قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[البقرة: 75] يدل على أن العالم المعاند أبعد من الرشد، وأقرب إلى الإياس من رشده لمكابرته الحق بعد العلم به، وفيه دلالة على أن كلام الله تعالى هو ما بأيدي الخلق الجاري على ألسنتهم المكتوب في دفاترهم، إذ لم يسمعوا إلا ذلك ولم يتعلق التحريف إلا به، وتدل على أن الإيمان من قبلهم، وإلا لما تغير حال الطمع فيهم بسبب تحريف فريق منهم، ولما كان تسلية لرسول صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين؛ لأنه لو كان من فعل الله لتوقف حصوله على خلقه فيهم، وزواله على عدم خلقه فيهم لا على تحريف بعضهم، ويدل على ذلك أيضاً ما تضمنته الآية من التقريع والتوبيخ من حيث أنهم فعلوه وهم يعلمون صحته، ولو كان يخلق فيهم لاستوى حال علمهم وعدمه.
[البقرة: 79]
* قبح الجزم بلا دليل عقلي أو سمعي.
* نفي الكذب على الله تعالى.
* دلالة الآية على خلود أهل الكبائر].
* قبح القول بلا دليل.
* دلالة الآية لنفاة النفاس.
قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ}[البقرة:79] هذا نص في أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي حرام؛ إذ لم تفصل الآية، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى مستوفى في قوله تعالى: {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}.
قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 80] المس: الإصابة أي لن تصيبنا النار إلا أياماً معدودة، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى[قبح الجزم بلا دليل عقلي أو سمعي]
أنها تدل على قبح الجزم بوقوع ما لا دليل عليه من عقل ولا سمع؛ لأن اليهود قطعوا بأن الله لا يعذبهم في النار إلا أياماً قليلة، ولم يكن لمقالتهم هذه مستند، فوبخهم الله وأنكر مقالتهم هذه، وذلك أن قولهم هذا إن كانت طريقهم إليه من العقل، فالعقل إنما يدل على أن العاصي يستحق من الله تعالى العقاب الدائم كما مر في الثالثة عشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] وإن كان طريقهم إليه السمع، فلم يوجد، وقد نص الله على نفيها بقوله:{قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً }[البقرة:80].
المسألة الثانية[نفي الكذب عن الله تعالى]
قوله تعالى:{فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ }[البقرة:80] يدل على أن الله تعالى منزه عن الكذب،وهذا متفق عليه بين العدلية والأشعرية وإن اختلفوا في التعليل،فعندنا أن علة ذلك أنه تعالى عالم بقبح القبيح وغني عنه، وعالم باستغنائه عنه،ومن كان بهذه الصفة لا يجوز منه فعل القبيح، والكذب قبيح لأنه كذب فلا يجوز من الله فعله.
وعند الأشعرية: أن العلة هي كون الكذب صفة نقص، والنقص على الله تعالى محال.
نعم،والعهد هنا قيل هو الوعد، وعليه فقد يقال تخصيصه بالذكر على نفي ما عداه،فيؤخذ منه جواز الخلف في الوعيد والعقل يطابقه؛ لأن الخلف في الوعد لؤم، وفي الوعيد كرم.
وجوابه: أن الدليل المذكور قاض بقبح جميع أنواع الكذب، وقد تقدم البحث في هذا في الفاتحة.
المسألة الثالثة [دلالة الآية على خلود أهل الكبائر]
قال أبو علي: في الآية دليل على أن الله تعالى لم يكن وعد موسى ولا من بعده من الأنبياء بخروج أهل الكبائر من النار، وإلا لما أنكر على اليهود مقالتهم هذه.
قلت: ودلالتها على هذا واضحة؛ لأنه تعالى أنكر مقالتهم هذه، ودل على أنه لم يكن بذلك منه عهد، ونص على أنهم قالوا ذلك لا عن علم.
قال أبو علي: وإذا ثبت أنه ما دلهم، وثبت أنه قد دلهم على وعيد العصاة إذا كان في ذلك زجر لهم عن الذنوب فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة، ولا يجوز اختلاف الحكم مع اتحاد قدر المعصية لمنافاته العدل، واعترضه الرازي فقال: لا ملازمة بين كونه وعد موسى بخروج أهل الكبائر وعدم إنكاره على اليهود، فلا مانع من أن يعده بخروجهم، وينكر على اليهود قولهم.
قلنا: لو كان قد وعده بخروجهم لكانت مقالة اليهود حقاً فلا يحسن إنكارها، وهذا معنى الملازمة.
قال: وقد دل الشرع على عدم الملازمة بين ذلك من وجوه:
أحدها: أن يقال يجوز أن يكون الله إنما أنكر عليهم لأنهم قالوا أيام العذاب،لأن قوله:{أَيَّاماً مَعْدُودَةً }[البقرة:80] يفيد ذلك، وقد روي أنهم قالوا يعذب سبعة أيام،عدد أيام الدنيا سبعة آلاف لكل ألف يوم،أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والواحدي عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد عن مجاهد.
