قال: ثم إنا نبطل ما قالوه بأنه لو صح حصول هذه المعاني من غير بنية لجوزنا في أجزاء الحجر ونحوها أن تكون حية قادرة عالمة مدركة مكلفة، فإن قالوا ذلك جائز ولكن علم أنه غير واقع للعادة ظهر عنادهم، ويقال لعله واقع ولكن لم يدرك لأن الله تعالى لم يخلق الإدراك فيكم، وأيضاً لو لم تحتج هذه المعاني إلى البنية لزم أن يكون القادر منا هو محل القدرة دون الجملة، وكذلك العالم وسائر الصفات، وقد التزمه الأشعري مكابرة، ويلزم أن لا ترجع الأحكام إلى الجملة فيكون المستحق للجلد هو اللسان لأنه القاذف، وكذلك الزنا ونحوه ويلزم أن يكون الواحد منا بمنزلة أحياء قادرين ضم بعضهم إلى بعض فلا يصح الفعل لداع واحد، ومن التزم هذا فهو مكابر لا يناظر.
هذا تلخيص كلامه رحمه الله.
الأصل الثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكمه.
قال أبو الحسين: وهو ضروري، وقواه القرشي؛ لأنا نبادر إلى تكذيب من أخبرنا أنه رأى شيئاً ليس كذلك كما نكذب من أخبرنا أنه رأى جسماً غير متحرك ولا ساكن، والأشاعرة محمولون إما على جحد الضرورة، أو على أن في الضروريات ما يجوز اختلاف العقلاء فيه كالعلم بأن هذا زيد الذي شاهدناه أمس ونحو ذلك مما لا يعد من كمال العقل، وإما لأنهم علموه ضرورة ولم يعلموا بعلمهم لتمكن عقائدهم وتنميق علمائهم للعبارات في حكاية مذاهبهم، ولهم مداخل وصناعة قوية في التمويه وزخرفة القول.
هذا وأما غير أبي الحسين فاستدلوا بأنا وجدنا الإدراك يدور على ذلك ثبوتاً وانتفاء.
الأصل الثالث: أن الله تعالى ليس كذلك أي ليس مقابلاً ولا في حكمه، وقد تقدم الكلام عليه في مسألة نفي التشبيه، وقد أورد على هذا الدليل اعتراضات:
الاعتراض الأول: أن هذا منتقض بإدراك الباري تعالى للمدركات وليست مقابلة ولا في حكم المقابلة، فإذا صح منه ذلك من دون مقابلة صح منا من دونها فنراه وإن لم يكن ثم مقابلة.

الجواب: أن هذا جمع من غير علة، ثم إنا قد احترزنا عن ذلك بقولنا إن الرائي بالحاسة... إلخ والباري تعالى ليس بذي حاسة فصح منه أنه يرى ما ليس مقابلاً، لا يقال لا نسلم أن الرؤية بالحاسة هي العلة في اشتراط المقابلة لجواز أن تكون العلة في ذلك كون الرائي والمرئي متحيزين فوجب تحاذيهما وإذا فقد التحيز في أحدهما انتفت العلة، فلا تشترط المقابلة لأنا نقول تلك العلة لا دليل عليها، وعلتنا قد ثبتت إما بالضرورة، أو بالدوران كما مر، والتجويز لا يقاوم الظن فضلاً عن العلم، وقال القرشي في جواب هذا السؤل: إن العقول إنما قضت بوجوب المقابلة من حيث أن الرائي جسم، ويستحيل أن يكون الجسم رائياً وليس بمقابل له والله تعالى ليس بجسم فيرى لا بمقابلة، بخلاف رؤية أحدنا لأن الرؤية أمر صادر من جهة الرائي، فإذا كان في جهة استحال أن تصدر الرؤية منه إلا إلى ما يقابل تلك الجهة، أو يكون في حكم المقابل لها، وإذا لم يكن الرائي في جهة صح أن يرى ما ليس بمقابل لأنه لا يعقل أن يكون مقابلاً، يزيده وضوحاً أن الله يرى الأشياء في جهاتها.
الاعتراض الثاني: من الجائز أن تكون المقابلة ونحوها بمجرى العادة أي أجرى الله العادة أنا لا نرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكمه، وإذا كان بمجرى العادة جاز خلافه فيجوز أن يخلق الله فينا رؤية الأجسام والألوان من دون مقابلة، وإذا جاز ذلك فلا مانع من رؤية الباري تعالى من دون مقابلة.

