الوعيد على ترك العمل بالسنة
عن علي عليه السَّلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعنت سبعة فلعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة : الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمخالف لسنتي)). الخبر تقدم.
وأخرج الطبراني في الكبير وابن حبان والحاكم وصححه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ستة لعنتهم فلعنهم الله وكل نبي مجاب : الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله، والمستحل حرمة الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك السنة)).
وهذا ما تيسر تحصيله من الأخبار في دخول أصحاب الكبائر النار ولم نستقص ما ورد من الوعيد في المعاصي التي ذكرناها، ولا أتينا على كل معصية متوعد عليها، وفيما ذكرنا كفاية، وقد فتحنا الباب لمن أراد الاستقصاء من الأصحاب، وعسى أن يقيض الله من يتصدى لذلك المقصد الصالح، والمتجر الرابح، ونسأل الله التوفيق وحسن الخاتمة.

الموضع الثالث في شبه الخصوم [في مسألة الخروج من النار]
اعلم أن لهم شبهاً عقلية ونقلية، النقلية ستأتي وقد تقدم شيء منها في مسألة الشفاعة وغيرها، وأما العقلية فمنها ما قد تضمنته المسألة الثالثة عشرة من مسائل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ...}[البقرة:6] الآية كاستنادهم إلى استبعاد الدوام، وتشبثهم بحسن خلف الوعيد، وعدهم إياه من فعل الكرام، وقولهم بأنه لا نفع فيه للمعاقب، ولا يحتاج إليه ذو الجلال والإكرام، وغير ذلك من ما تضمنته تلك المسألة، وقد استوفينا هنالك جواب كل شبهة على الوفاء والتمام.
ومن شبههم العقلية أنه يجوز العفو عقلاً عن العاصين ووافقهم على ذلك من أئمة العدل البصرية، فقالوا: نقطع بأنه يجوز من الله العفو عن العصاة عقلاً، وهو اختيار السيد مانكديم، والإمام المهدي وغيرهم.
وأما الخصوم فتجويزهم لذلك ظاهر من أصحابنا والخلاف في ذلك لأبي القاسم البلخي، وبشر بن المعتمر فقالا: بمنعه عقلاً، وحكاه السيد مانكديم عن البغدادية وقال: إنهم أوجبوا على الله أن يفعل بالعصاة ما يستحقونه لا محالة، ولا يجوز أن يعفو عنهم قال: فصار العقاب عندهم أعلى حالاً في الوجوب من الثواب فإن الثواب عندهم لا يجب إلا من حيث الجود والعقاب يجب فعله على كل حال.
احتج الألون بأن العقاب حق لله وله إسقاطه حيث لا إضرار بالغير كالدين وهذا ضروري، فإن قيل: شكر المنعم حق له فيلزم أن يصح إسقاطه، والمعلوم أنه لا يسقط بالإسقاط.

