المسألة الثالثة [القول الحسن]
قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة:83] في معناه ما أخرجه ابن عدي من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((مداراة الناس صدقة )). وأخرجه الطبراني في الأوسط وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال أبو زرعة: صالح الحديث.
قلت: رواه له أبو طالب والحديث قال القسطلاني: أخرجه ابن أبي عاصم في آداب الحكماء بسند أحسن من هذا.
وأخرج البزار من حديث أبي هريرة بسند قالوا ضعيف: ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس )). وقال السخاوي لفظ رواية البزار: التودد إلى الناس وهو باللفظ الأول في رواية مرسلة عند العسكري وغيره، بل في رواية متصلة عند البيهقي في الشعب وبين أنها منكرة. وقال علي عليه السَّلام : (خالطوا الناس مخالطة إن متم معها بكوا عليكم وإن عشتم حنوا إليكم). رواه في النهج.
وقال ابن مسعود: خالط الناس ودينك لا تكلمنه. أخرجه الطبراني تعليقاً، وتكلمنه بكسر اللام وفتح الميم من الكلم وهو الجرح، أي خالط الناس بشرط أن لا يحصل في دينك خلل.
قال القسطلاني: وهذا الأثر وصله الطبراني في الكبير بلفظ: خالطوا الناس وصافوهم بما يشتهون ودينكم فلا تكلمنه -بضم الميم-وزايلوهم. والظاهر من هذا كله العموم فيدل على حسن إلانة القول مع المؤمن وغيره، ويدخل في ذلك الكافر، وقد اختلف في ذلك فقيل: المراد بالناس المؤمنين دون الكفار والفساق لوجوب لعنهم وذمهم وإهانتهم؛ ولقوله تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ }[التوبة:73] وقوله: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ}[النساء:148] وقيل: الآية منسوخة بآية السيف ونحوها، وقال الباقر وعطاء: هي عامة للناس كلهم، واختاره الرازي والنجري في شرح الآيات، وقال في الزهور: المخالطة ليست بموالاة وهي جائزة للكفار والفساق.
وأخرج البيهقي في الشعب عن علي عليه السَّلام في قوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة:83] يعني الناس كلهم، واحتجوا عليه بأن موسى وهارون عليهما السَّلام أمرا بإلانة القول مع فرعون قال تعالى: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً }[طه:44] وكذلك كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم مأموراً بالرفق واللين قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}[آل عمران:159] وقال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة}[النحل:125] وقال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً }[الفرقان:72] وقال تعالى:{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً }[الفرقان:63] وقال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }[الأعراف:199] وقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ }[المائدة:13] والضمير لليهود.
وعن عائشة أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما رآهقال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في [وجهه]وانبسط له، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا عائشة متى عهدتني فحاشاً إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)) . أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود والترمذي، قوله تطلق بفتح الفوقية والطاء المهملة واللام المشددة بعدها قاف أي انشرح وهش.
وأخرجه أيضاً الحرث بن أبي أسامة بنحوه من حديث صفوان بن عسال وفيه فقال:(( إنه منافق أداريه عن نفاقه ، وأخشى أن يفسد علي غيره)).
وقال البخاري يذكر عن أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم.
قال القسطلاني: وصله ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي في غريب الحديث، والدينوري في المجالسة من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء. ونكشر بكسر الشين المعجمة: نضحك ونبتسم.
وأجابوا عما احتج به الأولون بأن وجوب لعنهم لا ينافي إلانة القول لهم والانبساط إليهم لما كان لعنهم في غير وجوههم، على أن لقائل أن يقول مواجهتهم به وبالذم من القول الحسن إذ القول الحسن عبارة عما يحصل به انتفاعهم، ونحن إذا لعناهم وذممناهم كان ردعاً لهم عن ارتكاب القبيح، وهذا غاية النفع، نظيره تغليظ الوالد لولده لردعه عن القبيح أو إرشاده إلى الحسن فإنه يكون حسناً.
