءة المتواترة، وسائر الوجوه ضعيفة لا دليل عليها وإن كانت محتملة لكنها لا تتخرج إلا على القراءات الشاذة.
قوله: لا نسلم أن الآية تدل على ذم هذه المقالة.
قلنا: دفع ذلك مكابرة، والذوق والسياق يدلان على ذمهم عليها دلالة واضحة.
قوله: وأما لعنهم فهو بسبب كفرهم... إلخ.
قلنا: لو سلم ذلك فالآية واردة في ذمهم على هذه المقالة، وإن كان لعنهم وكفرهم لغيرها فهم أهل كل جريمة، ولا يضرنا ذلك ولا يقدح في دلالة الإضراب على الذم، وهكذا يقال في سائر الاحتمالات والتجويزات، وإن كان الميل إليها مع مخالفتها للظاهر بلا دليل ترجيح بغير مرجح.
قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة:89] دلت الآية على أن الكفر ليس هو الجهل فقط؛ لأنه تعالى كفرهم بجحدهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عرفوها.

قوله تعالى: {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ}[البقرة:90] في الآية دليل على أنه يصح وصف الله تعالى بالغضب، وفي السنة أخبار كثيرة تدل على ذلك؛ إذ تكرر فيها من فعل كذا لقي الله وهو عليه غضبان، وتدل على أن غضبه تعالى يتزايد ويكثر، ويختلف باختلاف أنواع المعاصي، فلا يكون غضبه تعالى على الفاسق كالكافر، ولا على من كفر بخصلة واحدة من خصال الكفر كمن كفر بخصلتين، وقد تقدم في معنى الغضب إذا نسب إلى الباري تعالى في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ }[الفاتحة:7] وفي قوله:{مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً }[البقرة:26] وقد تمسك الخوارج بقوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }[البقرة:90] على كفر كل عاصٍ فقالوا: قد ثبت أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكفار، فيلزم أن الفاسق كافر، وتمسكت بها المرجئة لتصحيح الإرجاء، فقالوا: دلت على أنه لا يعذب إلا الكافر، والفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأن الفاسق لا يعذب.
والجواب: أن القولين باطلان معاً؛ لأن الآية إنما دلت على ثبوت عذاب الكافر، ولا تعرض فيها للفاسق بنفي ولا إثبات.
سلمنا فبالمفهوم ولا يعمل به مع معارضة المنطوق، وقد دل الدليل على ثبوت المنزلة بين المنزلتين، وفيه إبطال قول الخارج، وعلى تعذيب الفاسق وفيه إبطال قول المرجئة، وكل ذلك قد تقدم.

[البقرة:91].
* في لفظة ما.
* جواز المجادلة بالحق.
* الخطاب في الآية.
قوله تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}[البقرة:91] في الآية مسائل:

المسألة الأولى[في لفظة (ماء)]
في الآية دليل على أن لفظة (ما) الموصولة للعموم لأن الله تعالى أمرهم بالإيمان بما أنزل الله، فلما آمنوا ببعض دون بعض ذمهم على ذلك، ولولا أن (ما) للعموم لم يحسن ذمهم.
قلت: ويدل على كونها للعموم ما دل على غيرها من التبادر وصحة الاستثناء.

المسألة الثانية [جواز المجادلة بالحق]
هذه الآية من جملة الأدلة على جواز المجادلة بالحق، وعلى جواز إيراد المناقضة على الخصم وبيان ذلك أنهم لما أمروا أن يؤمنوا بما أنزل الله فقالوا: أنؤمن بما أنزل علينا كانوا مناقضين؛ لأن كون ما لم ينزل عليهم من عند الله يوجب الإيمان ولهذا رد الله عليهم بقوله: {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ }[البقرة:91] لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها، وهذا نقض لمقالتهم، ثم أورد تعالى عليهم نقضاً آخر فقال: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}[البقرة:91] وبيانه أن يقال: إن التوراة قد دلت على صدق من دلت المعجزة على صدقه،ودلت على أن قتل من كان صادقاً في دعوى النبوة كفر، وأنتم قد قتلتم من دلت المعجزة على صدقه، وهذا ينقض ما ادعيتموه من الإيمان بالتوراة.