والجواب: أن هذا خلاف الظاهر، فإن ظاهر الآية سيما مع قوله تعالى بعدها: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}[البقرة: 81] يقتضي أنه أنكر عليهم دعوى الخروج مطلقاً، وقد صرح به ابن عباس في تلك الرواية فإنه قال في آخرها حاكياً عن اليهود أنهم قالوا إنما هي سبعة أيام معدودات ثم ينقطع العذاب فأنزل الله في ذلك: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ }[البقرة:80] إلى قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة:81] وهذا نص في أن الإنكار وقع لدعواهم الخروج، وإلا لما كان لذكر الخلود في الرد عليهم معنى، وقد جاء في ذلك روايات فأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والواحدي عن ابن عباس قال: وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا لن يعذب أهل النار إلا قدر أربعين، فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار فصاروا فيها حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعهودة فقال لهم خزنة النار يا أعداء الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة فقد انقضى العدد، وبقي الأبد، فيأخذون في الصعود يرهقون على وجوههم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وسموا أربعين يوماً ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورد يده على رؤوسهم: ((كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله أبداً)) ففيهم أنزلت هذه الآية: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً}[البقرة:80] يعنون أربعين ليلة.
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لليهود: ((أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزل الله على موسى يوم طور سيناء من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة؟ قالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة فنمكث في النار أربعين ليلة ثم نخرج فتخلفونا فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبداً )) فنزل القرآن تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتكذيباً لقولهم: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ...}[البقرة:80] إلى قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة:81].
وأخرج أحمد، والبخاري، والدارمي، والنسائي، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: لما فتحت خيبر... وذكر حديثاً وفي آخره: فقال لهم -يعني اليهود- من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((اخسؤوا والله لا نخلفكم فيها أبداً )).
الوجه الثاني: أن المرجئة إنما يقطعون بالعفو في الجملة لا في حق الشخص المعين، وهؤلاء جزموا بالخروج في حق أنفسهم وهم معينون، فكان الإنكار عليهم لذلك.
والجواب: أن قوله {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[البقرة: 81] وما في معناه يأبى ذلك.
الوجه الثالث: أنهم كانوا كفاراً، وعندنا أن عذاب الكافر دائم لا ينقطع، فكان الإنكار عليهم لقولهم بخروج الكافرين من النار.
والجواب: أن الله تعالى رد قولهم بما يعم الكافر والفاسق فقال: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:81] ولو كان الإنكار لما ذكرتم فقط لم يحسن الجواب بهذا، ولوجب أن يقول: بلى من كفر وأحاط به كفره لئلا يوقع في اللبس، لا يقال هذا في إطلاق العام مراداً به الخاص، وأنتم تجوزونه؛ لأنا نقول إنما نجوزه مع نص القرينة على إرادة الخاص، لا يقال القرينة موجودة وهي أدلة العفو عن عصاة الأمة إما قبل دخولهم النار، أو بعد دخولهم؛ لأنا نقول لا دليل على ذلك، وما تزعمونه دليلاً فسيأتي الجواب عليه في الآية التي بعد هذه.
اعتراض آخر ذكره الرازي وهو أنه لو سلم أنه ما وعد موسى بإخراج أهل الكبائر من النار، فلا يلزم منه أنه لا يخرجهم لجواز أن يخرجهم وإن لم يكن منه وعد لموسى.
وجوابه: أن المعتمد في ذلك إنكاره عليهم دعوى الخروج، وهذا لا شك أنه يلزم منه عدم خروجهم من النار؛ إذ لو كان ذلك واقعاً لم يحسن الإنكار على مدعيه.
المسألة الرابعة [قبح القول بلا دليل]
قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }[البقرة:80] يدل على قبح القول بغير دليل، وعلى أنه باطل، ومثله قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }[الإسراء:36] ومن دعاء زين العابدين: (وأعوذ بك أن أقول في العلم بغير علم) وقد كرر الله في القرآن المطالبة بالحجة بنحو: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا }[يونس:68] ويدل على أن ما يجوز وجوده وعدمه عقلاًلم يجز المصير إلى النفي أو الإثبات إلا بدليل سمعي.
قلت: أو بالرجوع إلى البراءة الأصلية.
المسألة الخامسة [دلالة الآية لنفاة القياس]
تمسك المانعون من العمل بالقياس وخبر الواحد بهذه الآية؛ إذ تضمنت الذم على العمل بغير علم، وهما لا يفيدان العلم.
والجواب: أن الدليل المفيد للعلم قد دل على وجوب العمل بهما فكان وجوب العمل بهما معلوماً، وكونهما لا يفيدان إلا الظن في جزئيات المسائل لا يقدح في ذلك كالعمل بظاهر الكتاب.