المسألة الأولى[الفرق بين الموت والقتل]
قال القاضي عبد الجبار القتل: هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حياً، وحاصله أنه الفعل المزهق للروح في الحال، وما عدا ذلك فمما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمي قتلاً على سبيل المجاز.
قال الرازي: بل هو الفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو بعده بدليل أنه لوحلف أن لا يقتل زيداً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعدها حيا لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه، ويسميه أهل اللغة قاتلاً، والأصل في الاستعمال حقيقة.

المسألة الثانية [تحقيق معنى القتل المذكور في الآية]
ظاهر الآية أنهم أمروا بالقتل المعروف وبمباشرتهم قتل أنفسهم بأن يقتل كل واحد منهم نفسه، وقيل: أمر من لم يعبد العجل بقتل من عَبَدَهَ، والمعنى ليقتل بعضكم بعضاً كما قيل في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ }[النساء: 29] وقوله {لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً }[النور: 12] وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الواحدة، وقيل معنى القتل هنا التذلل أي ذللوا أنفسكم بالطاعات والكف عن الشهوات، وقد روي إجماع المفسرين على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم.

قيل: ولا يلتفت إليه لأنه قد نقل القول بذلك ودفعه قاضي القضاة بطريق عقلية تحريرها أنه لا يجوز من الله تعالى أن يأمرهم بقتل أنفسهم بأيديهم لأن ذلك يكون تكليفاً شرعياً، والتكاليف الشرعية إنما تحسن بكونها مصالح لذلك المكلف، ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه، قال: وهذا بخلاف ما يفعله الله من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صالحاً لمكلف آخر يعوض ذلك المكلف بعوض عظيم، وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه، ولا يحسن الموت عقيبه لأنه ما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأمور المستقبلة، واعترض بأنه بناه على ما مر له من حقيقة القتل وفيه ما مر، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق في خبره أن أمير المؤمنين سيقتل، وكذلك أمير المؤمنين عليه السَّلام كان يخبر بذلك، وقد علم أن الواقع لأمير المؤمنين إنما هو الجراحة المثخنة ولم يمت منها في الحال وقد سمي ذلك قتلاً وفاعله قاتلاً، وعلى ذلك جرى عمل العلماء في ذكر أحكام القتل وما يتعلق به من القصاص والكفارات والديات، فإنهم يسمون الفعل المزهق للروح قتلاً، ولم يفصلوا بين أن يكون الإزهاق في الحال أو بعده، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا قرينة تصرف عنه.
إذا عرفت هذا فلا وجه لمنع الأمر بالقتل في الآية على قتل كل واحد منهم نفسه لجواز ورود الأمر بالجراحة التي لا يستعقبها الزهوق في الحال، فإذا كان الأمر كذلك فلا يلزم انتفاء المصلحة في المستقبل إذ تحصل مدة البقاء بين الجراحة والموت، ولوسلم ما ذكره القاضي في معنى القتل فلا يلزم منه قبيح.

أما عند الأشاعرة فظاهر لأنهم لا يشترطون حصول المصلحة في التكليف، ولهذا قالوا أمر من يعلم موته على الكفر بالإيمان ولا مصلحة له في ذلك إذ لا تحصل منه فائدة إلا استحقاق العقاب، ولا يقبح من الله تعالى قبيح عندهم، وقد أبطلنا مقالتهم هذه فيما مر.
وأما عند العدلية فلأنه لامانع من أن يكون له في علمه بأنه مأمور بذلك الفعل مصلحة نحو أن يعلم أنه سيقتل نفسه غداً فإن اعلمه بذلك مصلحة يكون داعياً له إلى ترك القبيح من ذلك الوقت إلى الغد.

المسألة الثالثة [تفسير القتل بالتوبة]
ظاهر الآية يقتضي كون التوبة مفسرة بالقتل وأنه نفس توبتهم، وهذا قول سفيان بن عيينة روي أنه قال: التوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل، وقيل: ليس القتل نفس التوبة وإنما هو شرط فيها، والشرط قد يطلق عليه اسم المشروط مجازاً كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة: توبتك رد ما غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به.

