الثاني: أنا لا نسلم أن هذا من باب القياس لأن الدليل عام للحالين وهو استلزامه تجويز ما علمنا استحالته فنقول لو كان العلم بأن لا شيء في الحضرة بديهياً عادياً لزم مثله في الحالة المستقبلة، فيؤدي إلى المحال المتقدم، والمستلزم للمحال محال، وإذا لم يكن عادياً بديهياً وجب أن يكون مستنداً إلى أنه لو كان لرأيناه، وأنه متى علم أنه لا يحضر جسم إلا ويراه، وعلم أنه في الحال لا يرى شيئاً، علم أنه لا شيء بحضرته، وهذه العلوم الثلاثة متلازمة، وبعضها مفتقر إلى بعض، ووجود كل واحد منها مضمن بوجود الآخر، وتحقيقه أنه لو لم يعلم أنه لا شيء بحضرته بطل علمه بأنه لا يحضره جسم إلا ويراه، وهذا العلم لا حق بالعلم الحاصل عن إلحاق التفصيل بالجملة، وضابط ذلك أن كل وصف علمت ملازمته لوصف آخر ضرورة ثم علمت وجود ذلك الوصف في ذات معينة ضرورة، فإنك تعلم حصول ملازم معه، وإلا عاد على العلم بالتلازم بينهما بالإبطال، وما نحن فيه من هذا القبيل، ألا ترى أنه إذا علم ضرورة أنه لو كان في حضرته شيء لرآه وعلم ضرورة أنه لا يرى شيئاً في الحال لزم العلم بأنه لا شيء بحضرته ضرورة، وإلا بطل العلم بأنه لو كان شيئاً لرأيناه، فإن قيل: لو سلم أن هذه العلوم الثلاثة متلازمة بعد حصول العلمين الأولين، لكنا نقول إنه يصح وجود العلم الأول مع عدم الآخرين فإن من علم أن كل إنسان حيوان يجوز منه الذهول عن النظر في كل ذات هل هي إنسان أو لا، وكذلك من علم أن كل من كان بالحضرة تعلق الإدراك به يجوز أن يذهل عن النظر هل في الحضرة شيء أو لا، وهذا يبطل قولكم إن وجود الأول مضمن بوجود الثالث؛ إذ قد صح وجوده من دونه فبطل التلازم.
قيل: لا نسلم وجود الأول مع عدم الآخرين، وإنما أتيتم من عدم التأمل لمرادنا، ونحن نوضحه لكم بعون الله، فنقول: نحن إنما قلنا إنه متى علم ملازمة الإنسانية للحيوانية فقد علم أن كل ذات حصلت فيها الإنسانية فقد حصلت فيها الحيوانية، وإذا انتفت عنها الحيوانية انتفت عنها الإنسانية، وهذا العلم لا يتخلف عن العلم بالتلازم ولا يصح التلازم من دونه، وكذلك متى علمنا أنه لا يكون في الحضرة جسم إلاونراه فقد تضمن العلم بأن ما لم نره في الحضرة فليس موجوداً فيها، فيستحيل افتراق هذين العلمين في الوجود، ولا نسلم صحة الذهول عن الثاني فإن من علم أن كل إنسان حيوان لم يصح منه بعد ذلك الذهول عن كون كل ذات حصلت فيها الإنسانية فقد حصلت فيها الحيوانية؛ لأن ذهوله عن ذلك ذهول عن ملازمة الإنسانية للحيوانية قطعاً، وكذلك من علم أنه لا يحضره جسم إلا ويراه لا يصح منه الذهول عن إنكار جسم لا يراه؛ لأن ذلك ذهول عن العلم الأول قطعاً، فإن قيل: قد تضمن جوابكم أن العلم بأنه لو كان لرأيناه أصلاً للعلم بأن ليس بحضرتنا شيء، ولو كان أصلاً له لكان أجلا منه؛ لأن من حق الأصل أن يكون أجلا من الفرع.
قيل: لا نسلم بل قد يستويان وإنما الممنوع كون الفرع أجلا من الأصل.
الاعتراض الرابع: أن وجوب المدركية عندكم مبني على أنها لو كانت معنوية لجوزنا أن لا يخلق المعنى في بعض الحالات، وهذا بزعمكم يؤدي إلى فتح باب الجهالات، ونحن نلزمكم بمثله في الشعاع فإن المدركية مشروطة بانفصاله من العين، وانفصاله جائز كوجود المعنى لتوقفهما معاً على اختيار الله تعالى،وإذا كان الشعاع كذلك لزم تجويز عدم الإدراك في بعض الأحوال للحاضر من المدركات لعدم انفصال الشعاع إلى جهته، فيلزم فتح باب الجهالات،وما أجبتم به فهو جوابنا.
