واعلم أن (من) و(ما) في الاستفهام، ومثلهما (أين) و(متى) ونحوهما للعموم، ودليله ما مر في كلم المجازاة، وتقريره هنا أنه إذا قال من عندك، فإما أن يقال هي للخصوص، وهو باطل لأنه لو كان كذلك لما حسن أن يجيب بذكر كل العقلاء؛ لأن الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال، لكن لا نزاع في حسن ذلك، وإما أن يقال هي للاشتراك، وهو باطل أيضاً، وإلا لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة، فإذا قال من عندك، فلا بد أن يقول سألتني عن الرجال أو النساء... إلى آخر ما مر، وذلك لأن اللفظ إما أن يقال إنه مشترك بين الاستغراق، وبين مرتبة معينة في الخصوص، أو بينه وبين جميع المراتب الممكنة في الخصوص، الأول باطل اتفاقاً، والثاني يوجب أن لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام لوجوب مطابقة الجواب للسؤال، فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة لوجهين:
أحدهما: أنه لا عام إلا وتحته عام آخر، وإذا كان كذلك كان التقسيمات الممكنة غير متناهية، والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال.

الثاني: أن أهل اللسان يستقبحون مثل هذه الاستفهامات يعلم ذلك عنهم ضرورة، وإذا بطل هذان القسمان تعين كونهما للعموم، لا يقال إذا بطل كونها للخصوص أو للاشتراك فلا يلزم منه كونها للعموم لجوزنا أن لا تكون موضوعة لواحد منها؛ لأنا نقول هذا متفق على بطلانه فتعين الأخير وهو كونها للعموم، وإذا ثبت أن لفظة (من) موضوعه للعموم فلنرجع إلى ما نحن بصدده من الاستدلال بآيات الوعيد العامة والخاصة بهذه الأمة وغيرهم، فنقول: أحد ما يدل على ذلك هذه الآية التي نحن بصددها وهي قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:81] ووجه الاستدلال بها أن لفظ (بلى) إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله تعالى: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً }[البقرة:80] أي بلى تمسكم أبداً، ولما كانت السيئة متناولة للصغائر والكبائر بين سبحانه وتعالى أن المستحق لهذا الوعيد إنما هو من كانت سيئته محيطة به، والإحاطة حقيقة إنما تكون في الأجسام كما في إحاطة السور بالبلد، والثوب بالجسد، وذلك ممتنع هنا فتعين حملها على المجاز، فنقول: شبه إحباط المعاصي لثواب الطاعة بالشيء الساتر لغيره،المحيط به من جميع جوانبه، فأطلق عليه لفظ الإحباط، وهذا التشبيه إنما يتأتى في الكبائر لأنها الذي يحصل بها الإحباط، ووجه آخر وهو أنه شبه الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات بإحاطة عسكر العدو بالإنسان بحيث لا يمكنه التخلص، فكأنه قال: بلى من أحاطت كبيرته بطاعته فأولئك أصحاب النار.
فإن قيل: الآية نزلت في اليهود إذ هي رد لقولهم:{لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً }[البقرة:80].

قيل: الخطاب عام، والعام لا يقصر على سببه، ومن ادعى التخصيص فعليه الدليل، ومن جملة الآيات الواردة في هذا المعنى قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}[الجن:23] والعاصي اسم يتناول الفاسق والكافر، فيجب حمله عليه؛ إذ لو أراد أحدهما لبينه لما مر في المقدمات الأربع، فإن قيل: الآية واردة في الكفار بدليل قوله تعالى بعدها: {حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً}[الجن:24] إذ لا يكون هذا إلا مع الكفار.
قيل: بل يكون معه، ومع غيره بدليل قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ } إلى قوله: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ}[الطارق:5-10] والضمير للإنسان وهو عام؛ إذ كل فرد من أفراده مخلوق من ماءٍ دافق، خارج من بين الصلب والترائب، داخل تحت قدرة القوي القادر على كل شيء.
سلمنا فالآية كلام مستقل بنفسه لا يحتاج إلى ما بعده، فخصوص ما بعده لا يمنع من عمومه، وقد تقرر في الأصول أن خصوص آخر الآية أو الخبر لا يمنع من عموم أوله حيث كان مستقلاً بنفسه، ونظيره قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ}[البقرة:228]، فإنه عام للبائنة والرجعية، ثم ذكر في آخر الآية حكماً خاصاً بالرجعيات وهو قوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ }[البقرة:228] ولم يكن قادحاً في عموم أولها، فكذلك هنا، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا...}[النساء:93] الآية، ودلالتها واضحة إذ أخبر أن ذلك جزاؤه.
قالوا: الآية إنما تدل على استحقاقه للجزاء، والاستحقاق لا يوجب وقوع المستحق،والكلام إنما هو في وقوعه.