قيل: الواجبات المتعلقة بالغير منقسمة إلى ما لا وجه لوجوبه إلا كونه حقاً للغير وذلك كقضاء الدين ورد الوديعة، فهذا لا إشكال في إسقاطه بإسقاط صاحبه؛ إذ يزول وجه الوجوب بإسقاطه، وإلى ما هو واجب في نفسه وإن كان متعلقاً بالغير كالشكر ومعرفة الله، فإن الشكر إنما وجب لكونه اعترافاً بنعمة واصلة، وهذا الوجه لا يسقط بإسقاط المنعم؛ لأن إسقاطه يتضمن إباحة إنكاره، وإنكاره كذب فإسقاط الشكر جار مجرى إباحة الكذب، وإباحته لا تؤثر في جوازه فكذلك إسقاط الشكر، لا يقال لا نسلم أن إسقاط الشكر إباحة للإنكار، وإنما يتضمن سقوط وجوب الإظهار عند التهمة، وهذا ليس بإباحة للكذب؛ لأنا نقول سكوته عند تهمته بالإنكار جار مجرى الإقرار بإنكاره لتوفر دواعيه إلى دفع التهمة عن نفسه، فإذا لم يفعل دلنا ذلك على إنكاره كما لو نطق به، كما أن من توفرت دواعيه إلى الفعل وانتفت الصوارف عنه نقطع بأنه يفعل، فإن لم يفعل قطعنا بأنه غير قادر، فلما جرى السكوت مجرى النطق بالإنكار كانت إباحته كإباحة الإنكار.
وأما معرفة الله فهي وإن كانت متعلقة بالغير فوجه وجوبها لا يسقط بإسقاط من تعلقت به؛ لأنها وجبت لكونها لطفاً لا لكونها حقاً له تعالى، وهكذا يقال في المدح حيث يجب فإنه لا يسقط بإسقاط الممدوح بمثل ما ذكرنا في الشكر، ومثله الذم حق للمساء إليه وليس له إسقاطه، وفرق بينه وبين العقاب السيد مانكديم بأن العقاب حق لله على الخصوص والذم حق للمساء إليه وللمسيء، ولجميع العقلاء فإنهم إذا تيقنوا أنهم يذمون على الإساءة لا يقدمون عليها، أو يكونون أقرب إلى عدم الإقدام عليها، وحاصله أن وجه استحقاقه لكون فيه لطفاً لا لكونه حقاً للمساء إليه، فإن قيل: أليس الثواب حقاً خالصاً للمثاب وليس له إسقاطه، فكذلك العقاب لا يكون لمستحقه إسقاطه.

قيل: الحق إنما يصح إسقاطه حيث كان استيفاؤه إلى المستحق ولم يكن كالمحجور عليه، ولهذا فإن الصبي لما لم يكن استيفاء حقه إليه لم يصح منه إسقاطه، وليس كذلك الثواب فإن العبد كالملجأ إلى عدم إسقاطه هكذا ذكره السيد مانكديم، ولعله أراد بكونه كالملجأ أن الثواب واجب على الله إيصاله إلى مستحقه والباري جل وعلى لا يخل بواجب فكأن العبد كالملجأ إلى قبوله وعدم إسقاطه. والله أعلم.
احتج البغداديون بأن المكلف إذا جوز سقوط العقاب لم يزجره الوعيد عن المعصية مع خلق الشهوة فيه.
وأجيب بأنه إذا قطع بوقوعه صار ملجأً إلى تركه، ولا يصح تكليف الملجأ فلا بد من تجويز سقوطه بوجه وإلا كان ملجأ، ويلزم أيضاً أن يكون مغرىً بتجويزه التوبة فلا يصح قبول التوبة منه وهو باطل.
قالوا: العقاب لطف واللطف يجب أن يكون على أبلغ الوجوه، ولا يكون كذلك إلا إذا كان واجباً على الله تعالى؛ لأن المكلف إذا علم أنه يفعل به ما يستحقه لا محالة كان أقرب إلى الانقياد.
قال السيد مانكديم: وربما يؤكدون ذلك بقولهم إن العقاب إذا كان لطفاً للمكلف فلا بد أن يعرفه الله تعالى أنه يفعل به، وإلا كان مخلاً بواجب.
وأجيب بالتزام قولكم في اللطف أنه يجب أن يكون على أبلغ الوجوه.

قال السيد مانكديم: لكن إذا كان ممكناً وهاهنا لا يمكن لأنه لا حال للفاسق إلا وهو يجوز أن يتوب فكيف يمكن تعريفه أنه يفعل به لا محالة، وإلا فيجب تعريفه أن توبته لا تقبل من الكبائر، ومعلوم أن هذا أبلغ في اللطف، فإن منعتموه لعدم إمكانه أي لوجوب قبول التوبة عقلاً فارضوا منا بمثله، إذا عرفت هذا فللخصوم أن يقولوا قد ثبت جواز العفو عقلاً إما قبل دخول العصاة النار أو بعد دخولهم فيها، فالإجماع منعقد على أنه تعالى عفو وقد وصف نفسه بذلك وتمدح به، وأجمعوا أيضاً على أن عفوه ليس في حق الكافر، بل في حق المؤمنين إلا أنكم معاشر الوعيدية تقولون هو عفو عن الصغائر قبل التوبة وعن الكبائر بعدها، ونحن نقول بل عن الصغائر كلها، واختلفنا في الكبائر فمنا من قال: يعفو عنها كلها، ومنا من قال: يعفو عن بعضها، ومنا من قال: لا نقطع بالعفو عن الكبائر بلا توبة، بل نجوزه، ثم إذا رجعنا إلى تحقيق معنى العفو كان الحق معنا، وذلك أن العفو إنما هو ترك عقوبة المستحق للعذاب وأنتم لا تقولون بالاستحقاق في غير صورة النزاع؛ إذ لا استحقاق بالصغائر أصلاً ولا بالكبائر بعد التوبة، فلم يبق إلا الكبائر قبل التوبة فهو يعفو عنها بفضله وكرمه.

