قلت: ولأجل هذا قال أصحابنا بقبح إخلاف الوعيد، وقد مر في الوجه الثاني بعد الشبه السبع في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] إقامة الدليل القاطع على أنه لا يجوز من الله خلف الوعيد، ومهدنا قاعدة يعرف بها ما يحسن فيه خلف الوعيد وما لا يحسن فيه ذلك، فارجع إليه فإنه مفيد، وقد اكتفينا به عن التكرار.
واعلم أن هذه الآيات كما دلت على أن العاصي معاقب لا محالة، ففيها ما يدل على دوام عقابه للتصريح فيها بالخلود، وقد مر في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...}[البقرة:25] الآية أن الخلود الدوام، وفي الحادية عشرة من مسائل هذه الآية أخبار تدل على ذلك.
وقال في القاموس: الخلد -بالضم-: البقاء والدوام كالخلود، وخلد خلوداً دام، وبالمكان أقام فيه كأخلد وخلد فيهما يعني الزمان والمكان، ومثله كلام صاحب الكشاف وهو نص في أن الخلود الدوام خصوصاً في الزمان، وأما المكان فالمفهوم من هذا أنه فيه مطلق محتمل للتأبيد وعدمه، لكن قد ورد في آيات كثيرة تقييده بالتأبيد، وبه يندفع احتمال كونه المكث المنقطع سواء كان طويلاً أم لا، فإن قيل: الأبد قد يكون بمعنى الدوام، وبمعنى مطلق الإقامة كما يدل عليه كلام صاحب القاموس، ولفظه: الأبد محرك الدهر، الجمع آباد وأبود والدائم والقديم الأزلي، أبد بالمكان، ويؤبد أبوداً أقام، والتأبيد التخليد.
قيل: أما مع الجمع بينه وبين الخلود فالظاهر أنه نص في الدوام، و إلا كان تكراراً لمعنى الخلود وتأكيداً له، والتأسيس خير من التأكيد، وتؤيده الأحاديث المتقدمة. والله أعلم.
فصل [في ذكر الروايات الدالة على الوعيد]
فيما يناسب هذه الآيات الكريمة من السنة القويمة، والآثار الشريفة مما رواه الموالف والمخالف، وإنما جمعت بين رواية الطائفتين قطعاً للشغب، وحسماً لمادة التشكيك بأن رواية الراوي فيما يقوي مذهبه سيما في العقائد غير مقبولة، وهذا يذكره كثير من أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث والمتكلمين فإنهم يقولون ترد رواية الراوي إذا كان داعياً إلى بدعته بروايته؛ لأنه لايؤمن أن يضع الحديث على وفقها تأكيداً وتأييداً لها، وهذا ضعيف لأن المفروض عدالة الراوي، وتحرزه عن الكذب، وكيف يقولون بقبوله إن لم تجر إلى بدعته، ورده إن روى ما يوافقها، ويحكمون بعدالته في بعض مروياته دون بعضها، وأي عدالة تبقى فيمن استجاز الكذب فيما يوافق هواه، فالحق أن الواجب قبول رواية من تكاملت فيه شروط قبول الرواية من العدالة والضبط وغيرهما، سواء كان فيمن يجر إلى بدعته أم لا إذ لم يفصل دليل القبول، وما رواه موافقاً للبدعة وجب تأويله إن أمكن، أو رده إن لم يمكن وخالف ما هو أقوى منه، ولا يكون ذلك قدحاً في عدالته لجواز الوهم والغلط في ذلك بخصوصه، لا لتجويز تعمده الكذب فإن ثبوت عدالته تمنع ذلك، وهذا هو الذي عليه أهل التحقيق والإنصاف.
قال في (الفلك الدوار): والحق عند أئمتنا " أن الراوي العدل وإن كان خارجاً عن الولاية فإنه مقبول الرواية؛ إذ الأصح أن المعتبر في التوثيق الديانة، ولذلك تجد المحدثين من الشيعة كالنسائي، والحاكم يقولون يوثقون كثيراً من النواصب والخوارج، وكذلك فعل أهل الكتب الستة، وهو دليل على أن المعتبر في الراوي عدالة الصدق لا عدالة السلامة من الإثم والبدعة، وذكر فيه أيضاً أن الواجب قبول حديث كل راو من أي فرق الإسلام كان إذا عرف تحرزه في نقل الحديث، وصدق أمانته، وبعده من الكذب وإن كان مبتدعاً متأولاً، ورد كل راو عرف بخلاف ذلك من غير تساهل في القبول، ولا تعنت في الرد.