الجواب: أن ذلك مكابرة، ثم إن الأمور العادية يجب تخلفها كما مر، والمعلوم أن هذا الشرط لم يتخلف ولو جوزنا ذلك لا نفتح باب الجهالة ومخالفة ما علمت بالضرورة فيه الاستحالة فيجوز أن يكون تحيز الأجسام عند وجودها بالعادة، فيصح تجويز جسم غير متحيز، وأن يجعل الجسم متحيز آمن دون وجود؛ لأن الوجود شرط عادي، وأن يكون اشتراط الحياة في العلم والقدرة عادياً، فيجوز أن يوجد قادر عالم بحي، وكذلك منافاة الأضداد، فيلزم جواز اجتماعها، وهذه اللوازم كلها إنما يلزم على تجويز كون هذه الأشياء بطريق العادة، وليس ذلك بأبعد من تجويز رؤية لا بمقابله ولا في حكمها.
الاعتراض الثالث: أن المقابلة إنما هي شرط في رؤية المحدثات فلا يصح منا أن نرى منها إلا ما كان كذلك وليست شرطاً في صحة رؤيتنا للباري سبحانه.
الجواب: أنا قد بينا أن العقول تخيل لا بمقابلة ولا نحوها، فمن جوز رؤية الباري لزمه تجويز المقابلة، ومن أحال ذلك فقد أحال الرؤية، ولا يجوز انفصال أحدهما عن الآخر، ويلزم القول بجواز أن يكون اللهت جسماً متحيزاً لا في جهة؛ لأن الجهة إنما تجوز على المحدثات لا يقال كونه جسماً يستلزم الجهة؛ لأنا نقول وكونه مرئياً يستلزم المقابلة أو ما في حكمها.
فإن قيل: إنما خصصنا اشتراط المقابلة برؤيتنا للمحدثات دون رؤيتنا للباري تعالى لاختلاف الرؤيتين، فإن ماهية رؤية الغائب وهو الله تعالى إنما هو انكشاف تام، أي ينكشف لبعاده انكشاف القمر ليلة البدر، وأن يحصل لذات العبد بالنسبة إليه تعالى هذا الانكشاف فالمعبر عنه بالرؤية نسبته إلى ذاته المخصوصة جل وعلا، كنشبة لانكشاف المسمى بالانضار إلى سائر المنضرات ولانكشاف يكون على وقف المكشوف في الاختصاص بجهة وحيز وعدمه، هكذا في المواقف وشرحه.

قيل: النزاع إنما هو في الإدراك المعلوم إلا في الرؤية المخالفة لها بالحقيقة المسماة بالانشكاف التام عندكم إذ نقول بذلك وهو الذي نسميه علماً ضرورياً، وحينئذٍ يعود الخلاف لفظياً، لكن ظاهر صنيعكم في الرد والإيراد، وتقدير الاحتجاج يأبا ذلك.
الاعتراض الرابع: أن يقال قد صح العلم بالباري تعالى من دون مقابلة فيصح أن نراه كذلك.
الجواب: أن هذا قياس من دون جامع............، ولو كان حكمها واحد لصح إدراكنا المدركات مع حصول الموانع كما نعلمها مع حصولها، وأيضاً العلم يخالف الإدراك فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود، والقديم والمحدث، والإثبات والنفي، وبكل صفة، وحكم الإدراك لا يتعلق إلا ببعض الموجودات ولا قياس مع وجود الفارق هذا.
وأما الأدلة السمعية على نفي الرؤية فكثيرة، وستأتي في مواضعها إن شاء الله.
ومنها هذه الآية إذ لو كان سؤال الرية جائز لما نزلت بهم العقوبة وهي الصاعقة التي أخذتهم، كما لم ينزل بهم لما سألوا التنقل من طعام إلى طعام في قوله تعالى: {فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ }[البقرة:60].
قال أبو الحسين: ما ذكر الله تعالى سؤال الرؤية إلا استعظمه كما في هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم لمن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كقول أمم الأنبياء لن نؤمن ل بإحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة، ومثلها قوله تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ }إلى قوله:{فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ...}[النساء:153] الآية فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال، فإن قيل: أليس الله قد أجرى سؤال إنزال الكتب مجرى الرؤية في كون كل منهما عتواً فكما أن إنزال الكتب غير ممتنع في نفسه وكذلك الرؤية.