[البقرة: 56،55]

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 55،56] جهرة: منصوب على المصدر يسلط عليه عامل من معناه وهو نرى لأن جهرة نوع من الرؤية، والمعنى حتى نراه عياناً، وإنما قالوا جهرة لدفع توهم كون المراد لرؤية العلم، والصاعقة: قيل نار من السماء أحرقتهم، وقيل: صيحة من السماء وقيل أرسل الله تعالى جموعاً من الملائكة فسمعوا حسهم فخروا صعقين أي ميتين، وعلى هذه الأقوال فهي سبب الموت، وقيل: بل الصاعقة الموت نفسه، وفيه ضعف لقوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إذ لو كانت هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إليها، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى [دلالة الآية على امتناع رؤية الله تعالى]
في الآية دليل على امتناع رؤية الله عز وجل، وسيأتي بيان وجه الاحتجاج بها.
واعلم أنه قد كثر النزاع بين الأمة في هذه المسألة حتى كفر بعضهم بعضاً بسببها، وتشبث كل فريق منهم على دعواه بالعقل والنقل، ولا بد لنا من تحقيق الكلام فيها في هذا الموضع بما يرفع الشك ويحل الإشكال إن شاء الله تعالى على عادتنا في استيفاء الكلام على المسألة العظيمة، وتحقيق المسألة وما يتعلق بها يتحصل في ثلاثة مواضع:
الأول: في ذكر الخلاف.
الثاني: في حجج أصحابنا.
الثالث: في شبه المخالف.
الموضع الأول: في ذكر الخلاف ذهب أهل العدل كافة من أهل البيت " والزيدية والمعتزلة إلى أن الله تعالى لا تجوز عليه الرؤية بحال لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يجوز أن يدرك بشيء من الحواس، وهو قول الخوارج والمرجئة، ورواه في المواقف عن الأكثرين وفي غيرها عن كثير من الفرق الخارجة عن الإسلام، والخلاف في ذلك مع الحشوية والمجبرة على طبقاتها إلا النجارية فإنهم قالوا لا تجوز عليه الرؤية، ثم اختلف المثبتون لها في أمور:
الأول: هل يرى الله تعالى المكلفون كلهم أو البعض؟ قالت الحشوية: يراه الكل، وقالت المجبرة: يراه البعض فقط وهم المؤمنون؛ لأن الرؤية عندهم ثواب ولا يستحقه إلا المؤمنون.
الثاني: هل يرى في الدنيا والآخرة؟ أو لا يرى إلا في الآخرة؟ ذهبت الحشوية إلى الأول، قالوا: وإنما لم ير الآن لمانع، وعندهم أنه يجوز أن يكون في الأنبياء والأولياء من يراه الآن، والمجبرة إلى الثاني بناء منهم على الأصل المتقدم وهو أن الرؤية ثواب ولا ثواب إلا في الآخرة.

الثالث: اختلفوا في كيفية رؤيته، فقالت المجسمة: يرى رؤية محققة في جهة على حد رؤية الأجسام على مثل هيئة ملوك البشر، وقالت الأشعرية: بل يرى بلا كيف أي لا في جهة لا خلف ولا أمام، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، قالوا: لأن المرئي إنما يرى لأجل الصفة التي يعلم عليها والله تعالى ليس بجسم ولا في جهة فيرى كذلك، قيل: وهذه الرؤية غير معقولة ولهذا قال الرازي: الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة في الرؤية لفظي، وإنما تؤول هذه الرؤية التي أثبتها الأشعرية إلى العلم، وهذا هو قول المعتزلة، ومثله ذكر الغزالي في الاقتصاد.
قلت: ومراد الرازي بالعلم هنا الضروري، وقد صرح به عنه في الأساس حيث حكى عنه أنه قال معنى قول الأشاعرة معرفة ضرورية وعلم نفسي أي يعلم علماً يجده الإنسان من نفسه.
قال الإمام القاسم بن محمد عليه السَّلام : فالخلاف حينئذ لفظي.
قال السيد أحمد بن محمد بن لقمان: يُبَعِّدُ كون الخلاف كذلك قولهم إنه يختص بالرؤية المؤمنون فقط دون الكفار، فظاهر هذا يقضي أنهم لا يريدون بالرؤية ذلك إذ لا يختص بالمعرفة الضرورية المؤمنون فقط، بل يعلم الله كذلك كل أحد اتفاقاً بيننا وبينهم، فظهر أنهم إنما يريدون بالرؤية الرؤية بالعين.
قلت: وطريقتهم في تقرير الخلاف والاحتجاج تأبى هذا التأويل، ولهذا منعوا حمل قوله تعالى:{لَنْ تَرَانِي }[الأعراف:143] وأحاديث الرؤية على العلم، ولعل الرازي إنما أراد إلزامهم ذلك لأنهم إذا نفوا التجسيم والجهة وقالوا يرى بلا كيف لم يبق إلا أنه يعلم بلا كيف إذ لا تعقل رؤية ما هذا حاله بالعين. والله أعلم.
الأمر الرابع: مما اختلفوا فيه هو أنه هل يرى بهذه الحاسة أو بغيرها؟
فقالت الأشعرية: يرى بهذه الحاسة، وقال ضرار: لا بل يرى بحاسة سادسة غير هذه الخمس يخلقها الله تعالى في الإنسان.