قلنا: خلاف ما يقتضيه ظاهرها، سلمنا فلا نسلم أن الاستحقاق لا يوجب الوقوع؛ إذ تجويز عدم الوقوع فضلاً عن القطع به يستلزم الإغراء بالمعاصي وهو قبيح، فيجب القطع بوقوعه لذلك، وقد قال تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }[النساء:123].
قالوا: تقدير الآية: فجزاؤه جهنم إن جازاه.
قلنا: هذا التقدير لا دليل عليه، ولا ملجئ إليه فوجب القطع بعدمه.
قالوا: الآية ليست على ظاهرها، وإلا لوقعت المجازاة عقيب القتل إذ الفاء للتعقيب، وإذا كان لا بد من التأويل والتجويز فلستم بأولى منا بذلك، فقولكم: أنه محمول على أنه يجازى به في الآخرة ليس بأولى من قولنا أنه محمول على الاستحقاق، أو على شرط مقدركما مر.
قلنا: قد تقرر أن الكلام إذا لم يمكن حمله على الحقيقة وجب حمله على أقرب المجازين منها؛ لأن الأبعد منهما مع الأقرب كالمجاز مع الحقيقة، فكما لا يجوز حمله على المجاز مع إمكان الحقيقة فلا يجوز حمله على أبعد المجازين مع إمكان الأقرب، وقد قررنا هذه القاعدة في الباب الثاني من فاتحة الكتاب، وحمل الجزاء في الآية على أنه سيجازى في الآخرة أقرب من حمله على الاستحقاق، أو على شرط مقدر؛ لأن في تأويلنا موافقة للظاهر في أنه واقع لا محالة، وفي أن وقوعه مسقبل بالنظر إلى وقوع المعصية،والفاء تقتضي وقوعه في المستقبل إلا أنه بلا مهلة، والتأويل فيه بمهلة، ولا شك أنه أقرب إلى الحقيقة لاشتراكها في الاستقبال، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }[الدخان:74] والمجرم يتناول الفاسق والكافر لغة لأنهم لا يفرقون بين قولهم مذنب ومجرم، والمذنب يشملهما جميعاً فكذا المجرم، وشرعاً كذلك؛ إذ لا فرق عند أهل الشرع بين قولنا مجرم بالزنا، ومذنب بالزنا.

قالوا: الآية في الكفار لقوله في آخرها: {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ}[الدخان:75] وقوله بعدها: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ }[الدخان:80] وهذا لايتأتى إلا في الكافر.
قلنا: بل يتأتى فيهما سلمنا.
قوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ...}[الدخان:74] الآية كلام تام مستقل بنفسه فدخول التخصيص في آخره، لا يمنع عمومه كما مر.
قالوا: الآية ليست على ظاهرها، وإلا لزم وقوع العقاب في الحال؛ لأن كلمة (إن) لتحقيق الخبر في الحال، والمعلوم أنه لا يقع في الحال، وحينئذِ فلا بد من التأويل ولستم بأولى به منا فنحمله على الاستحقاق.
قلنا: إن كما ترد لتحقيق الحال فقد ترد لتحقيق الخبر في المستقبل، بل تحقيقه في المستقبل أحوج إلى التحقيق في الحال؛ لأن العلم بوقوعه يغني عن التأكيد بها، ويدل على ورودها للتحقيق في المستقبل قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }[النحل:124] ثم إن في الآية لفظ الخلود، وهو ينافي ظهورها في تحقيق الخبر في الحال، ويصرف عنه قوله فنحمله على الاستحقاق.
قلنا: ممنوع لما مر من أنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة عدل إلى أقرب المجازين منها، والحمل على وقوع العذاب في المستقبل أقرب إلى الحال من الاستحقاق لاشتراكهما في الوقوع، لا سيما مع نصب القرينة المعينة للمجاز الأقرب وهو ذكر الخلود، هذا على فرض كون كلمة (إن) ليست حقيقة في المستقبل، كيف وقد بينا استعمالها فيه كالحال، ومن ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ}[النساء:123] ودلالة هذه الآية على نفي الإرجاء قطعية؛ لأنها نزلت رداً على من أرجأ من المسلمين واليهود.

