المسألة الثانية [جواز التكليف مع الإلجاء]
قد يتمسك بالآية على جواز التكليف مع الإلجاء؛ لأن رفع الجبل فوقهم يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان، ولا مأخذ فيها؛ لأنه لا إلجاء في ذلك إذ أكثر ما فيه التخويف خوف سقوطه عليهم، لكن لما استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا ارتفاع السموات بلا عماد جاز أن يرتفع الخوف، فيزول الإلجاء، ويبقى التكليف.

المسألة الثالثة [في دلالة الآية على أن الاستطاعة قبل التكليف]
في قوله: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ }[البقرة:63] دليل على أن الاستطاعة متقدمة على الفعل؛ إذ لا يجوز أن يقال خذ هذا بقوة ولا قوة، كما لا يجوز أن يقال: اكتب بالقلم ولا قلم، والقول بأن القوة هنا بمعنى العزيمة تعسف، وخروج عن الظاهر بلا دليل.

[البقرة: 67-71]
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، 0قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}[البقرة: 67-71] الفارض: المسن التي انقطعت ولادتها من الكبر،وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها،والبكر:الفتية، والعوان: النصف وهي التي ولدت بطناً أو بطنين،والفقوع:أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه، والذلول: الريض الذي زالت صعوبته يعني لم تذلل لأثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الزرع، والشِّيَة:اللمعة المخالفة للون،ومنه ثور موشى القوائم، والمعنى لا لمعة فيها من لون آخر سوى الصفرة، فهي صفراء كلها، وفي هذه الجملة مسائل:

المسألة الأولى [الدلالة على قبح الاستهزاء]
في قوله: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }[البقرة:67] دليل على قبح الاستهزاء، وأنه من صفات أهل الجهل، ولهذا أقامه مقام قوله: أن أكون من المستهزئين، وفي ذلك أيضاً دليل على قبح الجهل، وقبحه معلوم.
قالوا: والجهل بسيط ومركب، والبسيط عام وخاص، فالعام: عدم العلم بشيء من المعلومات، والخاص: عدم العلم ببعض المعلومات، والمركب: أن يجهل ويجهل أنه يجهل، فالعام والمركب لا يوصف بهما من له بعض علم.

المسألة الثانية [جواز النسخ]
في الآية دليل على جواز النسخ بعد التمكن قبل الفعل، ولا خلاف في ذلك، والاستدلال بها مبني على أن الزيادة في الأوصاف والشرائط نسخ للمزيد عليه وفيه خلاف، وفيها حجة على وقوع النسخ في شريعة موسى عليه السَّلام .

المسألة الثالثة [جواز الاجتهاد]
احتج العلماء بقوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ }[البقرة: 68] على جواز الاجتهاد، والعمل بغالب الظن في الأحكام؛ إذ لا طريق إلى كونها كذلك إلا الظن.

المسألة الرابعة [دلالة الآية على أن اللون شيء]
في قوله: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا }[البقرة: 69] دليل على أن اللون شيء، وأنه يدرك بحاسة البصر، أما دلالته على أنه شيء؛ فلأن الله تعالى عرفهم بذاتها، وبجميع صفاتها ومن جملتها لونها، فدل على أنه شيء وإلا لما حصل به التعريف، ومما يدل على ذلك أنا نرى الشعر أسوداً، ثم نراه أبيضاً وعينه قائمة، وذلك يوجب كون السواد شيئاً والبياض شيئاً، وأنهما ضدان يبطل أحدهما عند حضور الآخر، والعدم لا يكون ضداً لغيره يبطله، ولا يجوز أن يقال فيه إنه يحدث ويبطل؛ لأنه نفي محض لا تتعلق به قدرة وإنما تتعلق بالمعدوم، وأما دلالتها على أنه مرئي فلأن بني إسرائيل لو لم يروا لون البقرة لما زالت عنهم الشبهة، ولبقيت الجهالات، ولما فرقوا بين الصفرة وغيرها من الألوان، والمعلوم خلاف ذلك.
قال الإمام أحمد بن سليمان: فلما وصفها الله بالصفرة وبالغ في صفتها بالفقاعة فلم يكونوا يبلغون إلى معرفة هذه الصفة إلا بالنظر صح أنها مرئية، ويكفي من هذا الاحتجاج أن الأعمى لو لمس البقرة لما عرف لونها ولا أمكنه وصف شيء بلونه، وكذلك من لا يرى اللون لا يمكنه وصف شيء بلونه؛ إذ لا يعرف بشيء من الحواس غير البصر، وإذا كان لا يعرف بغيره صح أنه مرئي، على أن القول برؤية الألوان مجمع عليه. ذكره في الحقائق، ولا خلاف فيه إلا عن نفاة الأعراض فإنها عندهم أجسام لا ينكرون رؤيتها.