الجواب: أن بينهما فرقاً جلياً فإنه إذا فرض عدم انفصال الشعاع فقد صارت الحاسة غير سليمة، ولم نقل بوجوب المدركية إلا عند سلامتها، بخلاف المعنى فإنكم تجوزون أن تكون الحاسة على ما هي عليه من صحة تعلقها بما حضر ولا يدرك بها الحاضر كله أو بعضه، وهذا يؤدي إلى فتح باب الجهالات قطعاً، فإن قيل: نحن نجعل عدم المعنى لعدم انفصال الشعاع إلى جهة بعض المرئيات فنقول كمقالتكم إنه متى كان أحدنا صحيح الحاسة ووجد فيها المعنى وجب أن يدرك ما بحضرته وإلا فلا.
قلنا: هذه مغالطة ظاهرة؛ لأن المعنى إن لم يوجب حالاً فهو نفس المدركية فجعلتموها شرطاً في نفسها، وإن أوجب حالاً فهو الموجب للمدركية فجعلتم المؤثر فيها هو الشرط، والشرط من حقه أن يكون زائداً على المؤثر، وإلا كان وجود الباري تعالى شرطاً في وجود العالم.
الاعتراض الخامس: أنكم تجوزون توجه الشعاع المنفصل من الحدقة إلى بعض ما في الحضرة دون بعض كقصة امرأة أبي لهب حين سألت أبا بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس إلى جنبه ولم تره، ويلزمكم من هذا التجويز أن تجوزوا كون بحضرتكم ما لا تدركونه، وهذا يبطل مذهبكم، ويلزم منه أن تكون الحاسة سليمة في حق مدرك دون مثله، وأن يكون فيها فساد لا يشعر به المدرك، وهذا ظاهر الفساد لا مخلص لكم عنه إلا بالتزام القول بأن الإدراكات معاني متعلقة بالمدركات يصح وجود بعضها دون بعض.
الجواب: أنا لا نقول بتجويز ما ذكرتم، بل نمنعه ونمنع جواز فساد الحاسة من دون شعور الحي به، والوجه في منع ذلك أن تجويزه يؤدي إلى القدح فيما علم ضرورة من أن أحدنا يعلم من نفسه أنه لا يجوز أن يكون بحضرته أجسام عظيمة وهو صحيح الحواس مرتفع المانع وهو لا يدركها، وما أدى إلى القدح في الضروري هو باطل.
قال الإمام المهدي: ونحن نقرر ذلك ونوضحه بأن نقول: لا يجوز أن يكون في حضرة الرائي جسمان مستويان في ارتفاع الموانع من إدراكهما وينفصل الشعاع إلى جهتهما ولا يوجب إدراكهما على سواء، وإنما يلزم ما ذكرت من شرط اتصال الشعاع بالمدرك فإنه حينئذ يلزمه جواز صرفه حتى يتصل بأحدهما دون الآخر، وأما من جعل الشرط إنما هو انفصال لشعاع العين إلى سمت المرئي فقط فإنه لا يصح منه هذا التجويز أبداً؛ لأن انفصاله إلى ذلك السمت في حكم اتصاله بهما جميعاً لأنه سمت لهما جميعاً، وقد جعلنا اتصاله بسمت المدرك بمنزلة اتصاله به، فلا يجوز أن يدرك به بعض ما في ذلك السمت دون بعض إلا مع تقدير حصول الموانع الثمانية في حق البعض الذي لم يدرك، ولا يجوز خلاف ذلك لأجل ما علمناه ضرورة من لزوم إدراك ما حضرنا عند صحة الحاسة وارتفاع الموانع، ولا يصح أيضاً أن تفسد الحاسة بقلب شعاع أو غيره، ونحن لا نعلم ذلك إذ يؤدي إلى القدح في ذلك العلم.