الخامس: هل يرى بهذه الحاسة من غير معنى هو الإدراك؟ ذهبت المجسمة إلى أنه يرى بها من غير معنى، وقالت الأشعرية: يرى بمعنى هو الإدراك يخلقه الله تعالى في الحاسة، وهكذا عندهم في كل المدركات أنها تدرك بمعنى هو الإدراك.
السادس: هل يدرك بغير حاسة البصر؟ قيل: لا قائل بذلك إلا رواية عن الأشعري مغمورة أنه تعالى يدرك بجميع الحواس، قالوا: وإدراكه بها ثواب وجزاء لها، فهذا جملة، ما اختلف فيه المثبتون للرؤية وقد تحصل في المسألة إطلاقان: منع الرؤية مطلقاً أي أنه لا يرى نفسه ولا يراه غيره، وهذا قول أئمة العدل، وإثباتها مطلقاً أي أنه يرى نفسه ويراه غيره على حسب الاختلاف السابق، وهذا قول الحشوية وأكثر المجبرة كما مر، وبقى في المسألة تفصيل وهو أنه يرى نفسه ولا يراه غيره، وهذا محكي عن أبي القاسم البلخي، وحكي عن غيره أيضاً، قيل: وليس بصحيح عن أبي القاسم.
قال بعضهم: الحق أنه لم يقل بهذا أحد من أهل العدل، وقال آخر: فأما كثير من أصحابنا فيذكرون أن هذا المذهب لم يقل به قائل، قال وخلافه لا قائل به.
الموضع الثاني: في حجج أصحابنا ولهم على ما ذهبوا إليه حجج عقلية ونقلية.

واعلم أن هذه المسألة مما يصح الاستدلال عليه بالعقل والسمع كما مر في مقدمة الكتاب، وقد فصلنا هنالك ما يصح الاستدلال عليه بالسمع وما يمتنع، ولا بأس بالإشارة إلى معنى ذلك تذكيراً وتأكيداً، و حاصل القول في ذلك أن مسائل التوحيد أنواع: نوع لا يصح الاستدلال عليه بالسمع اتفاقاً وهو إثبات الصانع وكونه قادراً عالماً غنياً، ونوع عكسه وهو مسألة نفي الرؤية، وإثبات الوجود زائداً على ذات الموجود ونوع مختلف فيه وهو كونه حياً ونفي التجسيم، أما كونه حياً فقال السيد ما نكديم وأبو رشيد: يصح الاستدلال عليها بالسمع ومنعه بعضهم، وأما نفي التجسيم فجوز الاستدلال عليه بالسمع بعض أصحابنا، ومنعه بعضهم، قال الإمام المهدي: وهو الأقوى عندي؛ إذ مع تجويز كونه جسماً لا يكمل العلم بكونه عالماً لذاته فيمتنع العلم بالعدل فتقف صحة السمع على العلم بها، إذا عرفت هذا فلنبدأ بذكر الحجج العقلية فنقول:
الحجة الأولى: أن ما يدرك بالحاسة لا يكون إلا جسماً أو عرضاً؛ إذ لا يعقل إحساس غيرهما ضرورة، وكل جسم وعرض محدث لما مر في الفاتحة، والله تعالى ليس بمحدث فوجب أن لا يدرك بحاسة.

302 / 329
ع
En
A+
A-