قال: فأما القبول بمجرد الموافقة في الاعتقاد ورده بمجرد المخالفة في الاعتقاد وبطلب المدح لغير الثقات، وتكلف القدح في حق الأثبات فمن مزالق الأقدام، والتهور الموقع في الكذب على المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، واعتماداً على مجرد التشهي الموقع في غضب الجبار، ودخول تحت قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من الن ار )) فإن القبول والرد بمجرد ذلك كذب؛ إذ مرجعه إلى أنه قال ولم يقل، أو إلى أنه لم يقل وقد قال.
قلت: وقد نسب هذا القول أعني قبول من تكاملت فيه شروط الرواية بلا فرق بين ما وافق بدعته وبين ما خالفها إلى جماعة من المتكلمين الذين لا يرون تكفير أحد من أهل القبلة، وكذلك قال به جماعة من غيرهم، وما يقال من أن روايته لما يقوي بدعته كشهادة الرجل العدل فيما يجر النفع إلى نفسه فكما أن الشهادة مردودة فكذلك الرواية، فمدفوع بأن التهمة في الشهادة أعظم لخصوص المنفعة، وأما الرواية فليس فيها إلا إثبات أحكام عامة شاملة للمكلفين، فلا تقوى التهمة بالوضع على ما يطابقها.
إذا عرفت هذا فاعلم أن الأخبار، والآثار الدالة على ما ذهب إليه العترة الأطهار ومن وافقهم من علماء الأمصار في غاية الكثرة والشهرة لا يكاد يخلو منها باب من أبواب الشريعة، ولنذكر منها في هذا الموضع ما تيسر نقله والاطلاع عليه، والقليل يدل على الكثير.
واعلم أني لا أذكر في هذا الموضع إلا ما صرح فيه بدخول النار أو حرمان الجنة، أو باستحقاق العذاب، أو بالغضب والسخط، أو ما في معناهما لأنهما عبارة عن إيصال العقاب، أو إرادته، أو عن العقاب نفسه على الخلاف المتقدم في الفاتحة ومسألة الإرادة، وكذلك ماصرح فيه باللعن من الله تعالى؛ لأنه منه سبحانه وتعالى الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وهو في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه. ذكره الراغب.
واعلم أني لا أذكر الوعيد على الكفر لأنه مما لا نزاع فيه، وهذا أوان الشروع ونسأل الله الإعانة والقبول.
الوعيد على عموم المعاصي
في أمالي المرشد بالله: أنا أبو طاهر ابن عبدالرحيم، أنا ابن حبان، أنا أبو يعلى، ثنا سليمان بن داود، ثنا إسماعيل بن عياش، عن راشد عن أبي السمّاء أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في مسير: ((إنا مدلجون ولا يدلج مصعب ولا مضعف وارتحل رجل على ناقة صعبة فسقط فاندقت عنقه فمات فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً فنادى إن الجنة لا تحل لعاصٍ)).
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا العبدكي، نا أبو سعيد النقاش، ثني محمد بن عامر، ثنا هشام بن عمار، ثنا عمرو بن واقد، ثنا يونس، عن أبي إدريس، عن معاذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إن الجنة لا تحل لعاصٍ ومن لقي الله ناكثاً بيعة لقيه وهو أجذم، ومن خرج من الجماعة قيد شبر متعمداً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات وليس بإمام جماعة ولا لإمام جماعة في عنقه طاعة بعثه الله ميتة جاهلية)).
الوعيد على العزم على المعصية
في أمالي المرشد بالله: أخبرنا الذكواني، أنا أبو فورك، ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا بكر بن بكار، ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما وكلاهما يريد قتل صاحبه فقتل أحدهما صاحبه فكلاهما في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه)).
وفي أمالي أبي طالب: أخبرنا أبو محمد الأسدي، ثنا علي بن الحسن، ثنا أبو داود، ثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، عن أبي أيوب، عن الحسن، عن الأحنف لقيني أبو بكرة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه)) وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وأخرجه ابن ماجة عن أبي موسى.