هذا وأما قصة امرأة أبي لهب إن صحت فمحمولة على حصول أحد الموانع في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الحال، وليس ذلك المانع لأمر يرجع إلى حاسة هذه المرأة لأنها سليمة، وإلا لما صح منها أن تدرك أبا بكر بها مع استوائهما في الجسمية، بل يقدر أن الله تعالى أرق جسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بأجسام الملائكة فضعف شعاعها عن إدراكه وقوى شعاع أبي بكر حتى أدركه، نظيره إدراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل عند نزوله عليه ولم يدركه أصحابه الحاضرون عنده، فإنه مبني على تقوية الشعاع كما مر، لا يقال: لو كان كما ذكرتم لأدرك أبو بكر جسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم رقيقاً مخالفاً للحالة الأولى فيستنكره لأنا نقول الأجسام الرقيقة مع قوة الشعاع تدرك على حد إدراك الكثيفة، دليله الآلات المستعملة في زماننا من الزجاج ونحوه لتقوية الشعاع فإنه يدرك بها الرقيق كثيفاً والصغير كبيراً، والبعيد قريباً، ولهذا يستعملها من ضعف بصره، وكذلك السحاب فإنا ندركه من بعيد كالجبال الرواسي فإذا دخلنا الموضع الذي هي فيه التبست بأجزاء الهواء للطافتها، فإن قيل: ما يمنعكم أن تقدروا أن الله تعالى نصب حجاباً يمنع من رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قيل: منع من ذلك أنه يلزم منه أن تدرك هي هذا الحجاب لكثافته كما أدركت أبا بكر.
الاعتراض السادس: أن يقال سلمنا أن الموانع الثمانية في حقه تعالى مر تفعة، لكنا نقول إنها لا تمنع إلا من رؤية الأجسام والألوان والباري تعالى ليس كذلك فيجوز أن يكون عن رؤيته مانع سواها، سلمنا أنه لا مانع سواها فنقول إن أحدها حاصل في حقه تعالى وهو أنه ليس في جهة الرائي لأنه تعالى ليس بذي جهة، فيبطل قولكم إن الموانع في حقه تعالى مرتفعة وصح أن يكون مرئياً في نفسه وإن لم نره.
والجواب: أن ذلك المانع الذي ادعيتموه إما أن يكون معقولاً أو لا، الثاني باطل لأنه يلزم منه مثل ذلك في بعض الأجسام فيقدح فيما قد علمناه من وجوب رؤيتها عند حضورها، فيبطل ما جوزتموه بمثل ما أبطلنا به الزائد على الموانع الثمانية سواء سواء، فإن أردت الأول وهو أن ذلك المانع متميز معقول فليس إلا كونه تعالى مخالفاً للمرئيات بكونه ليس بذي جهة ومن حق المرئي أن لا يكون بخلاف جهة الرائي.
فجوابه: أنا إنما جعلنا المانع كون المرئي في خلاف جهة الرائي ولم نشترط أن يكون في جهته، وإذا لم يكن المانع إلا ما ذكرنا فهو مرتفع في حق الله تعالى فيجب لو كان تصح عليه الرؤية أن نراه وإن لم يكن في جهة، لا يقال: أنتم تشترطون انفصال الشعاع، وذلك يستلزم كون المرئي في جهة؛ لأنا نقول لا نسلم اشتراطنا ذلك وإنما هو من تمام صحة الحاسة، والشرط في الإدراك إنما هو صحة الحاسة على وجه لا يكون بينها وبين المدرك ساتر ولا ما يجري مجراه، وهذا حاصل في حق الله تعالى عند انفصال الشعاع، فإن قيل: كونه في خلاف جهة الرائي لا وجه لكونه مانعاً من الإدراك إلا كونه ليس في جهة الرائي، وهذا يوجب كون الشرط عندكم حصول المرئي في سمت الرائي، ولا ينفعكم إنكار كونه شرطاً مهما كان ثابتاً في نفس الأمر على أصلكم.
قيل: لا نسلم كون ذلك شرطاً مع تجويز إدراك ما ليس في جهة كما ذكر أبو هاشم في اللون أنا لو قدرنا انفصاله فكونه ليس في جهة غير مانع من صحة رؤيته، وإنما يمنع منها كونه في جهة خلاف جهة الرائي كما ذكرنا.
الاعتراض السابع: أنا نرى الكبير صغيراً مع البعد، فإن كنا رأينا جميع أجزائه لزم أن يدرك المدرك على ما هو عليه من عظم جرمه، والمعلوم خلافه، وإن لم يدرك إلا بعضه فلا مخصص لذلك البعض بتعلق الإدراك به دون سائر الأجزاء إذ البعد فيها على سواء.