قال الإمام المهدي: سبب نزولها أن جماعة من المسلمين واليهود تذاكروا في أمر العقاب فادعى كل فريق منهم أن الله تعالى يهب مسيئهم لمحسنهم ويعفو عنه، فنزلت رداً عليهم، وأخبرهم أن رجاءهم العفو عن معاصيهم إنما هو أماني باطلة لا برهان عليها، ثم أكد ذلك بقوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } أي لا بد من الجزاء للعاصي منكم أيها المسلمون، ومن أهل الكتاب، وهذه الآية كما قال الإمام عليه السَّلام صريحة في نفي الإرجاء لا تقبل التأويل، ولا تحتمل التخصيص بآيات الوعد كما تحتمل غيرها؛ لأن في تخصيصها نقضاً لما سيقت له من الرد على من أرجى من المسلمين واليهود.
قال النجري: وكذا كل عام لا يصح أن يخص بخروج سببه؛ إذ يلزم منه التناقض لأن تناوله بسببه قطعي فلا يصح إخراجه منه.
قلت: وبما ذكر في سبب نزولها يبطل ما رواه البغوي عن عائشة من أن المراد يجزى به في الدنيا، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا}[النساء:14] والآية وردت في فساق أهل الصلاة بالاتفاق لأنها نزلت في المواريث وبيان حدودها، ثم توعد من يعصيه في تلك الحدود بإدخاله النار، ويدل على أن الوعيد ورد على المعصية فيها قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ }[البقرة:229] ولا شبهة في أن المراد الحدود المذكورة.
قال القرشي: قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ }[البقرة:229] إشارة إلى حدود محصورة، فقوله عقيب ذلك: { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ }[البقرة:229] يجب أن يصرف إليها.

قلت: ولو سلم العموم فدخول صورة السبب مقطوع به كما مر، ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} إلى قوله: {وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[الإنفال:15،16] وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ }[النساء:29] إلى قوله: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً}[النساء:30] ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }[الانفطار:14] وقد تقدم بيان وجه الاستدلال بها في الشفاعة، وقوله تعالى: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً }[مريم:72] وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}[النساء:10] وهي عامة لأهل الصلاة وغيرهم، ومن ذلك الآيات الواردة في أهل الإفك، وهي خاصة بأهل الصلاة قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور:11] ثم قال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور:14] ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ}[النور:19] ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ

الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النور:23].
ولنقتصر في هذا الموضع على هذا القدر من الآيات فبدونها يثبت المطلوب، والاستقصاء على سائر الآيات الكريمة سيأتي في مواضعها إن شاء الله، وقد أورد على هذه البراهين القاطعة اعتراضات:
الاعتراض الأول: منع كون هذه الألفاظ للعموم، وتمسكوا بشبه قد ذكرناها وجوابها في الثانية من مسائل قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ...}[البقرة:20] الآية، وقد مر أيضاً في مواضع بيان بعض ألفاظ العموم، والاستدلال على اقتضائها ذلك، وما لم يتقدم له ذكر فدليله كدليل غيره من التبادر، وصحة الاستثناء ونحوهما، ولو سلم في بعضها أنه لا يقتضي العموم فلنا أن نستدل به من وجهين آخرين:
أحدهما: أنه قد ثبت أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بأن ذلك الوصف علة فنحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً ...}[النساء:10] الآية يفيد أنهم آكلون لأموال اليتامى على جهة الظلم علة في أكلهم النار، وصليهم السعير، وهكذا يقال في سائر الآيات، ويكون هذا وجه آخر في الاستدلال بها مع ما يقتضيه عمومها.
الوجه الثاني: أن إجماع المسلمين منعقد على أن هذه الآيات وردت زجراً عن المعاصي المذكورة، ولا يكون كذلك إلا إذا تناولت فاعلها.
الاعتراض الثاني: أن من أصول كثير من أصحابكم أن دلالة العموم على ما تناولته ظنية، والآيات المذكورة إنما هي عمومات، فكيف قطعتم بوصول العقاب إلى الفاسق ولم تخصصوها بالأخبار المروية في سلامته وإن كانت آحادية.