الوعيد على القول بالقدر
في المجموع: حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام : والله ما كذَبت ولا كُذبِتُ ولا ابتدعت ما نزلت هذه الآية إلا في القدرية خاصة: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر:47-49] ألا إنهم مجوس هذه الأمة، فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم سبحان الله عما يقولون علواً كبيراً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ...}[القمر:48] الآية.
وأخرج البزار،وابن المنذر بسند جيد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ما أنزلت هذه الآية: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ...}[القمر:47] الآية. إلا في أهل القدر.
وأخرج ابن عدي، وابن مردويه، والديلمي، وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن هذه الآية نزلت في القدرية {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }[القمر:47])).
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قيل له: قد تكلم في القدر، فقال: أو فعلوها والله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر:48،49] أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا على موتاهم إن أريتني واحداً منهم فقأت عينه بأصبعي هاتين.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في القدرية: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ...}[القمر:48] الآية.
وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن محمد بن كعب القرضي، قال: إنما نزلت هذه الآية: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ...}[القمر:48] الآية تعييراً لأهل القدر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية أنزلت فيهم آية من كتاب الله {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ...}[القمر:47] إلى آخر الآية)).
الوعيد على التكذيب بالقدر وعدم الرضى به
في المجموع حدثني زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السَّلام ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((لعنت سبعة فلعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة: الزائد في كتاب الله تعالى، والمكذب بقدر الله، والمخالف لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليعز ما أذل الله ويذل ما أعز الله، والمستحل ما حرم الله، والمستأثر على المسلمين بفيئهم مستحلاً له)).
وفي الجامع الصغير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:((سبعة لعنتهم وكل نبي مجاب الدعوة : الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمستحل حرمة الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي، والمستأثر بالفيء، والمتجبر بسلطانه ليعز من أذل الله، ويذل من أعز الله)) ونسبه إلى الطبراني في الكبير من حديث عمرو بن شغواء -بشين وغين معجمتين-.
قال العزيزي: بإسناد حسن.
وفي سنن الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا عبدالرحمن بن زيد بن أبي الموالى المزني، عن عبيد الله بن عبدالرحمن بن موهب، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي كان : الزائد في كتاب الله، والمكذبون بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليعز بذلك من أذل الله ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والتارك لسنتي)).
قال الترمذي: ورواه سفيان الثوري، وحفص بن غياث وغير واحد عن عبيد الله بن عبدالرحمن، عن علي بن حسين، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلاً، وهذا أصح.
قلت: وأخرجه من حديث عائشة الطبراني في الكبير، وابن حبان، والحاكم وصححه، وقال المنذري: لا أعرف له علة.
وأخرجه الحاكم من حديث علي عليه السَّلام ، وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر وغيرهم عن زرارة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تلا هذه الآية: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر:48،49] قال في ناس من أمتي في آخر الزمان يكذبون بقدر الله)).
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر قال: المكذبون بالقدر مجرمو هذه الأمة، وفيهم نزلت هذه الآية: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }[القمر:47] إلى قوله: {خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }[القمر:49].
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: جاء العاقب والسيد، وكانا رأسي النصارى بنجران فتكلما بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلام شديد في القدر والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرف فأنزل الله: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُوْلَئِكُمْ }[القمر:43] إلى قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ }[القمر:51] الذين كفروا وكذبوا بالقدر قبلكم.
وأخرج عبد بن حميد، وعبدالرزاق عن محمد بن كعب قال: كنت أقرأ هذه الآية فما أدري من عنى بها حتى سقطت عليها: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }[القمر:47] إلى قوله: {كَلَمْحِ الْبَصَرِ}[القمر:47-50] فإذا هم المكذبون بالقدر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إني لأجد في كتاب الله قوماً يسحبون في النار على وجوههم يقال لهم: {ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ }[القمر:48] لأنهم كانوا يكذبون بالقدر، وإني لأراهم ولا أدري أشيء كان قبلنا أم شيء فيما بقي.
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: سمعت بأذني هاتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم قيل اكتب لابد، قال: وما لابد؟ قال: القدر، قال: وما القدر؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك إن مت على غير ذلك دخلت النار)).