سلمنا بطل قولكم إن هذه الشرائط توجب عند اجتماعها رؤية المرئيات، فإن قيل: إن ثم مخصصاً للبعض وهو أن الشعاع المنفصل بمنزلة ساقي مثلث وعمود فالساقان إلى الطرفين والعمود إلى الوسط، والمنفصل إلى الطرفين أبعد ضرورة من المنفصل إلى الوسط لأن مسافته أبعد، وإذا بعد المرئي حتى لم يتصل بطرفيه الساقان اتصل العمود فأدركه دون الطرفين فرؤي كأنه صغير، قيل: فيلزم في كل ما أدرك صغيراً أن الساقين لم يتصلا به، وأنه لم يتصل به إلا العمود، وأنه لو تأخر عن تلك المسافة شبراً لا يرى منه شيء، والمعلوم خلافه.
سلمنا أنه لا يدركه حينئذ فنريكم صورة أخرى حضر فيها المدرك واجتعمت الشرائط ولم تدرك، وذلك حيث أخذ أحدنا قبضة من تراب فإنه يدركها، ثم إذا انفصلت كل ذرة لحالها لم يحصل الإدراك مع كون الرائي حاصلاً على الصفة التي يرى لأجلها والمرئي حاصل على الصفة التي يرى لأجلها، فإن قلتم: إن رؤية كل ذرة مشروطة برؤية الأخرى، فذلك دور يوجب أن لا تدرك تلك الذرة رأساً، وإن قلتم ليس بشرط، بطل قولكم إن المدركية واجبة عند اجتماع الشرائط؛ إذ قد اجتمعت ولم يحصل إدراك.
الجواب: أما عن الصورة الأولى فقال القرشي: الأحسن في الجواب أن نقول إنا نرى الشيء كله على البعد كما نراه كله على القرب، لكن يخيل إلينا أنه صغير لاتساع ما حوله من الفضاء أو غيره فإنه إن كان طائراً في الهواء فإنا حين نراه يقع نظرنا على جرم السماء فنراه صغيراً في جنبها، وكذلك الشجرة في الفلاة أو في الجبل، وكلما قربنا إليه قل ما يقع عليه بصرنا مما حوله فرأيناه كأنه يكبر، يزيده وضوحاً أن الشيء إذ ضم إلى ما هو أكبر منه رؤي كأنه صغير وأدركته العيون، وكذلك الرجل الكامل إذا استقام عنده المفرط في الطول رؤي الكامل كأنه قصير، وهذا ظاهر فإن كثيراً من الأشياء إنما يعلم كبره أو حسنه بأن يضم إلى غيره.
وجه آخر في الجواب وهو أن هذا السؤال لازم لكم لأنكم توافقون في اعتبار هذه الشرائط، وإنما تعتبرون أمراً زائداً هو الإدراك الذي يفعله الله فينا ندرك به الجميع لو قرب فلا يكون لكم بد من الرجوع إلى قولنا.
وأما الصورة الثانية فالجواب عنها أن أجزاء التراب إذا اجتمعت تكاثفت وتميزت عن أجزاء الشعاع، وإذا تفرقت منعت لطافتها من إدراكها.
قوله: لزم الدور.
قلنا: الدور ممنوع فإن رؤية كل ذرة تتوقف على انضمام الأخرى إليها لا على رؤيتها، وإنما يلزم الدور لو توقفت رؤية كل على رؤية الأخرى أو انضمام كل انضمام الأخرى، ولم يوجد شيء من ذلك. فتأمل.
الحجة الثالثة: أن أحدنا لا يرى إلا بالحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى إلا ما كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك، فهذه ثلاثة أصول، ولا بد قبل الكلام على هذه الأصول من تحقيق معنى المقابلة وما يجري مجراها، فنقول: المراد بالمقابلة المعنى الحقيقي لها وهو مقابلة المتحيزات كالأجسام، والذي في حكمها أمران:
أحدهما: الألوان فإن مقابلتها ليست حقيقة لما مر، وإنما هي جارية مجراها من حيث أن محلها مقابل فكانت في حكم المقابل.
