الحجة الثانية: أنها لو جازت رؤية الباري تعالى في حال لرأيناه الآن لارتفاع الموانع، وهذا يسمى دليل الموانع، وهو أرجح من دليل المقابلة عند أبي هاشم وابن الملاحمي، وعليه الاعتماد عندهما دون دليل المقابلة فهو غير جيد، وقال المؤيد بالله: بل المعتمد دليل المقابلة، ودليل الموانع غير جيد، ولعل هذا قول أبي الحسين البصري، وقال جماهير الزيدية وكثير من المعتزلة منهم القاضي عبد الجبار: بل هما معتمدان جيدان، وتحرير دليل الموانع أن يقال: المعلوم أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لأجلها تصح منه الرؤية والباري تعالى حاصل على الصفة التي لو رُؤِىَ لما رؤي إلا لكونه عليها، والموانع التي تمنع من الرؤية مرتفعة والحواس سليمة، فيجب في الباري تعالى أن لو كان يصح رؤيته لرأيناه الآن، والمعلوم ضرورة أنا لا نراه الآن، فلزم إمتناع رؤيته في كل حال، فهذه خمسة أصول:
الأول: أن الواحد منا حاصل على الصفة التي لأجلها يرى المرئيات، ودليله أن الواحد إنما يدرك ما يدركه لكونه حياً بشرط صحة الحاسة وارتفاع الموانع ووجود المدرك، والمراد أنه إذا كان حياً وحصلت هذه الشرائط اقتضت الحيية المدركية وجوباً لما مر في العاشرة من مسائل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...}[البقرة:7] الآية من أن المقتضي للمدركية كونه حياً بهذه الشروط، وأنه لا يجوز حصول المقتضي بالكسر على الوجه الذي يحصل معه الاقتضاء إلا ويجب حصول المقتضى -بصيغة اسم المفعول- وإلا بطل كونه مقتضياً -بصيغة اسم الفاعل.
قلت: هذا الأصل مبني على أن الإدراك ليس بمعنى، وقد تقدم الخلاف في ذلك في سياق الآية المشار إليها، وصحة هذا الدليل مبنية على صحة هذا الأصل، ولهذا لم يعتمد عليه القائلون بأن الإدراك معنى.

الأصل الثاني: أن الله تعالى حاصل على الصفة التي لو رؤي لما رؤي إلا لكونه عليها وهو متفق عليه بيننا وبين الخصم وإن اختلفنا في تلك الصفة ما هي، فعند الخصم أنها الوجود شاهداً وغائباً أي أنه لا يرى إلا لكونه موجوداً، وأما أصحابنا فاختلفوا، فقال القرشي: هي الذاتية في حق الله تعالى والمقتضاة في حق المحدثات كالتحيز في الجوهر، والهيئة في اللون، وقال الإمام المهدي: الشيء إنما يرى لصفته المقتضاة عن صفة ذاته، وظاهره عدم الفرق بين الباري وغيره، وقد أشار إلى الخلاف في المواقف وشرحه حيث قال في تقرير مذهب المعتزلة: لو جاز رؤيته تعالى لجازت في الحالات كلها لأنه أي جواز الرؤية حكم ثابت له إما لذاته أو لصفة لازمة لذاته، فقوله إما لذاته أو لصفة... إلخ إشارة إلى خلاف المعتزلة في ذلك، نعم وأما قول الخصوم إن الصفة هي الوجود، فبطلانه ظاهر لأنهم إن جعلوا الوجود أمراً زائداً على ذات الموجود فالموجود عند القائلين بهذا متماثل في الذوات، فيلزم أن يرى كل موجود، وبطلانه معلوم فإنا لا نرى الجن والملائكة، وإن جعلوه نفس الذات فكأنهم قالوا يرى الشيء لذاته فيعود الأمر إلى قولنا.
قال القرشي: ولا ينقلب علينا في الصفة المقتضاة فيقال كان يجب في كل ماله صفة مقتضاة أن يرى؛ لأن الصفة المقتضاة مختلفة بخلاف الوجود.
الأصل الثالث: أن الموانع مرتفعة والحواس سليمة، ولا بد قبل إقامة الدليل على ارتفاع الموانع من بيان حقيقة المانع وإعداد الموانع من الرؤية وقسمتها، ثم إقامة الدليل على أنها موانع، وأنه لا مانع سواها، فهذه أربعة أقسام:

القسم الأول: في حقيقة المانع- المانع على ضربين: مانع عن الفعل، ومانع عن الرؤية، فالمانع عن الفعل قد تقدم في مسألة قادر في سياق قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[البقرة:20] وتلخيصه أن يقال هو ما لأجله يتعذر على الحي بحياة إيجاد ما يصح إيجاده، وأما المانع عن الرؤية فهو ما لأجله يتعذر على الحي بحياة رؤية ما يصح رؤيته مع استمرار كونه حياً لا آفة به، واحترزنا بقولنا حي بحياة عن الباري تعالى؛ إذ لا مانع له عن الرؤية، وبقولنا ما تصح رؤيته عن ما تعذرت رؤيته؛ لأن تعذر الرؤية يسمى استحالة لا منعاً، وبقولنا مع استمرار كونه حياً... إلخ عن خروجه عن صحة الرؤية بالموت أو بالآفة فإنه لا يسمى منعاً.
القسم الثاني في أعدادها: فعند كثير من أصحابنا أنها ثمانية:
أحدها: الرقة كأجسام الملائكة والجن.
والثاني: اللطافة وهي أن لا يكون له لون كالجوهر المفرد.
الثالث: الحجاب الكثيف وهو الجسم الملون باللون القوي المتوسط بين الرائي والمرئي، وذلك كالجبل والجدار ونحوهما، وقلنا باللون القوي احترازاً عن الماء والزجاج الرقيق ونحوهما من الحجاب الرقيق فإن لها لون ما، لكنه غير مانع من الرؤية.
والرابع والخامس: القرب والبعد المفرطان لأن المبصر إذا قرب حتى يلتصق بسطح البصر كالميل في العين بطل إدراكه بالكلية، وإذا بعد عن البصر فكذلك، وهو يختلف بحسب قوة الباصرة وضعفها.
السادس: كون المرئي في خلاف جهة الرائي نحو أن يكون خلفه، والمراد أن لا يكون مقابلاً للباصر في جهة من الجهات، ولا في حكم المقابل كالمرئي في المرآة.
السابع: كون محله في بعض هذه الأوصاف كاللون فهو مانع من رؤية اللون تبعاً لمحله، والموانع المتقدمة مانعة من رؤية المتحيزات.

الثامن: عدم الضياء المناسب للعين نحو أن يفتح الإنسان عينه في موضع مظلم فإنه لا يرى لما لم يكن هناك ضوء في الهواء يعين ضوء العين على الرؤية، وهذا يمنع من رؤية اللون والمتحيزات، وبعض أصحابنا يعدها سبعة بإسقاط عدم الضياء، وبعضهم ستة بإسقاطه وإسقاط القرب المفرط، قيل: ولعل إسقاطهما لكونهما داخلين في صحة الحاسة؛ لأن من حق صحتها أن ينفصل منها شعاع في سمت المرئي، والقرب المفرط يمنع من ذلك، ومن حق صحتها أن يكون ضياء يناسب شعاع العين الذي تبصر به فيكون عوناً على الرؤية لقلة شعاع العين، ولهذا فإن بعض الحيوانات يرى في الليل ولا يرى في النهار لكثرة شعاعها، ومثله يكون في بني آدم.
القسم الثالث: في قسمتها وهي على ثلاثة أضرب: مانع بنفسه، ومانع بواسطة، ومختلف فيه.
فالأول: القرب المفرط والحجاب الكثيف، وكون المرئي في خلاف جهة الرائي.
والثاني: البعد لأن الله تعالى لو قوى الشعاع المنفصل من العين لرأينا ما كان بعيداً، ولهذا تختلف رؤية البعيد باختلاف قوة الباصرة، والرقة أيضاً كذلك، وكذا الضياء المناسب؛ لأن الله تعالى لو قوى شعاع العين والأجزاء المنفصلة عنها لما احتيج إلى ذلك الضياء.
والثالث: اللطافة فقال أبو عبد الله: هي مانعة بنفسها بحيث لو قوى الله تعالى الشعاع لما رؤى الجوهر الفرد، وقيل: بل هي مانعة بواسطة قوة الشعاع، ولو قوى الله شعاع الرائي لرؤى الجوهرالفرد، وأما كون محله في بعض هذه الأوصاف فهو مانع بمحله، قيل: ويقرب دخوله فيما يمنع بواسطة لأن رؤيته امتنعت تبعاً لرؤية محله.