المسألة الثالثة [الخطاب في الآية]
الخطاب للموجودين بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد آباؤهم لأنهم الذين قتلوا الأنبياء، وإنما وجه الخطاب للحاضرين لأنهم راضون بفعل آبائهم، ومن هنا يؤخذ من الآية أن الراضي بفعل قوم كالداخل معهم فيه.
قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}[البقرة:93] أي: داخلهم حب العجل ورسخ في قلوبهم كما يداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، ففيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه للمبالغة في تمكن حب العجل في قلوبهم، وشغفهم بعبادته،وفي ذلك دليل على أن فاعلاً آخر فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه إلا الله، ومن هنا أخذ المجبرة من الآية أن الله تعالى الذي يخلق الكفر في قلب الكافر قالوا: وصرف اللفظ عن ظاهره لغير دليل ممنوع، أجاب العدلية بأنا لا نسلم أن المراد أن فاعلاً فعل بهم ذلك وإنما جيء به مبنياً للمفعول للدلالة على فرط ولوعهم بعبادته ومحبته، كما يقال: فلان معجب برأيه، سلمنا فالمراد أن مزيناً زينه في قلوبهم ورغبهم فيه حتى تمكن حبه في قلوبهم، والمزين السامري وإبليس وجنوده من شياطين الإنس والجن، وليس هذا خروجاً عن الظاهر لغير دليل، بل للدلائل القطعية على أن العبد هو الموجد لفعله باختياره، وقد تقدم كثير من ذلك.
قلت: ويجوز إسناد الإشراب إلى الله تعالى جزاء على تماديهم في الكفر والعناد، ويدل عليه قوله: {بِكُفْرِهِمْ} والمراد أنه تعالى خذلهم ومنعهم الألطاف، وهذا جائز على قواعد العدل، وقد نص على مثله غير واحد من أئمة العترة " وغيرهم كما مر في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] وغيرها.
قوله تعالى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }[البقرة:96] يؤخذ منه أن لفظ بصير إذا أطلق في حق الله كان بمعنى عالم؛ لأن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، وما لا تصح رؤيته لا يمكن تعلق الإدراك به إلا بمعنى العلم.

قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}[البقرة:98] في الآية دليل على أن لجبريل وميكائيل ميزة في الفضل على سائر الملائكة وإلا لم يكن لإفرادهما بالذكر فائدة، وتدل أيضاً على أن عداوة المذكورين كفر لأن الأصل فإن الله عدو لهم إلا أنه عدل إلى الإظهار للإيذان بكفرهم، والمراد بعداوة الله مخالفة أمره عناداً والخروج عن طاعته مكابرة،أو عداوة خواصه ومقربيه،لكن صدر الكلام بذكره الجليل تفخيماً لشأنهم،وإيذاناً بأن عداوتهم عداوته عز وعلى.
قال أبو السعود: ويؤخذ منه أن مخالفة أوامر الله ومعاداة أوليائه كفر، وقد تقدم عند قدماء أئمتنا " أن مرتكب الكبيرة يسمى كافر نعمة.

[البقرة:102]
* في حقيقة السحر بحسب اللغة.
* في معناه في عرف الشرع.
* في أقسام السحر.
* في الخلاف في تعلم السحر وتعليمه.
* حكم السحر.
قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[البقرة:102] بابل قيل: أرض الكوفة، وقيل غيرها، وفي هذه الجملة مسائل:

المسألة الأولى في حقيقة السحر بحسب اللغة
قال الراغب: السحر يقال على معان:
الأول: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعلها المشعبذ بصرف الأبصار عما يفعله لخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع.
الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.
الثالث: ما يذهب إليه الأغتام وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع فيجعل الإنسان حماراً، قال ولا حقيقة لذلك عند المحصلين، وقد استشهد لهذه المعاني بآيات قرآنية ذكرها في كتابه المفردات.
وقال الرازي: ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه.

325 / 329
ع
En
A+
A-