والجواب: أنا لا نسلم جواز العفو عقلاً لما مر، ولما ذكره في الأساس وشرحه لابن لقمان وحاصله أن العفو عن المسيء الذي علم عدم إقلاعه ورجوعه عن الإساءة لا يحسن عقلاً؛ لأنه يكون إغراء بفعل القبيح وهو قبيح، ألا ترى لو أن السلطان عرف من عبده الفاحشة مع حرمه وهو قادر على عقوبته، وعلم مع ذلك أنه لا يرتدع إن عفا عنه بل يعود سريعاً فإن العفو عنه والحال هذه يكون قبيحاً، وما كان كذلك فلا يقال فيه إنه يجوز ويحسن في العقل، ولا ريب أن أهل الكبائر لم يقلعوا عن المعصية بل ماتوا مصرين عليها، فلو حسن العفو عنهم مع علم الله بعدم إقلاعهم لكان في ذلك إغراء لهم بالمعصية والإصرار عليها، وإقلاعهم في الآخرة عند معاينة العذاب وتوبتهم لا ينفعهم؛ لأن ذلك لم يكن لوجه القبح، بل لما نزل به من أليم العذاب وشدة العقاب، وقد دل القرآن على أن من مات على المعصية فإن توبته وإقلاعه في الآخرة لا تكون لوجه القبح، وأنه لو عاد إلى الدنيا لعاد فيما كان فيه من المعاصي قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ }[الأنعام:28] سلمنا حسن العفو عقلاً فقد جاء الشرع بعدم وقوعه لمن مات على كبيرة لما مر.
قوله: إن العفو إنما هو ترك عقوبة المستحق... إلخ.

قلنا: بل العفو إسقاط العقوبة سواء كان بسبب التوبة أو من أول الأمر، وقد دل الدليل على إسقاطها بالتوبة، وعلى أنها لا تسقط من دونها أما عند من يقول إن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى وإنما هو تفضلٌ منه فظاهر، وأما من يقول بوجوب قبولها فلهم أن يقولوا الإسقاط يسمى عفواً وإن كان بسببها لقوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}[البقرة:51،52] وهذا العفو إنما كان بسبب توبتهم بدليل قوله تعالى: {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}[البقرة:54] وقد مر في تفسير قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ }[البقرة:52] في هذا المعنى بحث نفيس لا ينبغي جهله. والحمد لله رب العالمين.

[البقرة:83]
* إحسان التكليف.
*وجود الإحسان.
* القول الحسن.
قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ}[البقرة:83] في الآية مسائل:

المسألة الأولى [إحسان التكليف]
جعل الله تعالى هذه التكاليف من جملة النعم على بني إسرائيل فتدل على أن التكليف إحسان ونعمة تفضل الله بها على المكلفين، وهذا تأكيد للدليل العقلي في حسن التكليف، وقد مر في أول الفاتحة في الثانية عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7].

المسألة الثانية [القول الحسن]
ظاهر الآية أنه لا فرق في حسن الإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين بين المؤمن والعاصي ولو كافراً يؤكده قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاًً }[لقمان:15] وقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ }[الإنسان:8] ظاهر، وفي الحديث: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))، ((وما كان على غير أمرنا فهو رد )) وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[البقرة:229].

323 / 329
ع
En
A+
A-