القسم الرابع: في إقامة الدليل على أنها موانع، وأنه لا مانع سواها، والذي يدل على ذلك أنه متى وجد واحد منها امتنعت الرؤية قطعاً، وهذه حقيقة المانع، والدليل على أنه لا مانع سواها هو أنه لو صح تجويز مانع سواها لجوزنا أن يكون بين أيدينا أجسام عظيمة ونيران مؤججة ولا ندركها لذلك المانع، وفي ذلك فتح باب الجهالات من عدم الثقة بالمشاهدات، وتجويز خلاف ما نعلمه ضرورة، ولهذا فإن أحدنا إذا كان في غرفة أو مسجد أو نحوهما فإنه يعلم علماً لا شك فيه ولا شبهة أنه في تلك الحال ليس بين يديه نهر جارٍ، ولا جبلٌ شامخ ولا سبع ضار، ولا يستدل على انتفاء ذلك إلا بأنه لو كان لرأيناه لعدم المانع من رؤيته، ولو جوزنا مانعاً غير الثمانية هذه لم يصح الاستناد إلى هذا الدليل، والمعلوم صحة الاستناد إليه، وعلى الجملة فكلما دل على بطلان كون الإدراك معنى فهو يدل على بطلان تجويز مانع غيرالثمانية، وإذا تقررت هذه المقدمة فلنرجع إلى ما نحن فيه وهو إقامة الدليل على أن هذه الموانع مرتفعة في حق الله تعالى فنقول: قد ثبت أنه لا مانع سوى هذه الثمانية، وكل واحد منها لا يمنع من رؤية الله تعالى لو كان تصح عليه الرؤية.
أما الخمسة الأول فواضح لأنها إنما تمنع من رؤية الأجسام والباري تعالى ليس بجسم، وأما كونه في غير جهة الرائي فكذلك أيضاً؛ إذ لا يعقل كونه في جهة لأن ذلك فرع التحيز، وأما كون محله في بعض هذه الأوصاف فليس بثابت في حقه تعالى لأنه لا يحل محلاً، ولا يحتاج إليه، وإنما ذلك من صفة العرض، وأماعدم الضياء المناسب للعين فالمعلوم أن الضياء حاصل، فعلم أن هذه الموانع مرتفعة في حق الله تعالى، وأنه لو كان مما يجوز أن يرى لم يكن ثم ما يمنع من رؤيته جل وعلى، وبقي الكلام على قولنا إن الحواس سليمة، ولا بد من الكلام على حقيقة الحاسة وقسمتها وحقائق أقسامها، ثم نتبع ذلك بالدليل على سلامتها.

أما حقيقتها فهي الآلة التي بها يدرك المدرك، وأما قسمتها فهي خمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وأما حقائقها فحقيقة حاسة السمع هي الآلة التي بها تدرك الأصوات، وحاسة البصر هي الآلة التي تدرك بها المتحيزات والألوان، وحاسة الشم هي الآلة التي يدرك بها الروائح، وحاسة الذوق هي الآلة التي تدرك بها الطعوم، وحاسة اللمس هي الآلة التي تدرك بها الحرارة والبرودة، وقيل: إن اللمس ليس بحاسة لأن للحاسة شرطين:
أحدهما: أن يدرك بها ما لا يدرك بغيرها من الحواس.
والثاني: أن تكون في حكم الغير لصاحبها بأن تكون معنى يدرك بها، وحاسة اللمس ليست كذلك بل جسد الحيوان يلمس به كله وليس هو في حكم الغير، وأما الدليل علىأنها سليمة فهو أنه لو حصل بين أيدينا شيء من المدركات لأدركناه بها ولو كانت سقيمة لا ندرك بها ولا نعني بصحة الحاسة إلا ذلك، وأيضاً فإنا نقطع أنه ليس بحضرتنا فيل ولا بعير، ونستدل على ذلك بأنه لوكان لأدركناه، فلولا أن الحواس سليمة لما أمكننا القطع على ذلك.
الأصل الرابع: أن ذلك يوجب في الباري تعالى أنه لو كان تصح رؤيته لرأيناه الآن، ودليله أنا لو جوزنا وجود ما تصح رؤيته مع ارتفاع الموانع وصحة الحاسة ولا نراه في حالة من الحالات لجوزنا مثله في الحالة الحاضرة؛ إذ لا فرق بين الحالتين، ولو جوزنا الآن لفتح باب الجهالات كما مر من تجويز مدركات عظيمة بين أيدينا ولا ندركها، وهذا يقدح في العلوم الضرورية فتجب إحالته.