قيل: الظاهر يقتضي امتناعهما مع ترك العمل به في إنزال الكتب لدليل، فيبقى معمولاً به في الرؤية، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً}[الفرقان: 21] فلو كانت الرؤية جائزة وهي عند مجوزيها من أعظم المنافع لم يكن سؤالها عتواً لأن من سأل الله نعمة في الدين أو في الدنيا لم يكن عاتياً، ويجري سؤالهم إياها مجرى من سأل معجزة زائدة.
قالوا: هذا كله راجع إلى معنى واحد، وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها منكراً، واعتمد في ذلك على ضرب الأمثلة بالانتقال من طعام إلى طعام وبزيادة المعجزة، ونقول: لم قلت لما كان طالب ذلك الممكن غير عات ولا فاعل منكر وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات ولم تعتمد في ذلك إلا على ما ضربته من الأمثلة، والاعتماد عليها في مثل هذا الموضع لا يليق بأهل العلم كيف والله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً بالاتفاق، وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين، وهذا يدل على أن هذه الصفة ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً، وحينئذ فيقال السبب في استعظام سؤال الرؤية إما لكونها لا تحصل إلا في الآخرة فكان سؤالها في الدنيا مستنكراً،أو لأنه لو رؤى الله في الدنيا لزال التكليف بالمعرفة؛ لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري وهو ينافي التكليف، أو لأنه قد ثبت صدق المدعي للرسالة بالدليل، فكان طلب الزيادة في الدلالة تعنتاً، والمتعنت يستحق الذم والتعنيف، أو لأن الله تعالى قد علم أن في منع الخلق عن رؤيته في الدنيا مصلحة فلذلك استنكر طلبها، كما أنه لما علم أن في إنزال الكتب والملائكة مفسدة استنكر طلبه.

والجواب: أن أبا الحسين لم يدع أن طالب كل ممكن لا يكون عاتياً، ولا ادعى أن كل ما استعظم سؤاله ووصف سائله بالعتو ونحوه يكون ممتنعاً لذاته، وإنما ادعى أن الظاهر فيما كان كذلك أنه ممتنع في نفسه إلا لدليل، وقد صرح بهذا في قوله ترك العمل به في إنزال الكتب لدليل، قوله: ولم تعتمد إلا على ضرب الأمثلة... إلخ.
قلنا: لم نعتمد عليها، وإنما ذكرناها لتصوير المسألة وتحقيقها، والاعتماد إنما هو على ما يقتضيه الظاهر.
قوله: لم قلت لما كان طالب ذلك الممكن غير عات... إلخ.
قلنا: لم نقل بوجوب كون طالب الممكن غير عات إذا ثبت قبحه عقلاً وشرعاً كما يفيده قوله ترك العمل به في إنزال الكتب لدليل، فإنه إنما أراد أنه ترك العمل بالظاهر في كون إنزال الكتب ممتنعاً لنفسه للدليل ولا دليل في الرؤية، فبقيت على الامتناع لذاته ولم يرد أن سؤال إنزال الكتب ليس من العتو لأن الظاهر التوبيخ عليه، وذلك يقتضي قبحه، ولعل وجهه أن في إنزال الملائكة والكتب المخطوطة مفسدة يعلمها الله تعالى، وقد نبه الله على ذلك بقوله: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً}[الإسراء: 95] فدل على أن في جعل الرسل من غير جنس المرسل إليهم مفسدة، ولهذا امتن الله على المؤمنين إذ جعل فيهم رسولاً من أنفسهم.
قوله: ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً... إلخ.
قلنا: مسلم فكانت ماذا؟
قوله: وهذا يدل على أن هذه الصفة ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً.