ثانيهما: الوجه في المرآة والماء ونحوهما فإنه ليس بمقابل، بل في حكمه عند جمهور المتكلمين، وبيان ذلك أنه ينفصل من العين شعاع ويتصل بالمرآة وينفصل منها شعاع مع ذلك فيصير له في المرآة كالعين فيرى به الوجه ونحوه في مكانه، وهذا لا يكون إلا في الأجسام الصقيلة، وقيل: إن الرائي يرى وجهه في المرآة كذلك لأنه ينطبع فيها، وهذا محكي عن أبي الحسين البصري وغيره، ورد بوجوه:
أحدها: أنا نرى الأجسام العظيمة في المرآة وهي صغيرة لا ينطبع فيها ما هو أكبر منها ولا تحيط به ضرورة.
الثاني: أنها لو انطبعت فيها لاستمر كونها فيها بعد انتقال الجسم المقابل وهو معلوم البطلان.
الثالث: أنها إما أن تنطبع في ظاهر المرآة أو في باطنها، إن كان الأول لزم أن لا نرى المرآة لأن الجسم حائل بيننا وبينها، وإن كان الثاني لزم أن لا نرى الجسم لأن المرآة حائلة بيننا وبينه، إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تحقيق الأصول الثلاثة وإقامة البرهان على كل واحد منها ورد ما ورد عليه فنقول:
الأصل الأول: أنا لا نرى إلا بالحاسة قال الإمام المهدي وأبو الحسين وأصحابه: وهو ضروري إذ العقلاء يعلمون من أنفسهم أنهم لا يرون إلا بالحاسة ويكذبون من أخبر بخلاف ذلك، وقال الجمهور: بل هو استدلالي واستدلوا بأن عند صحة الحاسة يصح أن يرى، وعند فقدها يستحيل ذلك،فدل على أنها شرط، لا يقال: الخصم يدعي أن ذلك من قبيل العادة؛لأنا نقول لو كان كذلك لجاز اختلافها فيصدق من يخبر بأن في بعض البلاد رجلاً يرى لا بحاسة، والمعلوم أن العقلاء يبادرون إلى تكذيبه، وأيضاً فيما طريقه العادة [يجب]أن يفارق ما طريقه الوجوب، وإلا لالتبس الواجب بالجائز، فجوزنا أن تكون المعلولات والمسببات بمجرى العادة.
وقال القرشي: الأولى التفصيل فيقال أما وقوع الرؤية على هذا الحد فهو ضروري، سواء قلنا الإدراك معنى أم لا، نظيره القدرة فإن كونها معنى لا تخرج الكتابة عن كونها لا تقع إلا باليد، والخصوم يوافقون في هذا، إلا أنهم يدعون كونه عادياً، وأما الصحة أي صحة الرؤية فعند أبي الحسين أن العلم باستحالة الرؤية من دون حاسة ضروري، وسائر الشيوخ يخالفونه، قال: ويمكن أن يفصل فيقال أمَّا أن الرؤية لا تصح إلا بالحاسة التي هي مبنية بنية مخصوصة، فليس بضروري؛ لأن الخصوم يجوزون الإدراك في الجزء المنفرد من دون بنية، بل يجوزون ذلك في العلم والقدرة ونحوهما، وأما أن الرؤية لا تصح إلا بآلة سواء كانت تسمى حاسة أو كانت تسمى جزءاً منفرداً على ما يجوزه الخصم فهو ضروري، والخصوم يوافقونا فيه ويحيلون وجود الإدراك لا في محل، وإذا كانت كذلك فقد وافقونا في أن أحدنا لا يرى إلا بالآلة، وبهذا يحصل غرضنا سواء قلنا في تركيب الدلالة إن أحدنا لا يرى إلا بالحاسة، أو قلنا إنه لا يرى إلا بآلة فإنه يحصل به المقصود وإن جوزوا حصول الإدراك والعلم والقدرة ونحوها في الجزء المنفرد، فإن قيل: إذا جوزوا حصول هذه المعاني في الجزء المنفرد فقد جوزوا الإدراك لا بحاسة ولا بآلة لأن الحاسة من حقها أن تكون مبنية بنية مخصوصة، والآلة من حقها أن تكون في حكم الغير للحي، ومذهبهم يقتضي أن يكون الحي المدرك القادر العالم جزءاً منفرداً.
قلنا: هذا وإن كان مذهبهم فكلامنا في رؤية أحدنا في الدنيا والآخرة وهم يوافقونا على أن الواحد منا ليس جوهراً فرداً حتى يكون قد أدرك لا بحاسة ولا بآلة، على أن هذا لا يضرنا في صحة الدليل؛ لأنا نقول في عقد الدلالة الواحد منا متحيز، والمتحيز لا يرى إلا ما كان مقابلاً، أو في حكم المقابل.