الأصل الخامس: وهو أنا لا نراه الآن فلزم استحالة رؤيته في كل حال وزمان، ودليله ما مر من وجوب حصول المدركية عند تكامل شروط الإدراك، فلو كانت رؤيته تعالى ممكنة ولم تحصل مع تكامل الشروط عاد على وجوب حصول المدركية عند تكامل شروط الإدراك بالنقض، فثبت أن رؤيتنا للباري تعالى مستحيلة في جميع الأحوال، وقد أجاد القرشي في بيان دليل هذا الأصل فقال: قد حصل المقتضى وهو كون أحدنا حياً وشرط الاقتضاء وهو صحة الحاسة، وزوال المانع ووجود المدرك، فيجب حصول المقتضى وهو كون أحدنا مدركاً له تعالى يعني لو كانت رؤيته ممكنة، قال: وبهذه الطريقة يعلم أنه تعالى مدرك للمدركات، ولو جوزنا أن لا يدرك أحدنا مع حصولها لجوزنا مثله في الباري تعالى، فإن قيل: هذا كله مبني على وجوب المدركية عند تكامل الشروط المعتبرة ونحن نمنعه.

قيل: قد مر إثباته في قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة:7] وإنما اختلف القائلون به في كون العلم به ضرورياً أواستدلالياً، فذهب أبو الحسين وأتباعه إلى أنه ضروري فإن الواحد منا إذا كان مستكملاً لشروط الإدراك استحال أن لا يدرك والمنكر مكابر، وقال الأكثر: بل العلم به استدلالي، ودليلهم أن الأحياء يفزعون عند التباس المدركات إلى الإدراك بالحواس، فلولا أنهم يعلمون ضرورة حصول المدركية لما استمر منهم ذلك ولوجد منهم من يترك الرجوع إلى الحواس معتذراً بتجويز عدم حصول الإدراك بها، والمعلوم أنه لم يوجد فيهم ذلك، فعلمنا ضرورة حصول المدركية عند رجوعهم إلى الإدراك بالحواس حتى لو قيل للواحد منا انظر هل ترى فلاناً في منزلك فأجاب بأنه يجوز كونه فيه ولا أراه فلا فائدة في النظر، فإنا نقطع إما بفساد حاسته، أو بخلل في عقله، فهذا هوالدليل القاطع على وجوب المدركية عند كمال الشروط، فإن قيل: دعواكم الضرورة في حصول المدركية رجوع إلى قول أبي الحسين وقد أبطلتموه، ثم إن الضروري لا يختلف العقلاء، فيه وقد خالف في وجوب المدركية من أثبت الإدراك معنى فإن أنكرتم دعوى الضرورة في ذلك وقلتم إنما يعلم دلالة لزمكم التسلسل؛ لأن وجوب المدركية لا تعلم إلا بالفزع إلى الإدراك، والفزع لا يفيد وجوبها إلا بدليل ثم كذلك، قيل: المعلوم ضرورة إنما هو استمرار حصول المدركية عند تكامل شرائطها، وهذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في كون هذا الاستمرار عادياً كطلوع الشمس من المشرق أو واجباً كتحيز الجوهر عند وجوده، ولا يعلم أنه من أيهما إلا بدليل، فمن أثبت الإدراك معنى جعلوه عادياً ومن لم يجعله معنى، قال: بل هو استمرار وجوب حيث المستحيل خلافه عند إمكانه، وهذا لا يعلم إلا بعد إبطال كونه عادياً، وإبطاله يحتاج إلى نظر، فكان العلم بالوجوب استدلالياً وبيان الدليل أنه كونه عادياً يوجب جواز تخلفه، وذلك يستلزم صحة أن يكون في