وأما قوله تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ }[التوبة:73] فالمراد عند حصول ما يقتضي ذلك كحال القتال وإظهارهم الاستخفاف بالله وبالإسلام ونحو ذلك ونحن لا نقول بحسن إلانة القول معهم على الإطلاق، ولهذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ثلاث مراتب فأولها بالقول اللين، ثم بالخشن، ثم بالضرب فما فوقه، فإذا اقتضى الحال الإغلاظ عليه وجب، وإلا فالواجب حسن القول معه.
وأما قوله تعالى: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ}[النساء:148] فيجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحذره الناس كقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس )). وقيل في معناه غير هذا مما لا يصح معه الاستدلال به هنا، وسيأتي إن شاء الله.
وأما دعوى النسخ فيجاب عنه بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل ولا دليل هنا، وذكر الرازي تفصيلاً منسوباً لأهل التحقيق حاصله: أن كلام الناس مع الناس إن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعاء إلى الإسلام وهو مع الكفار، وفي الدعاء إلى الطاعة وهو مع الفساق، فالأول لا بد أن يكون بالقول الحسن لأمر موسى وهارون عليه السَّلام بذلك، وكذلك أمر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بذلك كما مر، وقال تعالى في أهل الكتاب: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[العنكبوت:46] وقال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[النحل:125].
والثاني: وهو دعاء الفساق كذلك بما مر ولقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...}[المؤمنون:96] الآية، وإن كان في الأمور الدنيوية، فالمعلوم ضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف والقول الحسن لم يحسن سواه، ولأصحابنا تفصيل قريب من هذا فقالوا: إنما تحرم الموالاة والمعاداة الدينية فقط.
وأما الدنيوية فتجوز إلا ما حرمه الشرع وهو ثلاثة أنواع:
الأول: تعظيمه يعني العاصي بقول أو فعل لقوله تعالى: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً }[التوبة:123] وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون:8] وفي تعظيمه إشراكه في العزة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام)). أخرجه الطبراني من حديث أوس بن شرحبيل، ورواه في تكملة البحر وغيرها بلفظ: من مشى مع ظالم وهو يعلم أنه ظالم فقد برئ من الإسلام)).
قال الإمام المهدي: أراد من مشى إليه تعظيماً له إما بزيارة، أو تسليم، أو تهنئة، أو وداع إلا لحاجة عارضة يعلم أنه مشى لأجلها فيجوز كما مشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي جهل ليأمره بإيفاء غريمه.
قلت: رواه ابن هشام في السيرة.
وعن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (( أعيذك بالله يا كعب بن عجزة من أمراء سيكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم وصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن غشي أبوابهم أولم يغش فلم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه سيرد علي الحوض)). أخرجه الترمذي.
النوع الثاني: ما يحصل به إعانته على معصية من قول أو فعل وإن لم يتضمن تعظيماً لقوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }[المائدة:2] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا كان يوم القيامة نودي أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلماً أو راق لهم دواة فيجمعون في تابوت من حديد ويرمون في جهنم)) . رواه في الشفاء وغيره.
النوع الثالث: الدعاء له بالمغفرة ونحوها.
واعلم أن الدعاء للغير يختلف حكمه باختلاف المدعو لهم، وجملة القول في ذلك أن المكلفين على ثلاثة أضرب: ضرب يقطع باستحقاقهم الثواب كالملائكة والأنبياء وأهل الكساء "، فهؤلاء يجوز الدعاء لهم بخير الدنيا والآخرة على القطع من غير تعليق بشرط، وضرب يقطع بتلبسهم بالمعصية الموجبة للكفر أو الفسق نحو من شاهدناه يشرب خمراً أو يفعل خصلة كفرية من غير عذر، فهؤلاء نقطع بكفرهم أو فسقهم في تلك الحال، ويجوز الدعاء عليهم على القطع ما داموا مشاهدين على تلك المعصية، ولا يجوز الدعاء لهم بالمغفرة ونحوها لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...}[التوبة:113] الآية ونحوها.