والجواب: أنا لا نسلم أن دلالة العموم ظنية لما مر من تقرير المقدمات الأربع، سلمنا فقال الإمام المهدي في جواب هذا الاعتراض: ليس طريق القطع بوصول عقاب الفاسق مجرد العموم، بل كون الوعد والوعيد إخباراً، وقد علمنا وضع ألفاظ العموم للشمول إلا لمخصص فحيث لم نجد المخصص وجب القطع بشمولها، وإلا كان الخبر كذباً وهو لا يجوز على الله تعالى، والحاصل أنا نسلم أن دلالة العموم على كل واحد من أفراده ليست قطعية لاحتمال إرادة البعض لصلاحية الصيغة للكل وللبعض مع القرينة، فليست دلالته قطعية من جهة الوضع لألفاظه، بخلاف النصوص الصريحة فإنا نقطع بتناولها ما وضع له بمجرد اللفظ، والعموم لا يكتفي في القطع بتناوله بذلك، بل لا بد من البحث عن المخصص فإن وجد عمل بمقتضاه وإلا قطعنا بالشمول إن قطعنا بفقد المخصص، أو ظنناه إن ظننا فقد المخصص، فيحصل من هذا أن السامع للعموم لا يقطع بشموله إلا بعد القطع بفقد المخصص.
قال عليه السَّلام : فهذا مراد أصحابنا بقولهم أن دلالته ظنية.
الاعتراض الثالث: أنكم قد أخرجتم التائب وصاحب الصغيرة من هذه العمومات وقلتم إن هذا الوعيد مشروط بأن لا يكون العاصي قد تاب، أو تكون معصيته صغيرة، أو تكون طاعاته أكثر من معاصيه، فلم منعتم قولنا بجواز التفضل بالعفو عن المسيء وإسقاط عقابه، وهو قول البصرية من أصحابكم، وعلى هذا فلا يمكن القطع بدخول أصحاب الكبائر تحت هذه العمومات، وأنهم يعاقبون لا محالة.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذه الشروط التي ذكرناها قد دل عليها العقل كما مر في مسألة التوبة، والإحباط، والتكفير، وما اشترطه العقل فهو في حكم الملفوظ به، ودل عليها السمع أيضاً قال تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَابَ }[الفرقان:70]{ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ }[النساء:31] ونحوها، بخلاف ما ذكرتم فإنه لا دليل عليه فتوجه نفيه.

الثاني: أن القديم تعالى إذا توعد العصاة بالعقاب فإنما يتوعدهم بالعقاب الحسن، ولا يحسن عقاب التائب وصاحب الصغيرة، ومن زادت طاعته على معاصيه، بخلاف صاحب الكبيرة فإن عقابه حسن، وجواز التفضل بإسقاطه يخرجه عن كونه حسناً، فالفرق واضح بينه وبين من ذكرنا خروجه.
الثالث: أن فيما ذكرتم إخلاء كلام الله تعالى عن الفائدة وذلك لا يجوز.
الرابع: أن هذا لو أوجب التوقف في وعيد الفساق لأوجبه في وعيد الكفار لحسن التفضل في كل من الفريقين، ومن توقف في وعيد الكفار فقد انسلخ من الدين، وكل قول يؤدي إلى هذا وجب القطع ببطلانه، فإن قيل: إنما قطعنا بوعيد الكفار لأنه معلوم من ضرورة الدين، وليس هكذا وعيد الفساق.
قيل: هذا يزيد الإلزام تأكيداً لأنا ألزمناكم على مقالتكم التوقف في أمر مقطوع به لحصول ما جعلتموه علة في التوقف على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجوز مثل ما جوزتموه في هذه الآيات، فمن أين علم أن وعيد الكفار مقطوع به، فإن قالوا:اضطر إلى قصد جبريل نقلنا الكلام معهم إليه فقلنا: كيف علم جبريل ذلك؟ فإن قالوا اضطر إلى قصد الله تعالى.
قلنا: ممنوع مع بقاء التكليف، وكيف يعلم قصده تعالى ضرورة وهو لا يعلم ذاته جل وعلى إلا دلالة.
قالوا: علمه جبريل؛ لأن الله تعالى زاد الكلام تأكيداً حتى قطع بالمراد لأجل ذلك التأكيد.
قلنا: التأكيد معرض للاحتمال، فيكف يمكن ذلك وهذا لا محيص للمرجئة منه، على أنه لو فرض أن الأمر كما قلتم فلم نقطع بعذاب الفاسق لأجل التخويف والزجر.
قال القرشي: بل لأن العفو يكشف كون هذه الأخبار كذباً إن كان أراد ظواهرها، وإلغازاً وتعمية إن أراد غير ظاهرها ولم يدل عليه، وعبثاً إن لم يرد شيئاً أصلاً.

310 / 329
ع
En
A+
A-