حضرتنا نيران مؤججة وجبال شامخة ولا ندركها مع صحة الحاسة وارتفاع المانع، والمعلوم امتناع هذا التجويز، ولما علمنا ذلك دلنا على وجوب المدركية عند تكامل الشروط، وبطل كونه عادياً، بل يستحيل عند العقلاء لتأديته إلى تجويز المحال، وما أدى إلى ذلك فهو محال، وهاهنا اعتراضات تتعلق بما تقدم، ونحن نذكرها مع الجواب عنها ونسأل الله التوفيق والسداد:
الاعتراض الأول: أنكم جعلتم ما ذكرتم دليلاً على وجوب العالمية بالمدركات لأنه متى حضر المدرك ولا مانع علمناه ضرورة، وذلك يقتضي وجوب العالمية كما يقتضي وجوب المدركية وإلا فما الفرق؟
الجواب: أن العلم بالمشاهدات هو أحد علوم العقل، فإن أردتم أن العلم بالمدرك يكون واجباً مع كمال العقل، فمسلم لأن من علم المدرك استحال أن لا يعلمه، لكن ذلك لا يستلزم كون العالمية واجبة، بل ذلك واجب وإن كانت جائزة لأن ما كان حاصلاً فهو حاصل واجباً كان أم جائزاً، وإن أردتم أن العلم بالمدرك واجب ولو زال العقل فممنوع، بل نقول يدركه ولا يعلمه، فصح أن حصول العالمية بالمدرك غير واجب على حد وجوب المدركية، وبه يظهر الفرق.
الاعتراض الثاني: أن يقال لو سلمنا أن أحدنا يعلم ضرورة أنه لا يكون بين يديه من المدركات الظاهرة ما لا يدركه فهل يعلم أنه يدركه عند حضوره وإن كان زائل العقل، إن قلتم: نعم فقد قلتم أن زائل العقل لا يعلم ما يدركه، مع أنه يلزم على القول بأنه لا يعلم بالمدرك أن لا يعلم أنه مدرك فلا يستمر العلم باستمرار المدركية، وإن قلتم لا يدرك إلا مع العقل لأجل يحصل العلم كان العلم شرطاً في حصول المدركية وأنتم لا تقولون به.
الجواب: أن المعلوم ضرورة هو أن المدرك يدرك ما بحضرته سواء كان عاقلاً أم لا، ولكن زائل العقل لا يعلم حقائق المدركات، وذلك أمر خارج عن المدركية، ولهذا فإنا نعلم من حال الأطفال والبهائم كونها مدركة مع كونها غير عالمة.

الاعتراض الثالث: أنكم بنيتم وجوب المدركية على أنه لا يجوز أن يكون في حضرتنا أجسام عظيمة لا ندركها، وذلك لا يثبت لكم في الحالة المستقبلة إلا بالرد إلى الحالة الحاضرة، وهذا لا يصح إلا لوكانت علة علمنا بنفي ما لا ندركه في الحال أنه لوكان موجوداً لوجب إدراكه، ونحن نمنع ذلك ونقول إنما علمنا أنه لا شيء في الحضرة لأن الله تعالى خلق لنا علماً مبتدأ أنه لا شيء في حضرتنا فهو علم بديهي ابتدائي، وإذا كان كذلك لم يلزم في المستقبل استحالة أن يكون ولا نراه لجواز أن لا يخلق الله لنا ذلك العلم.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن استنادنا إلى تلك العلة مما لا ريب فيه، فإنه لو قيل لأحدنا: لم قلت أنه ليس بحضرتك شيء غير الذي نشاهده، لدفع السائل بأن يقول: لو كان لرأيته، فصح استناده إلى هذه العلة وبه يصح القياس.

303 / 329
ع
En
A+
A-