وضرب لم يعلم فيهم شيء من الأمرين وسواء كان ظاهرهم العفة والصلاح أو خلافه كمن فعل كبيرة ثم غاب عنا وكمن أخبر عن نفسه بالفسق، فهؤلاء لا يمتنع القطع في حقهم فلا نقطع بفسقهم ولا بإيمانهم في نفس الأمر بل بحسب الظاهر، ولا يجوز الدعاء لهم ولا عليهم إلا مشروطاً، وتختلف في حقهم كيفية الدعاء فمن كان ظاهره الصلاح حسن حذف الشرط في الدعاء له ويكون مقدراً، ويجوز ذلك ما لم يوهم المعاداة إذ موالاته واجبة وكذا تعظيمه عملاً بالظاهر، ومن كان ظاهره عدم الصلاح فيجوز ذكر الشرط، ويحسن حذفه ما لم يوهم الموالاة؛ لأن معاداته وجبت باعتبار ظاهره وكذا الاستخفاف به.
قال النجري: ولا يجوز الدعاء المشروط على من ظاهره الصلاح، ولا الدعاء المشروط لمن ظاهره عدم الصلاح لأن فيه نقضاً للموالاة والمعاداة وهما يجبان بحسب الظاهر فقط، وهذا مما يتعلق بالغير، وأما ما يتعلق بالنفس فمن قطع بعصمة نفسه جاز له الدعاء لها على القطع، وإن قطع بتلبسه بكبيرة لم يجز له الدعاء لها، وهذا كله في الدعاء بالمنافع الأخروية، وأما الدنيوية فيجوز الدعاء لكل أحد بما يجوز من الله فعله كالرزق والعافية مشروطاً بعدم المفسدة، وأما الدعاء بدفع المضار الأخروية كترك العقاب فيجوز عند أبي هاشم لكل أحد سواء كان مستحقاً للعقاب أم لا وسواء كان هو الداعي لنفسه أم لا لحسن دفع الضرر مطلقاً، ومنعه أبو علي إلا لمن لا يستحق العقاب، ومما جوزه أصحابنا من الإحسان إلى الفساق والكفار إطعامهم لأن الله مدح من أطعم الأسارى بقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ...}[الإنسان:8] الآية.
وروي أن علياً عليه السَّلام لما ضربه ابن ملجم قال: أطعموه وأحسنوا أساره فإن أعش فالحق حقي أرى فيه رأيي، وإن مت فرأيكم في حقكم. ذكره ابن بهران في تخريج البحر، وكذلك يجوز أكل طعامهم، أما الفاسق فلأنه من أهل الملة، وأما الكافر فلقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ...}[المائدة:5] الآية إلا أن يترطب به عند من يحكم بنجاسته، وهذا كله ما لم يؤد إلى مودتهم وميل الخاطر إليهم، وكذا يجوز النزول عليه يعني الفاسق وإنزاله والسرور بمسرته، والعكس في بعض الأحوال، ومحبته لخصال خير فيه أو لكونه رحماً، وكذا يجوز إيناسه وإعانته على بعض أموره كذلك ذكره في الأزهار وتكملة البحر، قال في التكملة: مع إظهار كراهة فعله وفعل الواجب من النكير عليه كما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في مخالفة من سماه الله فاسقاً حيث قال: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات:6] ولقوله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ الله عن الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ...}[الممتحنة:8] الآية؛ ولإنزاله صلى الله عليه وآله وسلم وفد ثقيف المسجد وهو مشهور- قال- ولا بأس بإلانة القول لهم مع فعل ما يجب من النكير، واحتج بقوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[العنكبوت:46] وبفعله صلى الله عليه وآله وسلم مع الرجل الذي قال فيه: ((بئس أخو العشيرة هو )). وقد تقدم.