المسألة الخامسة [الجواب على شبهة المجبرة بأن الله يأمر بما لا يريد]
تمسكت المجبرة بقوله: {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} على أن الله تعالى قد يأمر بما لا يريد، وإلا لما بقي لقولهم إن شاء الله فائدة.
والجواب عن هذا قد مر في الرابعة من مسائل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ...}[البقرة: 26] الآية.
واحتج أهل العدل بذلك على أن إرادة الله محدثة لدخول كلمة (إن) على قوله إن شاء الله، وهي تدل على الحدوث، ولأنه علق حصول الاهتداء على مشيئته تعالى، والاهتداء ليس بأزلي، فكذلك مشيئة الاهتداء لا تكون أزلية؛ لأنها لو كانت أزلية لوجب كون الاهتداء أزلياً، وهو باطل اتفاقاً.

المسألة السادسة [دلالة الأمر في الآية]
في الآية دليل على أن الأمر للوجوب؛ لأنه لم يوجد إلا مجرد الأمر، وقد ذمهم الله على التثاقل والتكاسل، والظاهرأن الذم إنما كان على ترك الذبح المأمور به لا لغيره، وفيها دليل على أن الأمر للفور؛ لأنه ذمهم على التثاقل فلهذا قال: {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}[البقرة:71] وقد يقال إنما ذمهم على التثاقل لأنهم قد علموا الفورية بقرينة خارجية وهي أن الغرض من المأمور به إزالة شر وفتنة، ودفع ضررهما واجب، وذلك مما تجب المسارعة إليه. والله أعلم.
قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[البقرة: 73] فيه دليل على البعث؛ إذ المعنى لعلكم تعلمون على قضية عقولكم، وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص والفارق، والحكمة في توقف الإحياء على ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن كان قادراً على ذلك بلا واسطة ما في ذبح البقرة من التقرب إلى الله، وأداء التكليف واكتساب الثواب، والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم والآخرين في ترك التشديد، والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش، وتكثير سؤال، وغير ذلك، وفيه دليل على صحة الاستدلال بالقياس العقلي، وقد تقدمت الإشارة إليه في قوله: {وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }[البقرة:4].

قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}[البقرة: 74] هذا خرج مخرج الذم،ومعناه استبعاد وقوع القسوة منهم من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها عبر عن نبؤ القلوب عن الاعتبار، وأن المواعظ لا تؤثر فيها بالقسوة الشديدة، مبالغة في وصف هذه القلوب بعدم الانقياد والقبول لأوامر الله، وهذا يدل على أن دوامهم على العناد والكفر واقع باختيارهم، وإلا لما حسن ذمهم عليه، ولكانت لهم الحجة على من خاطبهم بهذا الكلام؛ إذ كانوا يقولون إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة، والخالق في الحجارة انفجار الأنهار قادر على أن يخلق فينا الإيمان، فلما لم يفعل ذلك كان عذرنا واضح، فتكون الحجة لهم بهذا الاعتبار. والله الموفق.
قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[البقرة: 74] فيه وعيد شديد، وزجر عن مخالفة أوامر الله وارتكاب مناهيه وتهديد، وظاهره يدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه ليس بغافل، ومنعه القاضي لإيهامه جواز الغفلة عليه تعالى.
وأجيب بأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه بدليل قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}[البقرة:255] وهو يطعم ولا يطعم، وقد يقال هذا استدلال بمحل النزاع فإن قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }[البقرة: 255] مثل قوله: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[البقرة: 74] ولا نزاع في إن إطلاق ذلك جائز من الله تعالى، وإنما الخلاف في جواز إطلاقنا عليه ما أطلقه على نفسه مما فيه إيهام، فمنعه بعضهم، وجوزه آخرون، وقد تقدم لنا بحث في هذا في قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً }[البقرة: 26].

307 / 329
ع
En
A+
A-