قلنا: ما أردت بالممتنع هل الممتنع لذاته أو الممتنع لوصفه؟ إذا أردت الأول فلم ندع أن الأمرين يعني إنزال الكتب والرؤية ممتنعان معاً للذات لقيام الدليل على إمكان إنزال الكتب، وإن أردت الثاني فلا نسلم أن إنزال الكتب غير ممتنع لما مر من بيان ما فيه من المفسدة، ولا يمتنع التوبيخ والذم على توجيه مجموع أمرين ممتنعين: أحدهما ممتنع لذاته، والآخر ممتنع لقبحه لا لعدم إمكانه.
قوله: فيقال السبب في استعظام سؤال الرؤية... إلخ.
قلنا: هذه الاحتمالات خلاف الظاهر ولا دليل عليها، بل قام الدليل على خلافها، وهو أن الوجه في استعظام ذلك أنهم سألوا ما لا يمكن وقوعه في حال من الأحوال، ودليله ما مر من الحجج العقلية، وكذلك الآية فإن الظاهر يقتضي أنه استعظم ذلك؛ لأنهم سألوا ما لا يجوز ولا يمكن في حال، وإلا لنبه على خلافه وما كان ربك نسياً.
قوله: أو لأنه قد ثبت صدق المدعي للرسالة... إلخ.
قلنا: طلب زيادة الدليل لا قبح فيه، ولهذا كرر الله الأدلة على ثبوت ذاته جل وعلى ووحدانيته، وحكى عن إبراهيم عليه السَّلام قوله: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }[البقرة: 260] وواتر معجزات الأنبياء حتى روي لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألف معجزة أو أكثر.

الموضع الثالث: [في شبه القائلين برؤية الله تعالى]
في شبه المخالفين: ولهم شبه عقلية وسمعية، فالسمعية ستأتي إن شاء الله وقد تقدم شيء منها، والعقلية كثيرة، ولنذكر هنا أقواها:
الشبهة الأولى: طريقة الوجود وهي التي اعتمدها الأشعري والباقلاني وغيرهما، وتقريرها أنا نرى الجواهر وبعض الأعراض كالألوان، وهذا يدل على أن صحة الرؤية مشتركة بينهما، فلا بد أن نعلل هذه الصحة بأمر يشتركان فيه حال وجودهما لتحقق رؤيتهما عند الوجود، وانتفائها عند العدم ضرورة كون الأجسام والأعراض إذا كانت معدومة استحالت رؤيتها، وهذا متفق عليه، وقلنا بوجوب اشتراكهما في العلة، لأنها لو لم تكن كذلك لزم تعليل الأمر الواحد وهو صحة الرؤية بعلل مختلفة، وإنه غير جائز؛ لأنها حكم متماثل في الذوات، والأحكام المتماثلة في الذوات لا يصح تعليلها بعلل مختلفة نحو كون الجوهر جوهراً واللون لوناً، وإلا لزم أن يصح تعليل صحة القادرية في شخص بما يعلل به صحة عالميته، ويعللها في آخر بغير ذلك، فيصح كونه عالماً ولا يصح كونه قادراً مع مساواته للآخر، وذلك يقدح في تعيين الشروط للمشروطات وهو باطل، ثم هذه العلة المشتركة إما الوجود أو الحدوث؛ إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما فإن الأجسام لا توافق الألوان في صيغة عامة يتوهم كونها مصححة سوى هذين، لكن التعليل بالحدوث باطل؛ لأنه عبارة عن وجود بعد عدم، والعدم لا يكون جزء علة فتعين الوجود، فثبت أن علة صحة رؤية الجوهر والألوان هي الوجود، والباري تعالى موجود فيجب أن تصح رؤيته.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا الدليل يوجب رؤية كل موجود، ومعلوم أن كثيراً من الموجودات لا ترى كالعلم والإرادة ونحوهما، لا يقال: الخصم ينكر وجود ما لا يدرك؛ لأنا نقول إنكار وجود نحو ما ذكرنا عناد ومكابرة.
قالوا: أجرى الله العادة بعدم رؤيتها.