فأما تعظيم أهل الشرف من الكفار والفساق رجاء لرجوعهم إلى الخير، أو لنصرتهم أو خذلانهم الباطل، أو نحو ذلك من المصالح العامة، فلا إشكال في جوازه كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم مع كثير من رؤساء المشركين حتى بلغ من تعظيمهم أن أفرشهم رداءه، وأقعد صلى الله عليه وآله وسلم عدي بن حاتم على مخدته قبل أن يسلم وقال في حقه: ((إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه )). فأما تعظيمه لمصلحة خاصة بالمعظم له من تحصيل منفعة دنيوية، أو دفع مضرة في نفسه أو ماله فقال الإمام المهدي: الأقرب أن الشرع لم يبحه لذلك وأطال في الاحتجاج، وحاصل ما احتج به العمومات الواردة في الزجر عن مودة الكفار والفساق نحو قوله تعالى: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ }[الممتحنة:1] وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ...} إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ...}[التوبة:24] الآية، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((القوا الفساق بوجوه مكفهرة )) ونحوها، ثم قال: فلا يخرج من هذا العموم إلا ما خصته دلالة واضحة شرعية، ولم يخصص هذا الوجه بالجواز دلالة، ولا يمكن قياس المصلحة الخاصة على العامة.
قلت: ولقائل أن يقول هذه العمومات لا تنافي حسن القول معهم، ومجاملتهم، والتلطف في التوسل إلى نيل الأغراض منهم، ونحو ذلك مما شمله أدلة القائلين بأن قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً }[البقرة:83] عامة للناس كلهم؛ لأن الذي اقتضته هذه الأدلة هو تحريم مودتهم والذم على ترك جهادهم والمشي إليهم لمجرد تعظيمهم، وترك الهجرة من أرضهم، وتحريم ذلك مما لا نزاع فيه إنما النزاع في إظهار التلطف وإلانة القول معهم، والإحسان إليهم حيث لا مقتضي للإغلاظ ونحوه، وحديث: ((القوا الفساق بوجوه مكفهرة )) محمول على وجود المقتضي لذلك لا في كل حال، وفي هذا جمع بين الأدلة، على أن الحديث لم يذكر ابن بهران له تخريجاً وإنما قال هكذا روي، وعلى الجملة أن الجائز ما كان على جهة المداراة وهي لين الكلام وترك الإغلاظ في القول، والمحرم ما كان على وجه المداهنة، والفرق بينهما أن المداراة الرفق بالجاهل في التعليم، والفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه باللطف حتى يرجع عما هو مرتكبه، والمداهنة معاشرة المعلن بالكفر والفسق، وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان ولا بالقلب. هكذا قيل.
وقال الإمام المهدي: هي التغاضي عن المنكر لئلا يغضب فاعله وهذا أولى إذ يعد مداهناً وإن لم يظهر الرضى.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[البقرة:85] التظاهر: التعاون، وفي الآية دليل على قبح إعانة الظالم على ظلمه، وقد تقدم البحث في ذلك في قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً }[البقرة:41] فإن قيل: أليس الله قد أعان الظالم على الظلم بخلق قدرته وشهوته الداعية إلى فعله وأزال العوائق والموانع، فلو كانت إعانة الظالم قبيحة لو جب أن لا يفعلها الله تعالى.
قيل: ذلك تمكين ولا بد منه مع التكليف، وليس بإعانة لعدم إرادته تعالى لوقوع الظلم، بل قد نهى عنه وتوعد فاعله، وقد مر تحقيق الإعانة في قوله تعالى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }[الفاتحة:5].
قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}[البقرة:88] قرئ غلف بسكون اللام فقيل جمع أغلف وهذه قراءة الجمهور أي خلقت مغشاة بأغطية لا يصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا تفقهه مستعار من الأغلف الذي لم يختن، وقيل: هو تخفيف غلف بضم اللام وقرئ به جمع غلاف، والمعنى على هذه القراءة أن قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، ولا تتسع قلوبنا لسواه؛ لأن الشيء المغلف لا يتسع غلافه لغيره، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلته ووعته.