قلنا: موجبات الرؤية حاصلة فالحواس سليمة، والموانع مرتفعة، والمدرك موجود، فلو كان يصح عليها الرؤية لوجب أن نراها.
الثاني: أنكم جعلتم العلة في صحة الرؤية إنما هو الوجود، ومعلوم أن الشيء كما تجدد له صفة الوجود تجدد له صفات أخرى، ولا يمتنع جعل تلك الصفات هي المصححة للرؤية، فليس الوجود بأولى منها، فإن قيل: وما تلك الصفة؟ قيل: هي التحيز في الجوهر، والهيئة في اللون.
قوله: لزم تعليل الأمر الواحد وهو صحة الرؤية... إلخ.
قلنا: لا مانع من ذلك.
قال الإمام المهدي: ألا ترى أن المصحح لكون القديم تعالى حياً هي الصفة الأخص وليس كذلك في حقنا مع تماثل الحيية في الذوات.
قوله: لأنها حكم متماثل في الذوات... إلخ.
قلنا: ممنوع، قال القرشي: من أين لهم أنها حكم متماثل، وأن صحة رؤية الجوهر تماثل صحة رؤية اللون، وتماثل صحة رؤية الباري، سلمنا فما الدليل على أن الأحكام المتماثلة لا تعلل بعلل مختلفة، فإنا نقول إنها معللة بالمقتضيات وهي مختلفة في الأجناس، نظيره في العقليات صحة كون الأشياء معلومة فإنها معللة بصفاتها الذاتية وهي مختلفة وفي الشرعيات فساد الصلاة فإنها تعلل بالحدث والكفر وغيرهما، سلمنا أنها لا تعلل بالعلل المختلفة، فلا مانع من أن تعلل صحة رؤية الجواهر والألوان بكونهما ممكني الوجود من ذاتيهما، أو كونهما معلومين لا الوجود، ويلزم عليه صحة رؤية المعدوم، وقد يقال: المعدوم ليس بشيء، وهذا غير مخلص؛ لأن العلة إذا كانت ما ذكرنا بطل اشتراط كونه شيئاً، فإن قالوا: نحن نعلم استحالة رؤية المعدوم.
قلنا: فما الفرق بينه وبين العلم والإرادة، والسمع والبصر، ونحوهما مما قد جوزتموه.
قوله: وإلا لزم أن يصح تعليل صحة القادرية في شخص... إلخ.

قلنا: قال الإمام المهدي: ليس ذلك من باب تعليل المتماثل بأمر متماثل لكونه متماثلاً فإن القادريتين مختلفتان أبداً، سواء كانتا لشخص أو لشخصين، بل لما ثبت أن العالمية والقادرية ونحوهما من صفات الجمل لا تصح إلا علىالأحياء، علمنا أن المصحح لها إنما هو الحيية، وإلا لجوزنا عالماً قادراً غير حي، وقد علمنا خلافه ضرورة، فثبت أن امتناع تعليل صحة القادرية بأمر غير ما عللت به صحة العالمية ونحوها ليس لكون الأحكام المتماثلة وهي صحة القادريات لا تعلل بأمر مختلف، وإنما هو لما ذكرنا من تجويز المصحح لها سوى الحيية يقدح فيما علم ضرورة من أن القادر لا يكون إلا حياً، وليس كذلك صحة الرؤية فإن تجويز اختلاف المقتضى لها في الذوات لا يقدح في ضروري، بل له نظائر قد ذكرناها.
الوجه الثالث: أن الوجود عند كثير من علمائكم ليس بزائد على ذات الموجود بل هو ذاته، وعلى هذا فكأنهم قالوا نرى الأشياء لذواتها، فنلزمهم ما ألزمونا به من صحة تعليل الأحكام المتماثلة في الذوات بعلل مختلفة؛ لأن صحة الرؤية حينئذ معللة بشيء مختلف وهو الذوات.
قال القرشي: ويلزم عليه صحة الرؤية حال العدم.
قلت: لعل لزوم هذا على رأي من يجعل الوجود أمراً زائداً على الذات من هؤلاء؛ إذ يلزمهم عليه القول بثبوت ذوات العالم في العدم.
الوجه الرابع: أن يقال هل تجعلون الوجود علة في صحة جميع الإدراكات على الله تعالى، أو في صحة الرؤية فقط.
الثاني: باطل لاتحاد الطريق، والأول يلزم منه أن يصح أن تسمع ذاته وتذاق وتشم وتلمس، قيل: وقد التزمت الأشعرية فأجازوا أن تدرك ذاته تعالى على حد إدراكنا للألم واللذة، والريح، والطعم، والحرارة، وأجازوا أن تدرك حياته وعلمه على حد إدراكنا لهذه المدركات، وهذا تهافت شديد، وضلال بعيد.

305 / 329
ع
En
A+
A-